"ابن أمه".. ظاهرة تصنعها الأمهات

الخميس 2013/10/17
الأم تبني جسور صداقة بين كل أفراد أسرتها

القاهرة- حذرت بعض الدراسات الحديثة، من تمادي الأمهات في تدليل أبنائهن الذكور، والتدخل في كل أمور حياتهم، لأنه يتسبب في معظم الأحيان في وجود نوع من التفكك الأسري وإثارة غيرة الأب، خاصة إذا كانت علاقته بالأم يسودها الاضطراب، وقد يصبح أحد هؤلاء الأبناء "ابن أمه"، كما يقال، وهو نموذج مرفوض تماما في المجتمعات الشرقية.

وهذه الظاهرة الغريبة تجتاح مجتمعنا العربي، في ظل متغيرات كثيرة منها انشغال الأب الدائم، مما أدى إلى انفصاله اجتماعيا عن أسرته ومشاكلها، وأتاح للأم أن تلعب الدور الرئيسي في الأسرة.

ويتحدث أحد الآباء بإحدى دور المسنين، وتنطبق عليه تماما مقولة: "إن الأب آخر من يعلم"، واكتشفنا من حديثه مأساته التي يحكيها بقوله: "ارتبطت بعد تخرجي في الجامعة بإحدى زميلاتي، واتفقت معها أن تتفرغ لرعاية البيت والأبناء، بينما أخرج للعمل مع أبي في مكتب المحاسبة، الذي كان يدر علينا دخلا كبيرا، ساعدنا في تكوين شركة صغيرة حتى أصبحنا من الأثرياء، وكنت لا أبخل على زوجتي وابني الوحيد بأي شيء، وكانت غلطتي الوحيدة أنني تفرغت لعملي بإخلاص على حساب علاقتي بابني، الذي زاد ارتباطه بأمه لدرجة أنني دائما كنت أطلق عليه "ابن أمه"، وكانت زوجتي سعيدة بذلك ولم تحاول يوما أن تزرع التوازن داخله في علاقته بي وبها، وحتى بعد التحاقه بالجامعة اعتقدت بأنه سوف ينضج وتصبح له شخصيته المستقلة عن أمه، لكنني لاحظت أنها كانت تغرس فيه دائما أنه سيكون وريثي الوحيد، وكنت أرى في نظراته إليّ أشياء غريبة، ربما لم أعلم حقيقتها إلا بعد أن اتضحت لي الأمور عقب إيداعي في هذه الدار، وبعد زواجه وبلوغي المشيب تنكر لي، واستضاف أمه واقترح عليّ مادمت غير متفاهم معه أو مع أمه وزوجته، وحتى حفيدتي الصغيرة، أن أذهب إلى دار رعاية المسنين الفاخرة، التي بلا روح.

انشغال الأب الدائم يؤدي إلى انفصاله عن أسرته

ويروي الأخصائي الاجتماعي سيّد حمدي، قصة أحد الأبناء الذي لم يتجاوز 18 عاما من عمره، وكيف كانت صداقته لأمه سببا في إيداعه مؤسسة رعاية الأحداث، فيقول: استشارني أحد أصدقائي لأبحث له عن حل، فقد أفسدت زوجته بعلاقتها بابنه أموره، لدرجة أنها منذ الصغر كانت تخفي عنه معظم ما يتعلق به، وكانت تلازمه في فراشه، وتذهب معه للمدرسة، وتعطيه ما يريد من المال، وتشتري له ما يشاء، فأصبح مرتبطا بها لدرجة أنه في المنزل إذا ناداه ليجلس معه استأذنها، حتى أدرك أن زوجته تمثل خطرا على مستقبل ابنه، واكتشف ذات يوم أن ابنه تجرّأ واستولى على بعض النقود من حافظة نقوده دون أن يدري، فثار عليها وبدلا من أن توبخ ابنها، زرعت بداخله الكره لوالده الذي يقسو عليه، حتى قام يوما وهو في المدرسة الثانوية، بقتل أحد أصدقائه أثناء الشجار، مما تسبب في ضياع مستقبله، ولم تنفعه أمه في شيء!

