"ابدأ من منزلك" مبادرات تعزز الاقتصاد زمن الإغلاق

العزلة تمنح مصنّعين جددا مجالا أوسع لمغازلة القوى الشرائية في وقت الحجر الصحي.
السبت 2020/04/18
المنازل تتحول إلى ورش

فتحت إجراءات الحجر الصحي للوقاية من انتشار فايروس كورونا المستجد قرائح الكثير من المبدعين القابعين في منازلهم لتظهر بذلك العديد من المبادرات داخل البيوت، حيث بات ينظر لها على أنها صناعات فرضها الظرف العالمي الاستثنائي، وقد تحدث تغييرا في الذوق المجتمعي وتطويره إلى الأفضل، باعتبارها من المفردات العصرية للقوة الناعمة.

تمثل العشرات من المبادرات التي شهدتها دول عربية تحت شعار “ابدأ من منزلك”، وتدعهما مواقع إلكترونية ومنصّات معرفة رقمية من قبيل مبادرة “ابتدي” التي دشّنها معهد غوته الألماني بالقاهرة ومشروعات “تكوين” في الأردن و”خان الفن” في العراق، هي دعوات لتفعيل الأعمال الثقافية والجهود الإبداعية المنزلية، وتوسعة نطاقها كنشاطات احترافية مدرّة للربح.

وطبيعي أن ظروف هذه المرحلة الكائنة وملابساتها من الاحتجاب المنزلي واعتزال التجمّعات تبدو ملائمة للغاية لإنعاش هذه المبادرات وتطويرها، خصوصًا بعد فقدان الكثيرين أشغالهم التقليدية بسبب حظر عدد هائل من الأنشطة النمطية، وتقييد الحركة، وتعثرات بؤر متعددة في القطاع الخاص، بما يعني تأزمًا اقتصاديًّا حقيقيًّا.

ومن المفارقات، أنه مع ضيق المساحة التي بات يقبع فيها البشر في ظل عزلتهم الراهنة، وقوانين الحظر والتقييد التي طالتهم، تتسع أمامهم يومًا بعد يوم مدارات رحبة، قوامها الخيال الجريء، الخلاق المبتكر، القابل للتحوّل إلى واقع عملي بمجموعة من الخطوات والترتيبات وفق منظومة حياتية مختلفة، يراها البعض صورة لعالمنا الجديد القادم، بعد إعادة رسم سلوك الإنسان ليغدو نقطة أو خلية أو “إحداثية” رقمية تشتغل بكل طاقتها من موضعها.

وكثر الحديث من جانب البعض عن الفلسفات والنظريات القائلة إن الكون تُعاد هندسته بفعل فاعل، من أجل المزيد من الهيمنة السلطوية والرأسمالية على البشر كآلات معزولة في البيوت، خارج الزحام، وبالتالي إمكانية التحكم في هذه “الروبوتات” عن بُعد بطريقة أسهل، وتوجيهها بدقة نحو تنميط استهلاكي محدد، متنوع أو موحد، وكذلك نحو خطط إنتاجية مدروسة بعناية، وفق احتياجات سوق العولمة بمنظورها الجديد.

وبعيدًا عن هذه الافتراضات غير القائمة على أدلة التي زاد ترديدها كثيرًا بعد تداعيات أزمة فايروس كورونا والإجراءات المفروضة على أغلب دول العالم، فإن القرائن والممارسات الفعلية على الأرض تشير من قبل هذه الأزمة الحالية إلى تنامي تطبيقات العمل من المنزل، بكل تجلياتها، بما فيها الصناعات الإبداعية والاقتصاديات الثقافية.

علماء الاقتصاد ورجالات الصناعة وعباقرة الفن قد التقوا معا إزاء هذه الطرق الحديثة في التفكير والأداء وإدارة الأعمال

لكن هذه الأشغال الذكية هي دائمًا وليدة الطفرات الفردية، والقدرات الاستثنائية للمتميزين من البشر والمتفوقين، والمنطلقين بأفكارهم وخيالاتهم خارج الصندوق، وهم ليسوا أبدًا هؤلاء البشر السلبيين المقولبين الذين تحدثت عنهم نظريات المؤامرة وادّعاءات إحلال عالم “روبوتي” محل آخر “آدمي”.

عَثرَتْ الصناعات الإبداعية والاقتصاديات الثقافية المندرجة تحت عنوان “ابدأ نشاطك من منزلك” على المناخ المثالي لها لتصل إلى ذروة خصوبتها، وذلك تحت قوة الحاجة الضاغطة، بوصفها “أمّ الاختراع”، وإنّ توفّر هذا المناخ المثالي في اللحظة الكائنة ليس معناه أنه قد خُلِقَ أو أُوْجِدَ من أجل دعم هذا الاقتصاد الناشئ الناهض عادة على أكتاف الشباب وصغار السن من مرتادي الإنترنت، فالأقرب إلى المنطق أن العكس هو الصحيح، فنشوء هذا المناخ في ظل أوضاع معقدة ملتبسة قد مثّل عاملَ جذبٍ لتنمية هذه الأسواق الجديدة بكل شغفها وتعطشها وطموحها.

وتأثرت الإعلانات التسويقية للمنتجات الاعتيادية بما يواكب طبيعة الحياة وفلسفتها التي تغيرت كثيرًا، وظهرت تعديلات على سلع وتأسست أبجديات ترويجية مغايرة، فهناك على سبيل المثال أجهزة “الجيم” الرياضية المنزلية بمواصفات أبسط وأرخص سعرًا وبعروض شراء مريحة “في المتناول” لتعويض عدم الذهاب إلى الأندية والصالات.

