ابن المكسيك زاباتا على حصان من خشب

السبت 2014/09/27
ثورة ذهب ضحيتها مليون مواطن وما زال الشعب يمجدها

أيقظت ثورة شعبية المجتمع المكسيكي من سباته الطويل، ووضعت أساساً للتصنيع والزراعة، وظهرت طبقة عاملة قوية، ففي أوائل القرن العشرين، هيمنت على المكسيك نخبة حاكمة صغيرة، استولت على ثروات البلاد، وتركت الغالبية من السكان في بؤس ساحق وقمعت المعارضة، فظهرت حركة معارضة ضد رئيس البلاد بورفيريو دياز، تحت قيادة البرجوازية الليبرالية، ممثلة في بضعة أفراد مثل فرانسيسكو ماديرو الذي ندد بالتزوير الانتخابي الذي دبّره الرئيس دياز، ودعا إلى انتفاضة وطنية عارمة، فاندلعت الثورة المكسيكية في نوفمبر من العام 1910.

وبعد سنة واحدة تنحى الرئيس دياز إثر هزيمة الجيش الاتحادي بواسطة القوات الثورية التي قادها رجل يدعى إيميليانو زاباتا، من جهة الجنوب، بالتوازي مع بانشو فيلا وأوروزكو في الشمال، وفينوستيانو كارانزا، واستلم زعيم المعارضة ماديرو السلطة في نوفمبر من العام 1911، ولكن جرى إلقاء القبض عليه وإعدامه على أيدي ضباط العهد القديم بعد عامين، مما أدى إلى انتفاضة فلاحين جديدة انتهت بتولي زاباتا السلطة في ولاية موريلوس، حيث قاد برنامجا زراعيا ثوريا، وأمّم ملكيات الأراضي ووزعّها على الفلاحين.


زاباتا الحقيقي وبراندو


بات من الصعب اليوم، في ذاكرة الأجيال، فصل مارلون براندو الذي لعب دور زاباتا في فيلم فيفا زاباتا للمخرج الأسطوري إيليا كازان، عن إيميليانو زاباتا الحقيقي المولود في العام 1879 في ولاية موريلوس في المكسيك، والذي انخرط بعد نهاية خدمته العسكرية في العام 1910 في الثورة المكسيكية، ضد دياز، رافضا نزع سلاحه حتى يقوم الزعيم الثوري فرانسيسكو ماديرو بتوزيع الأرض على الفقراء، ليقوم زاباتا بعد إعدام ماديرو باحتلال مدينة مكسيكو في العام 1914 وفي عام 1919 أغتيل زاباتا على يد الكولونيل غيساس غوغاردو.


زاباتا في ذاكرة المكسيك


إيميليانو زاباتا لا يختلف شكليا عن المقاتلين الذين كان يترأسهم فهو يتصرف مثلهم تماما، إنسان بسيط وفقير وغير مثقف

أصبح زاباتا أيقونة شعبية وثقافية في المكسيك، وانتشرت وما تزال تنتشر صوره في كل مكان، وكان ملهماً لكثير من ثوار العالم مثل تشي غيفارا وآخرين، وقبل أربع سنوات وفي العام 2010 احتفلت المكسيك بالذكرى المئوية لانطلاق الثورة التي أدت إلى التخلص من الحكم الديكتاتوري في البلاد، وشارك مئات الآلاف في متابعة العرض العسكري المقام في العاصمة مكسيكو سيتي، حيث سارت القوات من الميدان الرئيسي زوكالو إلى النصب التذكاري للثورة الذي تم تجديده خصيصا من أجل تلك الاحتفالية المئوية.

ويمجّد الشعب المكسيكي ثورته التي أنشأ لها مؤسسوها دستورا للبلاد في العام 1917، ويعد ذلك الدستور من أهم النتائج التي تمخضت عن الثورة، وكان الإصلاح الزراعي من أهم النتائج التي جاء بها الدستور، الإصلاح الذي كان يهدف إلى تعديل بنية امتلاك الأراضي، والاعتراف بحقوق العمال مثل تحديد ساعات العمل اليومية في ثماني ساعات وحرية تأسيس النقابات، ومجانية التعليم وعلمانيته، فضلا عن ملكية الدولة على الأرض وباطنها، وغيرها. ولم تتوقف الثورة حتى العام 1920 ، حيث أدت إلى مقتل مليون شخص، إلا أن بعض المؤرخين يقولون إنها أسفرت عن مقتل ضعف هذا العدد.


