ابنة شيراك بالتبني تعترف

الأحد 2014/08/24
آن داوو تراكسيل: ابنة جاك شيراك التي استغلها للدعاية السياسية و تخلى عنها حين صار رئيسا للجمهورية

اليتيمة ذات الأصول الأسيوية آن داوو تراكسيل، ابنة جاك شيراك بالتبني، تصدر كتابا بعنوان “شيراك: عائلة غير عادية. اعترافات بنت متبناة”.

لدى وصولها “بوت بيبل” بباريس في 19يوليوز 1979، قال حينها جاك شيراك: “هذه الصغيرة لي”، فاحتضنتها عائلة شيراك بعد ذلك وتم تبنيها رسميا ، تحت تغطية إعلامية منظمة. كان ذلك قبل أن يصير شيراك رئيس فرنسا.

تقول آن داوو: “أتذكر ذلك اليوم كأنه البارحة رغم مرور 35 سنة، لقد كانت تلك العائلة رائعة جدا في تعاملها معي، واحتضنتني فعلا بشكل أحسست أنه من القلب. لقد وجدت أبا، أما و أختين. لم أشعر ولو لثانية واحدة أنني غريبة”.

لقد عاشت لمدة في قلب العائلة حتى بلغت أشدها وتزوجت وأنجبت طفلها بيرنار، لكن كل ذلك سيتغير فجأة في أحد الأيام.


الصورة اليتيمة


في إحدى الصور التي تداولتها الصحف والمجلات، تظهر عائلة شيراك غاية في السعادة وهي تحتفل بعيد ميلاد ابن آن داوو الذي يدعى بيرنار وهو في ربيعه الثاني. تبدو آن داوو على يمين جاك شيراك، وعلى يساره زوجته وابنتاه وقد كانت إحداهما تحتضن الطفل بمنتهى الحنان.

أشارت آن داوو في تعليق على تلك اللقطة التي اختارت أن تضعها بواجهة غلاف مؤلفها، أنها الصورة الوحيدة التي تظهر فيها مع العائلة التي تبنتها، وتذكر أيضا أن الاحتفال مرّ في جو تغمره السعادة وأن ابنة شيراك لورانس التي كانت تحبها كثيرا، هي التي طلبت من والدها أن تحتضن بيرنار وتجلسه فوق ركبتيها.

لقد أمضت سنتين بالقصر البلدي لمدينة باريس، وخالطت هناك كبار الشخصيات، وكان جاك شيراك لا يجد حرجا وهو يقدمها دائما للآخرين على أنها ابنته الثالثة. فما الذي تغير بعد ذلك؟


اتركي زوجي


بمنشورات “هوغو دوك” وتحت عنوان “شيراك: عائلة غير عادية. اعترافات بنت متبناة”، أصدرت آن داوو كتابا تحكي فيه كيف قررت عائلة شيراك في إحدى الأيام أن تتخلى عنها ولم تعد تعتبرها فردا من أفرادها. لقد حدث ذلك ابتداء من سنة 1995، يوم انتخاب جاك شيراك رئيسا للجمهورية. يومها ستقترب منه كعادتها فيخبرها أنها سترافقه إلى قصر الإليزيه، لكن زوجته بيرناديت ستقول لها بلهجة حادة: “أتركي زوجي وشأنه! ابتعدي عن رئيس الجمهورية!”.

مضمون الكتاب يوافق تماما العنوان الذي اختارته له داوو

صرحت آن داوو أنها لما رأت بيرناديت لأول مرة حين جاءت تبحث عنها بمركز الاستقبال وهي تذرف الدموع، خُيل إليها أن تلك الدموع كانت حقيقية وتنبع عن إحساس الأمومة لديها، لكن الواقع عكس ذلك. “لقد كنتُ مخطئة، فالحقيقة أن بيرناديت لم تكن يوما أمّا لي، لم تعتن بي قط ولم تكن تحبني يوما. إنها الحقيقة التي اكتشفتها مؤخرا بعد كل تلك السنين، فكل تلك الحركات كانت تمثيلا في تمثيل ومدروسة بدقة، إنها ومضات دعاية سياسية، عملية سياسية محبوكة وإشارات موجهة تستهدف في حقيقتها الأصوات الانتخابية للأمهات الفرنسيات”. هذا ما تؤكده في كتابها مشيرة أنه تم استغلالها لأغراض سياسية وأن الحقل السياسي يسوده قانون الغاب الذي لا يرحم، لكنها لا تنكر بالمقابل أن علاقتها بالأب الروحي جاك شيراك كانت علاقة حب صادقة وأنها لازالت تكن له كل المحبة والاحترام. إنها تورد أنها تعتبره دائما أبا حقيقيا وأنها لا تنكر أنه كان أيضا يعزها معزة بنتيه وتصف ما حدث لها بالصدمة الكبرى التي جعلتها تكره كل الساسة. تذكر بالمناسبة صراحة جاك شيراك الذي تقول إنه كان دائما يردد أن عالم السياسة غابة لا ترحم تحكمها غريزة البقاء، ومن يفهم هذا عليه أن يسلم ألا مجال هناك للأحاسيس والمشاعر.

