ابن تيمية كما رآه ابن بطوطة

الخميس 2014/09/04

في كتابه الممتع، “تحفة النظار في غرائب الأمصار”، يحكي الرحالة المغربي ابن بطوطة عن أهم مشاهداته خلال رحلاته التي استغرقت ثلاثين عاماً من الترحال والطواف في مختلف الأقطار والأمصار، من الصين إلى السينغال. ويهمنا في هذا الباب أن نسرد واقعة طريفة ومعبرة عاينها أثناء حضوره لصلاة الجمعة بجامع دمشق، حيث كان إمام الصلاة حينها شيخ الإسلام ابن تيمية.

يعترف الرحالة المغربي أن الإمام ابن تيمية كان “كبير الشام” و”أهل دمشق يعظمونه أشدّ التعظيم”، لكنه يضيف مستدركاً “إلا أن في عقله شيئا”. وهي كما لا يخفى صيغة مهذبة للقول بأن في عقل الرجل خللا ما.

لم تكن تلك الملاحظة ملاحظة شيخ من الشيوخ المنافسين لابن تيمية حتى نقول عنها إنها مجرّد غيرة وتحامل، لم تكن ملاحظة شخص مقيم في دمشق حتى نقول إنها مجرّد تصفية حسابات، بل كانــت مـــلاحظة رحّــالة منقطع للترحــال وتـــسجيل المـــشاهدات بدقة بالــغة.

غير أن الواقعة التي عاينها الرّحالة ابن بطوطة باستغراب لدى حضوره لخطبة الإمام ابن تيمية في يوم الجمعة، هي أن شيخ الإسلام بدأ يشرح للناس فيقول: “إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا”، و”نزل درجة من درج المنبر”.

وبينما هو يشرح على ذلك النحو إذ انبرى إمام مالكي حضر الصلاة محتجا على الإمام ابن تيمية وسوء توصيفه للذات الإلهية، فقامت قيامة العامة على ذلك الفقيه المالكي وضربه المصلون بالأيدي والنعال.. وقد حدث كل هذا أمام استغراب “الضيف” المغربي.

والسؤال، كيف تأتى لابن بطوطة أن يلاحظ على ابن تيمية بأن في عقله شيئا؟

لا توجد إجابة واضحة، لكن لا شكّ أن ابن بطوطة المشهود له بدقة الملاحظة قد لاحظ في بعض التصرفات ما يثير الشكّ في الصحة النفسية لشيخ الإسلام.

في كل الأحوال، وبمعزل عن المحاولات “العلموية” للعثور على ابن تيمية الذي لم يكن، طبيعي أنّ الرجل الذي كفّر الجميع، الفلاسفة، المتصوفة، المتكلمة، الشيعة، النصارى، اليهود، وأخرج الجميع من الملّة، المجسمة، المنزهة، المعطلة، الباطنية، الظاهرية، إلخ، حتى أنه نسي في الأخير أن يكفر نفسه، قد يكون غير سوي بكل المقاييس.

ولا يخامرنا أدنى شك في أن الرحالة المغربي ابن بطوطة لم يكن يتصور بأنّ ذلك العقل الذي “فيه شيء”، هو العقل الذي سيغزو معظم العالم الإسلامي وضمــنه بلده المغرب.

24