ابقوا في المنطقة الخضراء وأعطونا الكرامة والحقوق

الخطوات الشكلية إن لم ترتبط بإجراءات إنقاذية فهي لا تعني شيئا، لأن حجم الكارثة التي وقعت على العراقيين يتطلبان قرارات ثورية في تصفية الفاسدين وسراق المال.
الجمعة 2018/12/14
فتح المنطقة الخضراء لا يعيد الكرامة والحقوق

لا نشكك في النوايا الحسنة للسيد رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي في بعض الإجراءات التي يتخذها في الأيام الأولى لحكمه مثل البدء بالفتح التجريبي لبعض طرق المنطقة الخضراء أمام المواطنين بعد أن اختار مكتبه الرسمي، حسب ما ذكر، في بناية المجلس الوطني السابق وهو مجاور للمنطقة الخضراء وفيه حماية أمنية لا تقل عن المنطقة الخضراء صرامة. وكذلك زيارته التفقدية لإحدى أسواق بيع الخضروات ببغداد، أو إشاراته الإعلامية بالعمل من أجل المواطنين خلال المؤتمرات الصحفية الأسبوعية، وهو تقليد ورثه من سلفه حيدر العبادي لا مبرر له وقد يكتفي بإيجاز عن اجتماع مجلس الوزراء من مكتبه الصحفي. فهو يريد أن يعطي انطباعا للجمهور العراقي بأنه قريب منه ويسعى إلى تحقيق ما يريده. وبذلك يتناغم مع ما يفعله رئيس الجمهورية برهم صالح الذي فتح موقعه الرئاسي من البروتوكول النائم إلى حركة العلاقات السياسية العامة.

لكن هذه الخطوات الشكلية إن لم ترتبط بإجراءات فعلية سريعة إنقاذية فهي لا تعني شيئاً، لأن حجم الأزمة السياسية والكارثة التي وقعت على العراقيين يتطلبان قرارات ثورية من مسؤول قوي وحازم في تصفية الفاسدين وسراق المال.

المنطقة الخضراء التي يعتبر عبدالمهدي فتح بعض ممراتها إنجازاً مهماً لكونها تتعلق بالجانب الأمني للطبقة السياسية الحاكمة ومأواهم الآمن، تعتبر في عيون العراقيين مركز التاريخ الأسود والوكر الأول للاحتلال الأميركي وقيادته قبل تأسيس السفارة الأميركية وبعده، ومن مطبخها الكريه انطلقت القرارات الأولى للحاكم الأميركي بول بريمر الذي أسسها لتدمير الدولة العراقية وحل الجيش العراقي الوطني وتفكيك المجتمع العراقي إلى طوائف وأعراق متنازعة. ووجد في ذلك الوقت أنه قدم خطوة كبيرة في حماية السياسيين الذين اختارهم لقيادة البلد من أعدائهم.

وقد نقل لي أحد السياسيين داخل العملية السياسية أن بريمر تحدث في ذلك الوقت في بغداد مع بعض السياسيين العراقيين عن أفضال الولايات المتحدة قائلا “أقمنا لكم المنطقة الخضراء دليلاً على حرصنا لاستمرار حياتكم الخضراء، فلولانا بأي ملاذ كنتم ستحتمون؟”. فلو كان قادة الأحزاب لديهم الثقة في أن الشعب يحبهم ويحميهم لما تحصنوا تحت أسوار هذه المنطقة، التي أسماها الأميركان بـ”المنطقة الخضراء”، ومقابل ذلك أعرف أن هناك بعض المسؤولين والكوادر في العملية السياسية خصوصاً من أتباع مقتدى الصدر قد اختاروا الإقامة في بيوتهم الاعتيادية وسط الناس ويشعرون بأمان، فيما اشترى البعض الآخر خصوصاً بعض النواب مساكن لهم داخل المنطقة الخضراء إلى جانب أصحاب النفوذ الذين استولوا على مقرات ومراكز وقصور الدولة القديمة وبيوت مسؤوليها، وحولوها إلى مقرات للإقامة الفارهة بجميع الخدمات فيما يعيش أبناء بغداد في خراب تام.