وعن الاتهام الموجه للأمهات في هذه المسألة، تقول منى جابر (موظفة): أنا دائما أزرع في ابني الصغير أنه رجل، وأن صداقته يجب أن تكون لي ولوالده على السواء، حتى يصبح ذا شخصية متزنة، وفي ذلك أراعي دائما شعور زوجي، فمثلما أنا أم ولا أرضى لابني أن يتجاهلني فإن الأمر كذلك بالنسبة لأبيه، ولذلك فأنا أرفض سلوك الأمهات، اللاتي يستقطبن أبناءهن على حساب صداقتهم لآبائهم.

وعلى الجانب الآخر، فربما تجد بعض الأمهات في صداقتها القوية لأحد أبنائها، تعويضا عن غياب زوجها، الذي يظل خارج البيت لساعات طويلة، بحكم ضغوط الحياة، ولكن هذا ليس مبررا لهن لإثارة غيرة وقلق الآباء، لأن الأم عليها أن تبني جسور صداقة وعلاقة قوية بين كل أفراد أسرتها.

وعن أبعاد هذه الظاهرة ومخاطرها وأضرارها، يقول الدكتور أكرم محمود أستاذ علم النفس: إن ارتباط الأبناء الذكور في الأسرة بأمهم، يجد تفسيره في نظريات كثيرة لعلماء النفس، لعل أشهرها تفسير "فرويد"، الذي أوضح أن هذا الأمر غريزي وطبيعي، خاصة خلال فترة الطفولة، التي يقل بعدها هذا الارتباط تدريجيا، في ظل ظروف التربية والتنشئة النفسية والاجتماعية في مجتمعاتنا الشرقية، التي تعظم وتدعم هذا الانفصال بوصفه أحد سمات الرجولة، ولكن في بعض الأحيان قد يحدث العكس وتزداد قوة هذا الارتباط لدرجة الصداقة القوية بين الأبناء وأمهم، وهو ما قد يتحول لمعايشة نفسية فسيولوجية شبه كاملة، ودور الأب في حياة الأبناء، يجب أن يحكمه نوع من التعادل النفسي، ويتمثل في ارتباط كبير بالأم في مرحلة الطفولة، خاصة المبكرة مقابل دور صغير للأب، يعقبهما ضعف هذا الارتباط وزيادة دور الأب، فيصبح هناك تعادل بين الدورين، ثم يتنامى هذا الدور للأب مع نضوج الأبناء، وهنا أيضا قد نجد أن الأم تمثل ملاذا للأبناء من سلطة الأب والاصطدام به.

وكنتيجة لذلك فإن المبالغة في دور هذا الملاذ قد تثير مخاوف وقلقا، وأحيانا غيرة الآباء، ولا ننكر أن الاحتياج النفسي والمادي، لدور الأم قد يخلق في بعض الأحيان شخصية ضعيفة للابن، وقد يؤدي أحيانا أخرى إلى ردود أفعال عكسية، على المستويين النفسي الداخلي والخارجي السلوكي، سواء لدى الأم التي تصبح أكثر أنانية في استقطاب الأبناء، أو لدى الأب وابنه اللذين تتسع بينهما الفجوة بمرور الوقت، ولذلك على الأمهات تعظيم دور الأب وعدم الاستئثار بالأبناء.

ويؤكد الدكتور مهدي القصاص أستاذ علم الاجتماع أن: هذه العلاقة الغريزية بين الأمهات والأبناء، تؤسس منذ الصغر أدوارا اجتماعية معينة، لكل من الأب والأم في حياة أبنائهم، وبالتالي تصنع أنماطا معينة من السلوك الاجتماعي السويّ، الذي قد يصبح غير طبيعي، حينما يتزايد الدور الاجتماعي لأيّ منهما عن الآخر، حيث تترتب عليه أمور أخرى، وظاهرة شعور الأب بالغيرة أو القلق، نتيجة صداقة الأم لأبنائها، قد تؤدي إلى تعقد السلوك والعلاقات الاجتماعية في محيط الأسرة، مما قد يهدد بوجود تفكك أسري على المدى الطويل، نظرًا لتحلل العلاقات الأسرية بين الأب من جهة وكل من الابن والأم من جهة أخرى.

21