زاباتا كازان


على الرغم من القيمة الفنية الكبيرة التي تحيط بفيلم “فيفا زاباتا” الذي أنتج في العام 1952 بوصفه أحد كلاسيكيات السينما الأميركية وأحد أبرز الأفلام الثورية، ومع أنه من إخراج أحد أبرز فناني فترة أربعينات وخمسينات هوليوود المخرج الأميركي من أصل يوناني إيليا كازان (1909-2003) ومن بطولة أحد عمالقة الشاشة آنذاك الممثل مارلون براندو وأيضا الممثل الكبير أنتوني كوين، إلا أن شهرة الفيلم تنبع من ارتباطه الوثيق بمخرج الفيلم وبطليه أكثر من كونه يعتبر أحد أشهر وأول الأفلام الثورية التي تعرض للجمهور الأميركي على الرغم من أحداث القصة التي تدور في المكسيك.

لا يمثل القيم الأميركية

بعد سقوط نظام دياز تولى ماديرو السلطة في المكسيك، ولكن تم إلقاء القبض عليه وإعدامه، مما أدى إلى انتفاضة فلاحين جديدة انتهت باستلام زاباتا السلطة في ولاية موريلوس، حيث قاد برنامجا زراعيا ثوريا، وأمم ملكيات الأراضي ووزعها على الفلاحين

المحتوى الثوري للفيلم واضح ومباشر عبر شخصية إيميليانو زاباتا (مارلون براندو) الثائر المكسيكي الشعبي ضد القوة الإسبانبة المتحكمة برفقة شقيقه فرناندو زاباتا (أنتوني كوين)، ومع أن الفيلم رُشّح لعدة جوائز أوسكار من بينها أفضل تمثيل رئيسي وأفضل إخراج وجائزة أفضل ممثل مساعد لأنتوني كوين إلا أن تقييم معهد الفيلم الأميركي لأفضل 100 فيلم أميركي خلال مئة سنة لم يتضمن في لائحته فيلم “فيفا زاباتا” بحجة أنه لا يمثّل المجتمع الأميركي.


ما بعد المكارثية


إذا أمعنا النظر أكثر سنجد أن هذا الفيلم الثوري جاء بعد حملة اللجنة المكارثية (نسبة لرئيسها ماكارثي) والتي تسببت في حالة هيجان في الوسط الفني إثر حملة الاعتقال والتشويه التي طالت عددا من كتّاب ومخرجي السينما المتهمين آنذاك بالانتساب للحزب الشيوعي الأميركي وكان من بين المتهمين مخرج فيلم إيليا كازان الذي كان في صفوف الحزب بين عامي 1934-1936 والذي رافقت مشواره لاحقا تهمة الوشاية بعدد من الكتاب على خلفية الحملة المذكورة الأمر الذي جعل تصرف كازان السابق يبدو كوصمة عار ترجمته لحظة منحه جائزة أوسكار فخرية عام 1999على مجمل أعماله عندها امتنع عدد من الحاضرين على التصفيق له، وعليه اعتبر عدد غير قليل من المتتبعين للسينما بأن فيلم “فيفا زاباتا” بمثابة تبرير عمّا اقترفه كازان أثناء تحقيقات اللجنة المكارثية.


إيميليانو القلب الشجاع


الحديث عن فحوى الفيلم يقود لحالة خاصة بما يخص صورة التعبير السينمائي وشكل الطرح الفني ومن هنا يمكن القول بأن شخصية إيميليانو زاباتا تعبر نفسياً وإنسانياً عن بُعد ثوري خاص يختلف عمّا شاهدناه لأبطال الأفلام الثورية ذات السمة الجهورية كفيلم “قلب شجاع” بطولة ميل جيبسون، وذلك من خلال اللغة الجسدية المترنحة الخاصة ببطل الفيلم مضافا إليها سلوك الشخصية المتفرد الميّال للانطواء والحزن، هو ليس كبقية الثوريين التقليديين ذوي النبرة الحماسية المرتفعة المترافقة غالب الأحيان مع صراخ انفعالي يحفّز عاطفة الجماهير، هو مختلف عن أخيه الثائر الانفعالي القاسي الفج أنتوني كوين، مع إيميليانو زاباتا هناك إحساس عام يتكون لدى متابع الفيلم بأن البطل لا يختلف شكليا عن المقاتلين الذين يترأسهم فهو يتصرف مثلهم تماما هو ليس ثريا وغير مثقف، بسيط ، ففي مشهد من المشاهد الرائعة في الفيلم يسرّي لزوجته إحساسه بالخيبة لعدم قدرته على الكتابة، الاختلاف الجوهري العميق مع البقية يكمن في الإحساس بالعزلة والشعور بالانفلات من محيطه، وفي مشهد آخر وبينما يكون رفاقه يتجاذبون أطراف الحديث حول المستقبل القادم نراه ساهما يقشّر تفاحة كانت بيده.