هكذا بإمكان ضرورات العزلة تطوير المهارات وتطويع الأدوات العملية للراغبين في إنشاء المشروعات الاستثمارية في مجالات الصناعات الإبداعية والإدارة الثقافية التي تجمع بين الإبداع الإنساني والمعرفة والتكنولوجيا في آن. وما من حدود لهذه الاقتصاديات الثقافية اللمّاحة المتسقة مع المرحلة اتساقًا كاملًا، فمن تعريفاتها الأساسية أنها تلك الأفكار المجنّحة غير المحدودة بإطار، بشرط قابليتها للترجمة على أرض الواقع.

ومن حقولها اللامتناهية: البناء والمعمار، الأثاث، الديكور، القطع النحتية، النشر الإلكتروني، التصوير، الفيديو، السينما، التصميم، الأزياء، المجوهرات، برامج الكمبيوتر، الألعاب، تطبيقات الموبايلات، وغيرها، والباب مفتوح على مصراعيه لولوج هذه الفضاءات عن إلمام معرفي كامل ووعي بالتجارب السابقة ودراسة مستفيضة للسوق، وليس عن مغامرات فارغة.

وهنا يتجسّد الدور الأهم للمبادرات والمنصّات الرقمية التي يتزايد متابعوها بشكل ملاحظ على صفحات السوشيال ميديا التفاعلية، إذ تمنح الراغبين في ارتياد هذه الساحات الجديدة كافة المعطيات اللازمة والإجابات والمعلومات حول أسس الصناعات الإبداعية والثقافية، وسبل تخطيط وإدارة الأموال، وفنيات التسويق والعلاقات العامة والإدارة الثقافية، وصولًا إلى مساعدة المقدم على التجربة في بلورة فكرته، وتحديد خطوات إنشاء مشروعه، وتقييم هذا المشروع فنيًّا واقتصاديًّا وعمليًّا، لتقليل نسبة المخاطرة.

إن الاجتهاد الفردي الابتكاري هو حجر الزاوية في هذه الصناعات الإبداعية والثقافية “الأسرع نموًّا في العالم” وفق اليونسكو، بل إن المورد المتجدد الفريد في هذه الاقتصاديات التنموية هو الإبداع الإنساني بما فيه من تأليف وتخييل.

التنقل بين الزبائن
التنقل بين الزبائن

وكل ما يأتي لاحقًا، يدخل في إطار الأدوات الممكن تحصيلها بالدرس والتعلم واستعراض الأمثلة والممارسات السابقة والمسح الميداني وتعيين تحديات التسويق وخططه والعلاقة مع الجمهور (المستهلكين) وما إلى ذلك، وهذا ما يبعث الأمل قويًّا في كل من يتوسم في ذاته الذكاء والقدرة على تجاوز ما هو قائم، بمُنتَج جديد له فلسفة وشخصية وربما علامة تجارية ذات خصوصية ثقافية.

ومن المدهش أن علماء الاقتصاد ورجالات الصناعة والإدارة وعباقرة الفن والإبداع قد التقوا معًا إزاء هذه الطرق الحديثة في التفكير والأداء وإدارة الأعمال، فوصفوها بأنها من أفضل سبل التسريع في تحقيق ذات الفرد، ونمو الاقتصاد المحلي والعالمي في الوقت نفسه.

أما من حيث المُنْتَجات الجديدة المتوقعة، فيُفترض أنها أفضل بطبيعة الحال، وتتوفر فيها الخصائص الجمالية الممتعة، إلى جانب تحقيقها خدمة أو تلبيتها احتياجًا أو حلها مشكلة أو سدها نقصًا في النظام المجتمعي. إن هذه الصناعات الإبداعية قد يكون لها دورا في إحداث تغيير في الذوق المجتمعي وتطويره إلى الأفضل، باعتبارها من المفردات العصرية للقوة الناعمة.

ومن المزايا الأخرى التي تتاح للمقبلين على هذه الأعمال الإبداعية والثقافية توفّر قدر مقبول من الحريات النسبية غير المتحققة خارج الفضاء الافتراضي في ظل قوانين الدولة الحاكمة أسواقها العادية الطبيعية.

ولعل هذا ما يفسر مثلًا تنامي أشغال الحرف اليدوية (السيرما، الصدف، الفضيّات، الباتشورك، السجّاد، إلخ) خلال الآونة الأخيرة على نحو غير مسبوق من خلال منافذ العرض والتسويق الإلكترونية وصفحات الإنترنت، في ظل المنافسة الشرسة والتضييق على محتكري هذه الصناعات في متاجرهم التقليدية، وضعف القوى الشرائية في الأسواق العتيقة.

مثل هذه الانتفاضات في العمل الإبداعي من المنزل لها حضور طاغ في مجالات الأزياء، والمجوهرات، والقطع الفنية (أثاث، ديكور)، والمنتجات الذكية (استخدام جديد، استخدامات متعددة للقطعة الواحدة)، والقيمة الحقيقية للمنتجات تكون دائمًا هي قيمة الأفكار المبتكرة التي تحملها (توفير الطاقة، أساليب الإضاءة، طلاء الحوائط، إلخ).

لقد ألقت العُزلة بظلالها الثقيلة على الناس، لكنها منحت هؤلاء المُصنّعين الجدد مجالًا أوسع للتركيز والاستقراء ومغازلة القوى الشرائية بما يلائمها من ابتكارات قد لا تكون مرتفعة السعر، لكنها تشعّ جمالًا وتشبع الروح، وتحقق منفعة، وتلك هي الخلطة السحرية للصناعات الإبداعية والثقافية.

17