"ابني يعلمني" عشرون درسا يقدمها ابن لأبيه

لأن للتجربة الأولى دهشتها، وللنظرة الأولى سحرها، فقد سجّل الكاتب وائل السمري هذه الدهشة وهذا السحر في كتابه "ابني يعلمني"، حيث احتفى في كتابه بالحياة، بلحظة الميلاد الفارقة، ومن خلالها دوّن تاريخه الشخصي مع الأبوة ومشاعرها الفريدة، متحديا الموت والنسيان والقبح ليصف أحد أهم وأبلغ التجارب الإنسانية بروح شعرية.
السبت 2015/08/29
وائل السمري: أنت في الزمن، وفيك الزمن، فلا تخض حربا ضده، ولا تسالمه ولا تأمنه

القاهرة - لم يكتف وائل السمري في كتابه “ابني يعلمني” الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، والجديد على المكتبة العربية، بسرد تجربته مع الميلاد، بكل التفاصيل المبهجة، ومسؤولياته الثقيلة، ولكنه غاص في أعماق التجربة، ليستخرج منها الحكمة، ويعيش تفاصيلها، من خلال نظرة إنسانية، أبوية، فلسفية، غلَّفها الكاتب بأسلوب أدبي، حاول من خلاله أن يصل إلى «ما بعد الوجود، بأجمل ما في الوجود».

الاحتفاء بالميلاد

وقسّم السمري كتابه إلى مقدمة سماها «قنطرة»، وعشرين درسا/ فصلا، ثم خاتمة سماها «الدرس صفر»، حيث تحدّث في مقدمته عن احتفاء الكتاب والمبدعين بالموت على حساب الحياة والميلاد «نحن من تجاهل الميلاد بكل بلادة خوفا من أن نفقد الوليد، نجح الموت في أن يسمم أجمل لحظات حياتنا وأغناها وأخصبها وحط على ألسنتنا الخرس، فهزمنا من حيث أردنا أن نهزمه، تجاهلنا ما تحمله لحظة الميلاد من بلاغة نادرة بتجسيدها كل المشاعر الإنسانية مجتمعة، حُرمنا من أن نتأمل ابتسامه الوليد وأن نبتهج بها وأن نخلدها، حُرمنا من أن نفرح بمعجزة الله الدائمة وأن نرى في الميلاد دليلا لحظيّا على قدرة الله ومقدرته».

ويختتم مقدمته بتوضيح الهدف من الكتاب، إذ يقول «هنا أردت أن أشارك الجميع فرحتي بابني الأول الذي ما إن رأيته حتى تأكدت أنني رأيت ما لا عين رأت، وسمعت ما لا أذن سمعت»، ويضيف موضحا «تشكو مكتبتنا العربية من ندرة الكتب التي تحتفي بالميلاد والتي تتأمل هذه التجربة الخلاقة، لذا آثرت أن أُدوّن تاريخي الشخصي من المشاعر الأبوية الفريدة لأشارك الجميع في مائدة السعادة التي أنزلها الله عليّ».

وفي الدرس الأول المعنون بـ«لا خروج إلى النور إلا بجرح وبكاء»، يتحدث وائل السمري عن اللحظات المربكة في انتظار وصول المولود وخروجه إلى النور، وكيف يخفق قلبه وهو يقف «كتلميذ بليد يترقب الدقائق دقيقة بعد دقيقة»، ثم في الدرس الثاني، وعنوانه «لا شيء يفوق دهشة الموت سوى دهشة الميلاد»، يتحدث عن النظرة الأولى التي تشبه السهم النافذ، واللحظة الأولى التي تجبرك على الاعتقاد بأن العالم توقّف عند قدميك، مشيرا إلى لقائه مع «تلك اللحمة الحمراء التي تحملها بين ذراعيك فلا تكاد تبين»، وتبدأ الأسئلة المربكة في التوالي «هل يدفعك الخوف على ابنك الوليد إلى تذكر هذا الذي تخشاه؟ أم هل تخاف حقّا من أن تموت أنت بعد أن أديت رسالتك؟ أم هل أنك تذكرت الأحبة الراحلين وتمنيت أن يكونوا ها هنا ليشاركوك تلك اللحظة الآسرة؟».

مكتبتنا العربية تشكو من ندرة الكتب التي تحتفي بالميلاد والتي تتأمل هذه التجربة الخلاقة، في ضرب جديد من الكتابة

بعد ذلك ينتقل الكاتب إلى الدرس الثالث، وعنوانه «أبدا.. لا يسأل الظمآن عن قصد المطر»، وفيه يتناول المشاعر، والحضن الذي يصير «هو التعبير الأزلي الأبلغ عن المحبة والوفاء، ويصير الدنو من قلب إنسان آخر منتهى العشق وغاية الوله».

