ابراهيم صموئيل: نحن الآن تحت وطأة الكابوس

الأحد 2014/06/01
صموئيل له قناعة بأن الكتابة الأدبية الإبداعية هاوية عميقة

عمان ـ ابراهيم صموئيل قاص سوري من مواليد دمشق 1951، يحمل إجازة في الدراسات الفلسفية والاجتماعية من جامعة دمشق، صدرت له أربع مجموعات قصصية: (رائحة الخطو الثقيل) عام 1988 ، و(النحنحات) 1990 ، و(الوعر الأزرق) 1994، و(البيت ذو المدخل الواطئ) 2002. إضافة إلى كتاب يضمّ مقالات له صدر عام 1999 بعنوان (فضاءات من ورق)، وقد اعتُقل مرتين أيام حكم حافظ الأسد، ويقيم حالياً في العاصمة الأردنية عمّان.

اعتُقلتَ للمرة الأولى عام 1977 امتدت لثلاث سنوات، والاعتقال الثاني حدث عام 1986 لمدة ثلاثة وثلاثين يوماً، وهو نفس العام الذي كتبت فيه أولى قصصك القصيرة، وبالتالي كان حيزك الزمني بين الاعتقال والكتابة عنه طويلاً جداً لتبدأ في التعبير عن تجربتك.

السنوات الست التي عشتها بين الاعتقالين، كانت بمثابة مسافة زمنية بيني وبين السجن، لأنني كنت أحاذر من أن تكون الكتابة الأدبية إعلامية وإعلانية وصحفية سريعة بمعنى ما، أكثر منها أدبا يبقى ويستمر، لذلك تريثت حتى تنضج التجربة وتدخل إلى الدم والتنفس والرؤيا. ومن هنا كان لا بدّ لي من هذه المسافة ، ففي العام 1986 مع اعتقالي الثاني الذي دام لثلاثة وثلاثين يوما في المنفردة كتبتُ أول قصة ونشرتها ضمن أول مجموعة صدرت عام 1988. وحيث كنت منفرداً مع نفسي ووحيدا من دون أي شيء أو شخص آخر، في هذا المكان الضيق ظهرت القصص وفوجئت بها، فكنت أصوغ القصة بحبكتها وشخصياتها من الافتتاحية إلى الخاتمة، وعندما خرجت نقلت قصصي الى الورق، وكانت المنفردة بالنسبة إليّ غرفة ولادة نكأت جرح الاعتقال الأول الذي دام ثلاث سنوات بعد أن نضج وتخمّر، طبعا أنا أقول دائما إنني لا أريد للأفاعي أن تُسجن، ولكن رب ضارة نافعة إذا جاز التعبير وإذا ما نظرنا من الزاوية الإيجابية للحالة، فالسجن يمنح خبرة في الحياة ويُكسب فهما أعمق، ويجعل الشخص يقدر قيمة ما كان يمر به دون انتباه ، فمثلاً ما من مرة قبل اعتقالي فكرت بأن السير في الشارع حدث هام يجب أن أحتفي به، ولكن بعد السجن بات السير في الشارع حدثا مهما يجب الاحتفاء به، والجلوس في الشمس حدث عظيم وبهاء ومتعة، فالاعتقال يعيد المعاني الجليلة القديمة للأشياء المهملة ويعيد إحياءها، وبالتالي يتولد لدى الشخص شعور آخر فيصبح إنسانا مختلفاً، طبعاً ليس بالضرورة كل من دخل السجن أو عانى الاعتقال نمت فيه معان جديدة أو أُعيد إحياء معاني قديمة، فأحيانا قد يخرج البعض من السجن وهم أسوأ حالاً مما دخلوه.


تجربة السجن

بعض الكتاب الذين كتبوا عن المعتقلات العربية أدت كتاباتهم إلى خلق حالة من الجبن والخوف لدى القارئ لدرجة أنها كانت تخدم الأنظمة بشكل أو بآخر في زرع الخوف من مناهضتها، بينما ما كتبته أنت يولد النقمة على الطغيان دون أن يزرع شيئاً من الخوف منه في نفس القارئ. بل في لحظة ما يشعر القارئ بأنه من “المفيد!” أن يخوض الإنسان هذه التجربة.