هكذا أكدت أيضا بعض وسائل الإعلام الفرنسية أنه تم استغلال آن داوو تراكسيل على الخصوص من أجل استقطاب أصوات الناخبين ذوي الأصول الأسيوية، وتم نبذها بعد ذلك، حتى أنها اضطرت للعمل كنادلة بأحد المطاعم الأسيوية بباريس.

لقد صرحت بهذا الصدد لمّا حاورها الصحفي باتريك سيمونان، بأن حزنا شديدا تملكها وشعرت بخيبة الأمل، خصوصا وأنها اعتقدت لمدة أنها وجدت مكانا لها وسط عائلة تحبها. إنها تتأسف كثيرا كون تلك العائلة لم تترك لها الفرصة لتعلم اللغة الفرنسية بشكل جيد، وتتذكر لقطة جرحت كبرياءها حين كانت برفقة الزوجين حول مائدة الغذاء فقالت بيرناديت لزوجها: “إذا رد علينا مدير العمل الاجتماعي بالمقاطعة الرابعة أنه لا يوجد مكان يكفي لنزيلة أخرى، فماذا سنفعل بهذه الفتاة؟”. حينها ستفهم الفتاة أن تلك العائلة كانت تساعدها فقط ولم تكن تعتبرها من أفرادها.


آلة للفرم


مضمون الكتاب الذي ألفته آن داوو يوافق تماما العنوان الذي اختارته له حيث تنم كل فقراته عن تفاصيل الحياة لدى أسرة ليست عادية. من بين هذه التفاصيل تورد المؤلفة بعض المقاطع التي أمر جاك شيراك بحذفها من مؤلفها السابق والتي كانت تتحدث مثلا عن جوانب الترف والبذخ للحياة التي كان يعيشها الرئيس وعائلته، كاستعماله لطائرة خاصة للتنقل والاستجمام أثناء العطل… بالنهاية، تظهر جليا تلك الواجهة المقَنَّعة التي يعمل ذوو النفوذ دائما على تلميعها أمام العامة والتكتم على العديد من الحقائق.

عن هذه الملاحظة تشير الكاتبة أنه ليس باستطاعة أي رجل سياسة أن يقول الحقيقة، خاصة تلك التي تهم حياته الخاصة وتضيف: “لقد عشت ذلك ورأيته بأم عيني، ولقد صممت أن أنشر كتابي الثاني هذا، ليعرف كل الناس أن تلك العائلة ليست عادية وأنها أيضا آلة للفرم، ماكينة لبلوغ أهداف النفوذ والسلطة القصوى، ومن ثمة فالمكان لا يتسع لأي شخص آخر”.

يعرف المتتبع للشأن السياسي بفرنسا أن ما وصل إليه جاك شيراك من نفوذ وسلطة يعود فعلا بالأساس إلى المجموعة النسائية التي كانت تحيط به وعلى رأسها زوجته بيرناديت. هذه المعلومات تداولتها الصحف ووسائل الإعلام بشكل عام كما صدر فيلم سينمائي يحكي عن الحياة السياسية للرئيس شيراك بعنوان “النساء الثلاث لفريق شيراك”.

لقد كُنَّ في الحقيقة أربعة، لكن الفريق الذي استعمل صورة آن داوو لم يعترف لها بحق الانتماء ولا بنصيبها في الكعكة السياسية. أما جاك شيراك، فما كان بمقدوره مخالفة تعليمات فريقه النسائي لدرجة أنه بإحدى مراسيم جنازة أحد أقرباءه سنة 2011، قابلته آن داوو صدفة وهي متوجهة لاقتناء جريدة، تقول إنها لمّا رأته صممت أن تذهب لتسلّم عليه لأنها لازالت تعتبره أبا لها، فلما اقتربت منه أخرج يده من نافذة السيارة وقام بمصافحتها قائلا: “إنه لطف منك سيدتي.. أتسكنين في العمارة المجاورة؟”.

14