عشرون درسا

وبمشاعره الفياضة تلك، ينتقل الكاتب من درس إلى آخر، مستخدما عناوين دالة، لا تخلو من صبغة شعرية شفيفة، تجعل القارئ شغوفا بمواصلة القراءة، فنقرأ عناوين الدروس التي تحمل في طياتها معاني رؤيوية عميقة وكأننا نلتقي بما يريد الكاتب قوله من العتبة المتمثلة في العنوان، فعنوان كل درس في حدّ ذاته حكاية ومعنى وفكرة خالصة النقاء، فعنوان الدرس الرابع: وقد يجرفك الشوق إلى ما تراه بعينيك فيصبح الواقع حلما والحلم حياة.

والدرس الخامس: بالأرض كما بالسماء.. ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، والدرس السادس: اللُّقيا قوت الأعين.. والبعد صيام كافر.. وصيام العين عماء.. فافرش قلبك بالبسملة وقف راضيا لتقول: اللهم لك صمت وعلى رزقك «أبصرت»، والدرس السابع: أن انتقال الروح ليس بالبشاعة التي يتخيلون.. فها هي روحي تقفز مني إليه.. فأراها طفلة زاهية.. ضاحكة.. مستبشرة في الذهاب والإياب، والدرس الثامن: جرح لم تُشفِه الموسيقى، هو جرح لن يندمل، وألمٌ لم تمحُهُ الموسيقى، هو ألم مقيم، والدرس التاسع: الناس نيام، فإذا أنجبوا انتبهوا!
الكاتب غاص في أعماق التجربة ليستخرج منها الحكمة
والدرس العاشر: أن أخاطب ملائكة الأحلام وشياطين الغواية ناهرا: لا تعبثوا برأس الصغير فأنا هنا.. حصن وسد، والدرس الحادي عشر: تتعلم مبادئ الإنسانية من نظرة عين، والدرس الثاني عشر: الألم الحقيقي هو ألم مَن تحب وليس ألمك أنت، والدرس الثالث عشر: وقد يتجلى كرم الله كاملا في ابتسامة مباغتة، والدرس الرابع عشر: أن أتوسل إلى الشمس والماء والهواء.. ارحموا رقة خلق الله الناشئة، وكونوا بردا وسلاما على حلمي الصغير، والدرس الخامس عشر: الابن الأول كالبيت الأول.. مخزون لا نهائي من السعادة الآمنة، والدرس السادس عشر: نومٌ بلا ابن كإغماض بلا جفن.
والدرس السابع عشـر: الأبناء هم الضمادة الإلهية الأروع لوقف نزيف العمر، والدرس الثامن عشـر: لا يُدرك ما للضعف من قوة هادرة سوى أب.. أو إله، والدرس التاسع عشـر: كل شيء في «الأم» حقيقي.. والعالم من دونها محض مجاز، ونصل إلى الدرس العشـرين: أن أصدق حكمة المصريين مرددا «لن تعرف مقدار محبة أبيك لك.. إلا حينما ترى ابنك».

أما في الدرس الأخير، فيسترد وائل السمري «الأب» دوره بعد أن غيَّرته الأبوة، ويعتلي منصة الدرس ليُقدِّم لابنه -الذي علَّمه عشرين درسا- الدرس.. صفر، والذي يعنونه بـ: «انظر إلى كل لحظة تمر بها باعتبارها ذكرى، وكن مستعدّا لفعل الزمن حينما يلفحك الحنين وتأتيك الصور سالبة ذهنك، محتلة عينيك»، وفي هذا الدرس الأخير، درس الزمن، يتقمص الكاتب شخصية لقمان الحكيم، فيقدم لابنه ثماني عشرة نصيحة، يبدأها بـ: «يا بني، الزمن عدوك وصاحبك، رفيقك وتابعك ومرشدك، وأنت في الزمن، وفيك الزمن، فلا تخُض حربا ضده، ولا تسالمه ولا تأمنه، أنت وهو رفيقان، منك يستمد وجوده فلا تُعره اهتماما، ومنه تستمد وجودك فلا تفتقده»، ويختتمها بنصيحة ترد الموت إلى الحياة، أو الحياة إلى الموت؛ إذ يقول «يا بني، الموت حق، والحياة حق، وكلاهما واحد، فإن أصابك اليقين يوما وفقدت مَن يدل عليك، فلا تبتئس، فبإمكانك أن تحيي الموت بابن جميل مثلك، وبإمكانك أن تقبِّل الحياة كل يوم مثلما أُقبلك الآن، واعلم أنك مهما عرفت فإن معرفتك ستظل ناقصة إن لم يجئك فيض من صلبك».

17