الحقيقة أن ما أشرتِ إليه هو رفيع كشعرة، لكنه متين كالفولاذ، وحاسم جدا: بين أن يُروى عن السجن وأهواله والحياة التي تُعاش فيه، وبين بث الرعب في قلوب من لم يعش تجربة السجن والاعتقال، بحيث يصبح ما كان من المفترض أنه يقدم أهوال الطغيان، أداةً لملء قلوب الناس بالرعب، ومن هنا لا بد من الحذر البالغ إزاء المتلقّي حتى لا يقع الكاتب في أحد مطبين: إما المبالغة الزائدة عن اللزوم، وإما التقصير الزائد عن اللزوم، لأننا داخل هاتين الحالتين، وأستطيع أن أسمّيهما الهاويتين، لا بد من البحث عن هذا الخيط الرفيع جدا والمتلوّي ما بين الهاويتين والسير عليه دون السقوط في إحداهما، ولا يخفى على أحد أن عدداً ممن كتبوا عن الاعتقال والمعتقلات والتعذيب فيها، لم يجربوها بل استمدوا مادتهم ممن عاشوها أو مما قرأوا عن التجربة، فقدموا صورا تخيف الجبابرة، فنحن مهما قرأنا عن البحر أو الغابة أو الحرب .. الخ تبقى التجربة المعيشة والاحتكاك المباشر مسألة أخرى تماما، إحساساً آخر ومشاعر أخرى تماماً.


الصمت والتهلكة

أنت أيام حكم الأسد الأب وحين كانت معظم الأصوات خافتة كان صوتك عاليا واعتُقلت مرتين جراء ذلك، الآن في الثورة السورية معظم الأصوات عالية إلا أن صوتك خافت إلى حد ما، فما السبب؟

الحقيقة السؤال هام ويحتاج إلى مساحة كبيرة للإجابة، ولكن من حيث المبدأ لنضع مرادفا للصوت العالي بمعنى الفاعلية، فاعلية الإنسان داخل ثورة أو انتفاضة أو نهوض لها أشكال كثيرة لا تعد ولا تحصى، وبأساليب معلنة وغير معلنة، وبهذا المعنى أقول ليست شاشة التلفاز هي معيار المساهمة ولا الجريدة هي الصوت العالي للمشاركة، ولا أي منبر ثقافي في ندوة أو ملتقى أمام مئتي شخص، كل ما سبق أعتبره من أشكال متعددة للفاعلية، ولكن هناك فعاليات كثيرة أخرى ذات فائدة ولكن بالغة الصمت وبالغة الحراك والأثر في آن معاً. أنا أرى أنه كلما كان الحراك خطرا كان يجب التعتيم عليه والصمت حوله بسبب خطورته، كما هي الأجهزة المتفجرة فكلما كان الجهاز أكثر خطورة يصبح الحذر في التعامل معه أكثر ضرورة، من أجل ضمان السلامة من الخطر الكبير، وبهذا المعنى فشدة الخطر تحتاج إلى شدة موازية إن لم تكن مضاعفة من التكتم والصمت وعدم الظهور ليستمر العمل، ليكون أثمن من صاحبه وأكثر قيمة، لأن الغاية أن يستمر العمل ويترك الأثر الذي يجب أن يتركه، فإذا ما تكتم صاحب الأثر على عمله يكون بشكل تلقائي يكتب حياةً أطول لأثره من أن تُقطع على يد شخص من هنا أو هناك بسبب اعتقال أو غيره، لأنه من أسهل الأشياء أن يودي أحدنا بنفسه إلى التهلكة، ومن أصعبها وأشقاها أن يستمر الإنسان بالحياة ويستمر عمله دون أن يُمسّا.


بيت الدواب

في قصة “البيت ذو المدخل الواطئ” إحدى قصص مجموعتك الأخيرة تقول عن المدخل الواطئ: (تركبني الحيرة من أمره وأمري، إذ لا أنا بقادر على تغيير بنائه، ولا بمتمكّن من التآلف مع انخفاضه والتعود عليه، فلا أملك من عجزي إلا أن أشتم بانيه) فهل توافقني أن دلالة “البيت ذو المدخل الواطئ” هي سوريا.

مؤخراً أشار الدكتور فيصل دراج الى إحدى قصصي ضمن ندوة عن القصة القصيرة قائلا: “أنا قرات قصة لإبراهيم صموئيل كتبها منذ سنوات تتحدث عما يجري الآن”، وأنا أضيف بأن البيت المغلق تماما والذي ليس له مدخل لا يفكر الإنسان بالأساس أن يدخل إليه، والبيت الذي ليس له مدخل نهائيا بمعنى مفتوح على جميع الاتجاهات ليس بيتا، أصعب شيء بين البيتين أو الوطنين أو البلدين أن يكون له مدخل، ولكن يصلح للدواب والحيوانات لأنه (يُحَيْوِنُ الإنسان) على حدِّ تعبير ممدوح عدوان، ويجعله حيوانا مفترسا أو دابّة جراء هذا النوع من البيوت الخبيثة إلى أقصى حد في بنائها والتي هي ليست مغلقة لندير ظهرنا لها ولا مفتوحة لحريتنا، هي أشبه بقطرة الماء التي لا تحيينا ولا تسمح لنا بالموت، فنصبح لسنا من عداد الأحياء لأنها لا تكفي، ولسنا أمواتا لأن القطرة موجودة، حتى عندما نغير “البيت ذو المدخل الواطئ” ونقتلع أشواك ولعنات ما مضى ونتماسك أمام الآخرين، تبقى بؤرة صغيرة كما الصندوق الأسود في قلوبنا لا يمكن محوها ولا تغييرها لأنها الشعور العميق الخافي واللعنة الأبدية حيث كلما اقتربنا من باب مهما كان ارتفاعه طبيعياً ومعتاداً نستعيد ذاكرة ما مضى، وننحني في دواخلنا شئنا أم أبينا لأننا أبناء الانحناء ولدنا من رحمه.


