ابن "السيد" محافظ النجف الأشرف ضابط مخابرات ومهرب مخدرات

الثلاثاء 2018/01/23
هل تُطوى القضية مثل غيرها

بغداد - يحاول محافظ النجف لؤي الياسري حليف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، امتصاص ارتدادات زلزال كبير تعرض له، عندما ألقت السلطات الأمنية القبض على نجله وهو يحمل كميات كبيرة من المواد المخدرة في بغداد، فيما أعادت هذه الواقعة التذكير بالمخاطر الكبيرة التي تواجه المجتمع العراقي في ظل انتشار تعاطي وتجارة السموم المخدرة في البلاد.

وبقيت الأوساط الإعلامية العراقية مترددة في تغطية الخبر، خشية أن يكون مفبركا أو جزءا من عمليات “التسقيط السياسي”، التي انطلقت مع مرحلة عقد التحالفات الانتخابية استعدادا لاقتراع حاسم مقرر في مايو القادم. لكن نشر صور الياسري الابن رفقة اثنين من أفراد عصابته بجانب كميات كبيرة من المواد المخدرة، حوّل الأمر إلى “قضية رأي عام”.

وبدأ الأمر عندما أعلنت شرطة منطقة البياع جنوب بغداد، أنها ألقت القبض على عصابة تتاجر بالمخدرات تضم نجل محافظ النجف.

وقالت الشرطة إنها تلقت معلومات بشأن “وجود عصابة تقوم بالمتاجرة بالمخدرات تتنقل في أنحاء محافظة بغداد”، موضحة أن عددا من الوكالات الأمنية شاركت في التنسيق وتبادل المعلومات قبل أن يلقى القبض على أفراد العصابة عبر كمين مفاجئ في الشارع.

وأوضحت الشرطة أن أفراد العصابة ثلاثة أشخاص، بينهم شاب يدعى جواد وهو نجل لؤي الياسري محافظ النجف.

وقالت إن المواد التي ضبطت في حوزة أفراد العصابة تضم “28 كيسا من الحشيشة (القنب الهندي) تتراوح أوزانها بين 190 و200 غرام”، بمجموع يفوق الستة كيلوغرامات، مع “8 آلاف حبة مخدرة” وأسلحة وأموال.

لكن المفاجأة الكبيرة جاءت عندما كشفت التحقيقات أن نجل محافظ النجف المتورط في هذه التهمة، هو ضابط في جهاز المخابرات العراقي، ويحمل هويات تعريفية ووثائق لتسهيل حركته صادرة عن أرفع المؤسسات الأمنية.

وتوقع مراقب سياسي عراقي أن يتم التستر على هذه الجريمة مثلما تم التستر على جرائم سابقة أكبر منها وأشد خطرا من خلال اعتبارها جزءا من الصراع السياسي المحتدم للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.

وقال في تصريح لـ”العرب”، “السلطة القضائية في العراق ليست مستقلة بما يسمح لها بأن تتجرد من الانحياز لهذا الطرف أو ذاك من الأطراف المتصارعة”.

وتتسرب معلومات من جهات عراقية متخصصة تؤكد تزايد معدلات تعاطي المخدرات في البلاد بشكل مثير للذعر خلال الأعوام العشرة الماضية.

وتعد مدينة البصرة الجنوبية مركزا رئيسيا لتخزين مختلف المواد المخدرة القادمة من الجارة إيران، ثم توزيعها في مختلف محافظات البلاد.

وفيما مضى، كان العراق طريقا فرعيا لتهريب المخدرات من إيران إلى دول مجاورة. لكنه تحول في الأعوام العشرة الأخيرة إلى مستهلك رئيسي، بحسب جهات متخصصة.

ولا توفر الجهات العراقية المختصة أرقاما دقيقة حول مستويات تعاطي المخدرات في البلاد، لكنها تتحدث عن “انتشار محدود”.

ويقول نشطاء إن تجارة وتعاطي المخدرات لا يمكن لهما أن ينتشرا في بلد ما من دون تورط مسؤولين نافذين فيه.

وفي العراق، توجه اتهامات مباشرة إلى أقارب المسؤولين بالتورط في هذا النوع من التجارة، فضلا عن تهريب العملة والسلاح.

ويقول نشطاء إن “سلطات نافذة يحركها أقارب مسؤولين نافذين تسهل تدفق مادة الكريستال، التي توصف بأنها أردأ أنواع المخدرات وأشدها تأثيرا على العقل من إيران إلى البصرة، ثم إلى مختلف المحافظات العراقية”.

ويقول ساسة في بغداد إن تجارة المخدرات لا تقل خطرا عن تهديدات تنظيم داعش.

وقال ضابط كبير في وزارة الداخلية العراقية على صلة بالتحقيق في ملف نجل محافظ النجف، إن “الهيئة التحقيقية التي كلفت بالتحقيق في هذه القضية تعرضت إلى ضغوط كبيرة خلال الساعات التي تلت إلقاء القبض على المتهمين، لتغيير محضر الضبط أو التلاعب بالإفادات أو إخفاء المبرزات الجرمية، لكنها صمدت في النهاية وكشفت نتائج التحقيق الأولية وصور المتهمين للرأي العام”.

