ابنة الفراشة

الأربعاء 2014/09/03

كانت ليلة من ظلام دامس ما خلا ضياءً خافتاً لفانوس صغير كان يجهد ليبدّد شيئاً من ظلمتها.. ليلة جحيمية كانت القذائف والانفجارات فيها تنهال بعدد الثواني فوق الرؤوس والنفوس.. وكان الموت يتسلل دون استئذان إلى البيوت الآمنة والغرف التي تحتضن آمنيها.. ولا صوت يعلو على صوت الرعب.

انحشرنا جميعاً في غرفة صغيرة بلا نوافذ.. لنكون بمنأى عن شظايا الزجاج.. وقد انتحى كلٌ منا زاوية فوق فراش متواضع على الأرض في ادعاءٍ مبطـّن لمحاولات استحضار النوم.. صوت دمدمة مسموع لأدعية وصلوات وآيات من السور القصار.. أصوات تكبير وبسملة وحوقلة تتبع كل دوي يهزّ أركان البيت وأفئدة الروح.

ورأيتها فجأة..!

حشرة صغيرة بجناحين أبيضين كانت تدور حول ضياء الفانوس الصغير غير آبهة بالحرب الكبيرة.. حشرة صغيرة لا أعرف اسمها ولم أعرفه يوماً.. لكنني أذكر أننا حين كنا صغاراً كنا نسميها “إبنة الفراشة”!..

وما أن رأيتها حتى خطرت ببالي مربيتنا العجوز رحمها الله.. وتذكرت كيف كانت تنهرنا كلما وجدتنا نطارد تلك الحشرة الصغيرة بمضرب الذباب لنتخلص منها.. فكانت تشيط غضباً وخوفاً علينا: “لا تقتلوها.. إنها جلاّبة فألٍ حسن.. إن هي إلا روح خيّرة تبارك المكان وأصحاب المكان!”

ولا أدري كيف ولماذا وجدتُ نفسي في تلكم اللحظات المروعة أتنفسّ شيئاً من صعداء الارتياح.. فلكأنني بمربيتي العجوز تقف عند رأسي مبتسمة مربّتة على كتف خوفي وهي تطمئنني بعربية مكسرة بألا أخاف! وتدعو لي ولأهلي بالسلامة وراحة البال.. وقد بعثت بابنة الفراشة رسول سلام ومحبة لتنوب عنها بالبركة.. فتحرسنا وتطرد عنا شبح الموت!

ولعجبي.. وعجب كل من حولي.. أغمضتُ عينيّ واستسلمتُ لنوم عميق.. وكأنّ السكينة قد سكنت قلبي لتحلّ محلّ القلق والخوف.. وراحت القذائف تهدهد أحلامي بدل تهديدها..!

ثمة تفاصيل صغيرة جداً نتعلق بها أحياناً مثل قشة الغريق.. نقرأها مثل إشارات تجعلنا نتشبث بالحياة.. وقد علمتني التجارب أننا ما أن يقترب الموت حتى نجد في الواقع أو في الخيال ما يجبرنا على المقاومة.. فالتعلق بالأمل صفة من صفات الحياة.. ونحن – أبناء الحياة – نبحث بقصد وبغير قصد عن سبب يجعل حيواتنا تستمر ولو لأبسط تفصيل..

تفاصيل كثيرة قد نتوارثها أو نجدها متأصلة في داخلنا بوصفها إرثاً شعبياً أو عرفاً سائداً.. قد نعلم جذوره وقد لا نعلمها.. مثل رؤية الهلال ونحن مع شخص طيب محب.. فنتفاءل لأننا رأينا الهلال “بوجهه” فننتظر قدوم شهر من خير وبركة.. وتفاصيل أخرى قد تعززها تجاربنا الشخصية فنتفاءل بارتداء لون دون سواه أو حجر دون غيره.. أو حتى أن نلازم شخصا دون سواه معوّلين بأن رؤيته تجلب الحظ.. وصوته على الهاتف يجلب الرزق!!

تفاصيل يومية كثيرة.. بعضنا يعير لها الكثير من الانتباه.. ويتعامل معها بحذر مؤمناً بها ومصدقاً.. وبعضنا لا تشكل عنده أي شيء..

لكنها في المحصلة النهائية تصب في النهر ذاته: نهر الإصرار على حب الحياة والتفاؤل ومقاومة الشر ومعاندة القدر وسوء الطالع.. إنها صفة إنسانية بامتياز.. مهما حاول بعضنا التنصل منها أو ادعاء ما عداها.. وربما لولا تلك التفاصيل الصغار لما استطعنا احتمال واقعنا أياً كانت وطأته.

21