وحتى لو أنجز قرار فتح الشوارع فما سيحصل هو انكشاف مظاهر الرفاه التي يتمتع بها قادة الأحزاب والمسؤولون الذين لن يغادروها. وللمفارقة المحزنة فقد عجت مواقع التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين بالتعبير عن فرح أهل بغداد بفتح بعض طرق المنطقة الخضراء، وكانت الأكثر دلالة تعليقات البغداديات حول نظافة وجمال وهدوء المنطقة الخضراء التي مررن بشوارعها. نعم ألم تكن بغداد في السابق مركزاً للجمال والنظافة التي تضاهي عواصم العالم؟ ألم يحولها البرابرة الغزاة والجهلة إلى أسوأ عاصمة للعيش للمرة العاشرة هذا العام حسب المسح الذي أجرته مؤسسة “ميرسر” العالمية للاستشارات؟

نعم كان أحد مطالب مقتدى الصدر خلال الحملة الانتخابية فتح المنطقة الخضراء، وسبق لأنصاره أن اقتحموها في تظاهرات دعوات الإصلاح والتغيير خلال فترة حكم حيدر العبادي. وإذا أراد عبدالمهدي أن يبيّض سمعة هذه المنطقة فعليه أن يلغي هذه التسمية من التداول لتعود تسمياتها القديمة ضمن بغداد، كما عليه اتخاذ قرارات جريئة بشأن عائدية أغلب العقارات المشغولة من قبل المسؤولين، وبعضهم خرج من المسؤولية الرسمية لكنه مستمر مع مستشاريه وحماياته في السكن المجاني داخل المنطقة الخضراء، والبعض الآخر حوّل الملكيات العقارية باسمه وأسماء عائلته في اغتصاب صريح لملكية مواطنين آخرين.

يتحدثون عن الديمقراطية في الجانب الذي يهيء لهم فرص الاستحواذ على السلطة، ولكن تتعطل هذه الديمقراطية في استغلال المناصب للاعتداء على حقوق الناس. ففي بريطانيا مثلا التي يفترض أن يقتدوا بديمقراطيتها حين يغادر رئيس الوزراء منصبه يعود إلى داره الأصلية. مررت في لندن بمبنى صغير في شارع عادي عبارة عن شقة كبيرة يقف على بوابتها حارس واحد، فسألت قالوا هذا منزل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق طوني بلير، وهذا ليس مدحاً له ولكن هذه هي دول المؤسسات، والسيد عادل عبدالمهدي يعرفها كما يعرفها زميله السابق حيدر العبادي. فلماذا يقبل الآن هذا الاستغلال الكبير وهو المسؤول الأول؟ قد يقول إنه لا يستطيع المواجهة الآن، ولنضع هذه القضية الشكلية جانباً ونتساءل من رئيس الوزراء الذي وقع في فخ الأحزاب وهيمنتها؟

هناك تقرير أعلنته النائبة ماجدة التميمي قبل يومين قالت فيه “إن عام 2014 هو عام الأموال المهدورة حيث بلغت قيمة الأموال 104.9 مليار دولار في سياق النهب المتواصل، وهذا النهب لا يحصل على أيدي موظفين صغار مثلما تم تسريبه من مكتب رئيس الوزراء بأن هناك 13 ألف ملف فساد رهن التحقيق. العراقيون ليسوا بحاجة إلى إعلانات وغير معنيين بالدعاية أنهم بحاجة إلى أن يسمعوا بأنباء قرارات مسك الرؤوس وزجها في السجون وإحالتها الفورية إلى القضاء دون مجاملة لأحد من السياسيين. فطريق المجاملات في ظل الظرف العراقي الحالي يبقي على الفساد والدليل هو المجاملات في ترشيحات الوزراء.

العراقيون يريدون لعادل عبدالمهدي أن ينجح ولزملائه في الرئاسات الأخرى كذلك، لكن عمق الكارثة يجعلهم لا يمنحون الثقة العمياء لأي مسؤول بعد الآن، والشباب في البصرة وبغداد وغيرها من المدن لم يناموا على حرير بل ما زال الملح المسمم يلوي بطونهم وهم سيعودون لانتفاضتهم السلمية مجددا. العراقيون يقولون لعادل عبدالمهدي وبرهم صالح ومحمد الحلبوسي وغيرهم من قادة الأحزاب: ابقوا في منطقتكم الخضراء وأعطونا الخبز والكرامة والحقوق.

8