المحافظ يتحدث عن "الاستهداف السياسي" في قضية نجله

وحاول محافظ النجف النأي بنفسه عن تداعيات اعتقال نجله وهو متلبس بنقل مواد مخدرة، مشبها نفسه بـ”الأنبياء والأئمة الأطهار عليهم السلام والأولياء والصالحين”، لجهة “فسق أبنائهم”.

وافتتح الياسري بيانا أصدره بعدما ذاع نبأ اعتقال نجله في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بآية قرآنية قبل أن يلمح إلى أن هذه القضية ربما تتصل بـ”الاستهداف السياسي”.

وكان الياسري أعلن في وقت سابق التحاقه بتحالف “النصر”، الذي شكله رئيس الوزراء حيدر العبادي، لخوض الانتخابات المقررة في 12 مايو القادم.

وقال الياسري في بيانه “حرصت منذ تسنمي منصب محافظ النجف الأشرف على تحقيق سيادة القانون على الجميع بغض النظر عن مكانتهم ومسمياتهم بمن فيهم أفراد عائلتي التي تنحدر من أسرة محترمة وعريقة تحمل تأريخا مهيبا ومشرفا، لكن ذلك لا يمنع أننا جميعا مواطنون نخضع لسيادة القانون”.

وأضاف أن “الجميع مواطنون قد يخطئ أحدهم أو يسيء إن ثبّت القضاء ذلك، وقد سبقنا إلى ذلك الكثير من أبناء الأِنبياء والأئمة الأطهار عليهم السلام والأولياء والصالحين”، مؤكدا حرصه “الشديد على سيادة القانون ومحاربة الجريمة بكل أشكالها ومضامينها وأنّ سيادة العدل والقصاص يجب أن يطالا الجميع من دون استثناء”.

وعبر الياسري عن استغرابه “للتضخيم الإعلامي الكبير والممنهج، ومن توقيتات النشر التي تزامنت مع إجراءات القضية منذ بداياتها، وهذا يدل على وجود استهداف سياسي لكوني محافظا لمدينة النجف الأشرف وكذلك لقرب موعد الانتخابات”.

ودعا محافظ النجف “القضاء العادل إلى الفصل في هذه القضية بكل حيادية بغض النظر عن هوية المتهم وانتمائه فهو لم يكن إلا مواطنا عراقيا متهما في ظل دولة القانون والمؤسسات”.

وأثار بيان الياسري موجة من النقد والسخرية بين العراقيين، بعدما خلا من أي إشارة إلى عزمه تحمل المسؤولية.

وكتب مدونون أنهم كانوا ينتظرون استقالة فورية من الياسري، لكنهم فوجئوا بحديثه عن “التضخيم الإعلامي”، فيما تساءل آخرون “كيف لمن يفشل في ضبط سلوك أبنائه أن ينجح في إدارة محافظة؟”.

وينص قانون العقوبات العراقي على عقوبة الإعدام أو الحبس المؤبد لكل من يتاجر بالمواد المخدرة.

وما كان لتجارة المخدرات أن تشهد رواجا واسعا في العراق في وقت قياسي لولا أن هناك أحزابا وجهات سياسية ذات نفوذ هي المستفيدة منها. وتوقع الكثيرون أن يكون السعي لمنع الخمور في العراق هو وسيلة لدفع الشباب إلى اللجوء إلى تناول المخدرات، في ظل موقف ديني ملتبس من هذه المسألة.

ولم يعد خافيا أن العراق منذ السنة الأولى من الاحتلال الأميركي والتغلغل الإيراني صار هدفا لتجار المخدرات الرخيصة الذين وجدوا أمامهم الحدود مفتوحة وبالأخص تلك التي تفصل بين العراق وإيران. ولقد سبق أن حامت الشبهات حول الزوار الإيرانيين الذين يدخل الملايين منهم إلى العراق بذريعة زيارة العتبات الدينية المقدسة لدى الشيعة من جهة كون العديد منهم يأتي محملا بمختلف أنواع المخدرات، لا للاستعمال الشخصي بل للاتجار بها.

وإذا ما كانت الوقائع الرسمية على مستوى دولي تؤكد تورط حزب الله اللبناني في تجارة المخدرات حول العالم، فليس غريبا أن تقوم الأحزاب الدينية الحاكمة في العراق والموالية لإيران بالدور نفسه. لذلك فإن محافظ النجف أو سواه من المسؤولين العراقيين لن يشعروا بالحرج في مواجهة فضيحة من ذلك النوع. ففي شرعهم فإن المسألة يمكن أن تحل بطريقة فقهية حيث لا يوجد نص يحرم الاتجار بالمخدرات أو الإدمان عليها ولا علاقة للقانون بها.

1