الحرية والثورة


مقتل زاباتا وطريقة سحله عبر كمين نصبه له أعداؤه يعزز الهالة الرمزية لتلك الشخصية المفعمة بالمشاعر والتناقضات، وكان أداء براندو كما وصفه كازان عظيما رشح من خلاله لجائزة الأوسكار كما نال ثناء عالميا عندما فاز بجائزة مهرجان كان لأحسن تمثيل وبجائزة أحسن ممثل أجنبي من معهد الفيلم البريطاني

من باب آخر، كان لحصان زاباتا الأبيض في الفيلم روايته الخاصة فهو يعكس التماهي الذي لا ينفصم بين مفهومي الحرية والثورة عند مشاهدة الموت يلحق بالأشخاص الذين امتطوه ليبقى حرّا في النهاية يصهل عاليا عند حافة التلة، فهذا الحصان امتطاه أكثر من شخص من بينهم إيميليانو والصبي الذي أهداه زاباتا الحصان الأبيض في مشهد يُظهر الرجولة الذكورية المميزة للأخير من خلال تخليه عن حصانه المميز لصبي صغير بعد أن رفض الصغير هدية رمزية صغيرة قدمها له زاباتا.

بعد مرور 62 عاما على إنتاج الفيلم يظهر”فيفا زاباتا” كمادة فنية متماشية مع حقيقة النزعة الثورية، مقتل زاباتا نهاية الفيلم وطريقة سحله عبر كمين نصبه له أعداؤه يعزز الهالة الرمزية لتلك الشخصية المفعمة بالمشاعر والتناقضات، أداء براندو بالفيلم وصفه كازان المخرج بأنه كان عظيما رُشّح من خلاله لجائزة الأوسكار كما نال ثناء عالميا عندما فاز بجائزة مهرجان كان لأحسن تمثيل وبجائزة أحسن ممثل أجنبي من معهد الفيلم البريطاني.

كتب الناقد اللبناني إبراهيم العريس إن: “كازان كان يريد، في فيفا زاباتا مناقشه موضوع الثورة برمته، ولكن لا من منطلق الثوريين المتحمّسين أنفسهم، ولا من منطلق أعداء الثورة المشيطنين لها. وهكذا إذ كان من المتوقع لهذا الفيلم، أصلاً، أن يكون مجرد حكاية تاريخية يبجل فيها المخرج بطل الثورة المكسيكية كنوع من التعويض، وإبداء فعل الندامة على ما كان اقترف من وشاية ضد الثوريين الأميركيين، تمكن كازان بحذقه التام، وبعمق تحليله من أن يحوّل الشريط، من سيرة ذاتية للثوري المكسيكي، إلى تأمل متقشف بعض الشيء حول الأخلاقية الثورية نفسها”.


الثوري والوعي


في زمن الربيع العربي، الذي لم يتأخر كثيراً عن ثورات أوروبا الشرقية في التحوّل إلى الديمقراطية والتخلص من هيمنة الحزب الواحد، عادت شخصية الثوري، لتطفو على السطح من جديد، ولكنها اليوم تعاني من غياب تام للوعي الثوري، فانعدام الرؤية وتفتت المشاريع الفكرية، وامتناع الأمم عن إنجاب مشاريع حاضنة للثورات، ساهم في قتل زاباتا من جديد، ومعه قتلت الشخصية الثورية، ريثما تتحرّك عجلات التاريخ من جديد وترسم ملامح للعقل الثوري تنعكس على الأرض لتغيّر الواقع بالضرورة.

14