"ابن القبطية" لوليد علاء الدين: فشل العلاج بالكتابة

السبت 2016/10/15
معالجة أدبية لقضية العنف باسم الدين

القاهرة- تبدأ رواية “ابن القبطية” بداية غير معتادة بتقرير طبي يحمل اسم الخاضع للفحص، يوسف حسين، الذي أحيل إلى مستشفى أمراض نفسية. يقول “يعاني المذكور من حالة متقدمة من الفصام (الشيزوفرينيا)، وتتجلى في مجموعة من الأعراض المتقدمة كالتوهمات الاضطهادية والهلاوس السمعية والبصرية. التجأنا في علاجه إلى الأدوية وإلى جلسة كهربائية على المخ، وتمت الاستعانة بالكتابة كوسيلة لإفراغ الشحنات الكهربائية الزائدة على هيئة كلمات؛ كلمات يكتبها في كراسته الزرقاء التي لا يريد الكتابة إلا عليها”.

بعدها ينطلق الكاتب وليد علاء الدين في السرد مستخدما لغة رشيقة سهلة قريبة في البعض من الأحيان إلى اللغة الشعرية، إذ يمزج بين أسلوبين للكتابة باستخدام ضمير الغائب أحيانا، وضمير المتكلم في أغلب الأحيان، خاصة عندما ينقل على الكراسة الزرقاء لبطل الرواية المأزوم بأزمة الهوية المزدوجة في وسط اجتماعي فاقد للرحمة والتسامح.

تثير الرواية الاهتمام نظرا إلى أنها تتزامن في توقيت صدورها مع تصاعد العنف باسم الدين، وتقدم معالجة جمالية وأدبية جديدة للقضية التي تؤرق المجتمع المصري منذ أزمنة قديمة. تدور أحداث الرواية، الصادرة عن دار الكتب خان للنشر، حول يوسف حسين المولود لأب مصري مسلم وأم قبطية، وترصد أزمته النفسية والعاطفية التي تتجلى في رفض أسرة الحبيبة أمل تزويجها له بداعي أن أخواله من “النصارى”.

إنها معالجة جمالية لقضية شائكة طالما أرجأ المجتمع المصري النظر فيها لأجيال متعاقبة، وهذا ما يؤكده الشاعر والكاتب المصري وليد علاء الدين، إذ يقول إنه يحاول التصدي لقضية “الإقصاء والعنف والتصنيف على أساس ديني بهدف تمرير هذا القلق إلى الوعي العام، ليتحول إلى مادة للتفكير على أمل أن نجد حلولا له”. البطل الشاب يكتشف كلما تقدمت به السن أنه ضحية الهوية الدينية المزدوجة التي يحملها، فبسببها يفقد حب حياته أمل ابنة الأسرة المسلمة المحافظة. ورغم قصة الحب الطويلة التي جمعت بينهما منذ الطفولة إلا أن “الزواج” أمر آخر، فأهلها لا يقبلون أن تتسلل نطفة مسيحية إلى دماء عائلتهم.

لم تتوقف مأساة يوسف عند فقده لأمل وزواجها من منافسه منصور بائع الذهب الذي يمثل الوجه النفعي للحياة. فقد عانى كثيرا خلال فترة دراسته الجامعية من محاولات استقطاب، وصلت إلى حدّ تهديد الحياة من الطرفين اللذين يشكلان هويته الدينية. عندما تتزوج أمل بمنصور يدخل يوسف في أزمة نفسية تقوده إلى مرض الفصام وتطارده هلاوس وهواجس سمعية وبصرية. ويستغل طبيبه المعالج حبه للكتابة فينصحه بكتابة هذه الهلاوس واقتناصها في كلمات. وهو ما يفعله يوسف طوال الرواية، فيكشف لنا عن جوانب شديدة التعقيد في شخصيته نتيجة للهوية الدينية المزدوجة.

ويفاجئنا بقصة وقوعه فريسة لإغواء امرأة يهودية من أصل مصري، هذه المرأة بدورها ابنة أسرة يهودية تمّ طردها من مصر وعاشت في إسرائيل. عانت هي الأخرى أزمة هوية؛ فالأب يصنف نفسه مصريا ثم يهوديا، بينما الأم في ردّ فعل عنيف على طرد المصريين لهم تمسكت بالدين كهوية وحيدة. لقد رفضت الفتاة واسمها راحيل التصنيف الديني وتمنت لو تزوجت برجل يجمع بين الديانتين الإسلام والمسيحية لتنجب منه فتاة تستقبل العالم بالديانات الإبراهيمية الثلاث.

يكتب يوسف أنها تعرفت عليه من خلال زياراتها لمنصور الصائغ جاره ومنافسه على أمل، وأنها خططت للانفراد به فوفرت له عملا في أحد المنتجعات السياحية بشرم الشيخ، وهناك راودته عن نفسه لتحظى منه بحلمها؛ النطفة ذات الهوية الدينية المزدوجة ليتخلق منهما معا الرحم الذي يجمع الديانات الإبراهيمية في معين واحد. ولا يعرف الطبيب النفسي ولا القارئ ما إذا كانت قصة راحيل من خيال يوسف، ربما يكون قد صنعها في محاولة عبر اللاوعي لمواجهة أزمته أو الهروب منها.

يقول الكاتب إنه يريد أن يردّ الإنسان إلى صورته الأصلية، بعيدا عن التصنيفات الدينية والفلسفية، مضيفا أن ذلك لا يعني القضاء على أيّ من هذه الأديان أو الفلسفات، ولكن المقصود احترامها جميعها طالما تحترم شرط الإنسانية. لم يحدث هذا في الرواية.. بل على العكس احتمى كل إنسان داخل تصنيفه وتحصن في مواجهة الآخر.

الرواية في معظمها عبارة عن كتابات يوسف حسين (ما كتبه بطلب من المعالج، ونماذج من كتاباته السابقة على خضوعه للعلاج)، أرفقها طبيبه النفسي بتقرير يشير فيه إلى فشل خطط العلاج بالتحليل والأدوية والصدمات الكهربائية، وحتى عن طريق اللجوء إلى الكتابة، طالبا -بصورة غير مباشرة- عرض الأمر على أصحاب الخبرة والمشورة، أملا في فهم هذه الحالة والتفكير في علاج لها. يرى الكاتب أن علاج يوسف -الذي يرمز إلى أزمة المجتمع المصري- أكثر تعقيدا من مجرد التوصيف “ولن تعالجه كتابة واحدة، إنما هو في حاجة إلى تيار وعي يعلي من شأن الإنساني”.

17