ولادة متعثرة



ولادة متعثرة إذا كانت سوريا قبل 2011 هي ذلك “البيت ذو المدخل الواطئ”، فما حالها الآن؟


أنا أحاذر الآن من المسارعة بالتوصيف مع أن الأسباب موجودة لمن يرغب ويرى أن بإمكانه التوصيف فيستطيع القول والحكم، لكنني ميال حتى في تفاصيل حياتي العامة للتأمل عميقاً وترك مسافة ضرورية بين التجربة والتعبير عنها، فما بالنا إزاء حدث جلل وكبير ومهول بل حدث يفوق العقل والتصور!!؟ الآن، أنا فقط واحد من السوريين الذين يعانون ولادة متعثرة جداً بل ولادة عجائبية غرائبية، صراخها يملأ الكون ودمها نازف مع قيحها، فالتعبير عن هذه الحالة يحتاج زمنا، ففي حالة الضباب الكثيف مهما استخدمنا من أضواء تبقى الرؤية متعثرة ولا نستطيع رؤية إصبعنا على بعد سنتيمترات من عيوننا، الآن نحن ضمن هول من العتمة والكارثية حيث أن المتخصصين بالسياسة والأنظمة والأحزاب والقوى السياسية تعجز ألسنتهم عن التعبير والتوصيف أمام هذا الحدث العجائبي غير المسبوق الذي يحتاج إلى طريقة جديدة لفهم الكارثة واستيعاب الهول ومن ثمّة التعبير عنهما، لأن الرأس البشري بما يحتويه يبدو أنه يحتاج لتعابير جديدة غير كل المألوف البشري وكل ما هو موجود في لسان العرب لابن منظور!!


لا ثقافة تعبر

ما رأيك بالحراك الثقافي الراهن الذي يتحدث عن الثورة السورية بكل أشكاله.

الحقيقة هناك سياقان: سياق سياسي آني مبرر، غرضه الحديث فيما يجري وتوجيهه إن أمكن، أو وقف الكارثة إن أتيح للقائمين عليه، وهناك سياق ثقافي أدبي أرى أن ليس زمنه الآن، لأنه يصبح إعلامياً إعلانياً ويتماهى مع السياق الأول ولكن بلبوس أدبي. تابعت الكثير من النشاطات الثقافية لكنني لم أجد ما يعبر عن هذا الحراك، وقرأت أدبيات متعددة فشعرت أنني أمام جريدة، وأنا على قناعة بأن الكتابة الأدبية الإبداعية ونحن في قلب الحدث ومحرقته هو هاوية عميقة.

في الحقيقة الأهمية الآن للتوثيق، والبعض يعتبر أن الأدب أحد أشكال التوثيق، وأنا أقول التوثيق له مؤسساته ولا يمكن للأديب مهما كان جنس أدبه أن يحلَّ مكان محمد عابد الجابري أو صادق جلال العظم أوالطيب تيزيني أو الكواكبي لو كان حيا، إذ للتوثيق رجاله المختصون ، وللأدب مكان آخر وهذا لا يعني من قريب أو بعيد أن نصوص الأدب لا تفيد التوثيق، أو أن الادب غير معني بما يجري، ولكن طبيعة الأدب تحتاج إلى أن تتخمر وتنضج، كما يحتاج العجين إلى التخمير حتى يصبح مهيئاً لأن يُخبز خبزا ناضجا شهيا طيبا ومغذيا، احتراما لما نقدم ولمن نقدم، وعلى الكاتب، أو عليَّ، أن أنتظر مسافة زمنية ليتغلغل ما يحدث في عقلي ودمي وروحي ويتخمّر، ومن ثمة أحوّل ذلك كله إلى قصص لا تكون إعلامية عن الحدث أو وعظية خطابية مباشرة أقلّ أثراً مما ينقله المراسلون من قلب الحدث وتبثّه القنوات الفضائية.

16