ابن خلدون.. الأميركي

الاثنين 2013/09/09

ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن وكذلك سوريا بدأت في مرحلة زمنية واحدة. ظهرت وكأنها ثورات بدون قيادات واضحة وصريحة وإنما ثورات وانتفاضات شعبية خالصة. ولو تأملنا كثيرا في رحم تلك الثورات لوجدنا أنها تدعو إلى إعادة تأسيس القطر الوطني على أساس جديد وأنظمة عصرية حديثة، وهي أسس الدولة الديمقراطية المدنية التي تدعو إلى العدالة الاجتماعية والاقتصادية والحرية والمواطنة وحقوق الإنسان.

نجحت تلك الثورات في الإطاحة بالأنظمة السابقة التي تفاوتت في ظلمها واستبدادها وتبديدها للثروات الوطنية البشرية منها والطبيعية. لو تمعنا كثيرا في المطالبات والشعارات وحتى أناشيد الشباب وهم كانوا قادتها وطرق تعبيرهم المختلفة ومن الجنسين لرأينا أنها كانت تحمل حلم ميلاد الدولة الجديدة التي تحاكي تلك الدول التي رآها هؤلاء من خلال نظرتهم إلى الدول المتقدمة ديمقراطيا ومدنيا في دول الغرب وأميركا، سواء إعلاميا أو عبر أدوات التواصل الاجتماعية أو بالاحتكاك المباشر وطرق المعرفة الحديثة.

أميركا ومعها دول الغرب كانت تحاول أن تجد حلا لما تسميه «الحركات الإرهابية» التي شاركت هي نفسها في ولادتها لأسباب كثيرة ليس هنا مقام الحديث عنها. كان جزءا من حلّ هذه المعضلة، حسب رؤيتها، هو أنها احتضنت وساعدت على قيام ما تسميه الإسلام السياسي القابل للتعاون معها، والتي تراه بديلا عن الحركات المتطرفة دينيا، ولكنه وفي نفس الوقت يحقق نوعا من الاستقرار الاجتماعي والسياسي في المنطقة، رغم أن الغرب وأميركا يمنعون في دساتيرهم قيام أحزاب أو كيانات سياسية على خلفيات دينية أو أيديولوجية متطرفة.

لا أعتقد أن دول الغرب خاصة أميركا لديها المانع في قيام دول مدنية ديمقراطية شرط التزامها ببعض المتطلبات التي ترى دول الغرب وأميركا خصوصا أنها تمثّل جزءا من المصالح ومن متطلبات الأمن القومي الخاص بها ومنها:

1- الحفاظ على أمن اسرائيل

2- انسياب المصالح الغربية عموما من الثروات الطبيعية كالنفط بدون عوائق

3- محاربة التطرف والإرهاب الذين ساعدوا على تنشأته ولكنهم تورطوا فيه فيما بعد.

التقطت بعض حركات الإسلام السياسي ومنها جماعة الإخوان المسلمين- المتعطشّة والمتلهّفة للسلطة- هذه الرغبة وحورّتها لصالحها وقدّمت نفسها على أنها أولا ضامنة للاستقرار في المنطقة وبديل عن «الجماعات المتطرّفة» التي ولد كثير منها من تحت عباءتها. والأهم أنها أوهمت الغرب أنها هي من تملك التفسير الديني الذي يتماشى مع العصر.

يبدو أن «الخلدونيين» الأميركان (تماشيا مع أفكار وقراءات ابن خلدون) رأوا في أن المسلمين والعرب خاصة لا يُحكَمون إلا بعصبية قومية أو دينية. رضوا بهذا التفسير بل تبّنوا أفكار هذه الجماعة، وخاصة بعد هذا الصداع وهذه المعارك وهذا الموت وهذا الدمار الذي حصل في أفغانستان والعراق وباكستان والصومال وغيرها.

الحقيقة التي لا ينكرها أحد أن أميركا ومعها كثير من مراكز البحوث الغربية فوجئت بثورات الربيع العربي، وخاصة أنه ولأول مرة تأتي على شكل ثورات شعبية نادرة لم يحدث مثلها في التاريخ الحديث وبهذا الشكل إلا في رومانيا. ولهذا تلاحظون تردد أميركا ومعظم دول الغرب في اتخاذ موقف واضح من الثورة منذ بدايتها في تونس.

التقى كل هذا الأمر مع غياب قيادات ديمقراطية فاعلة واضحة وكارزمية لهذه الثورات، مما جعل من الجماعة الجاهزة والمتعّطشة للسلطة تقفز إلى صدر الثورات وعلى ظهرها بعد أن سقطت الأنظمة. وهذا ما رأيناه يحصل في تونس ومصر وليبيا.. ويحاولون ذلك في سوريا التي لم يحسم أمرها حتى الآن، لكون الصراع على السلطة بدأ قبل التحرير.

بدأ شعور وإدراك النخبة المدنية وشباب الثورات بهذا الأمر بعد فوات الأوان. فها هي شعوب هذه الثورات تدفع الثمن لمحاولة العودة إلى تأسيس أوطان على أساس قيمة المواطنة والدولة المدنية التي كانت أساس مطالب شعوب هذه الثورات وليس على أسس دينية أو مذهبية.

وها هي أيضا أميركا ودول الغرب تعيد حساباتها وتدفع هي أيضا جزءا من حساباتها الخاطئة واستعجالها بعد أن فرض عليها الواقع ذلك، لتأخذ في الحسبان- رضيت أم لم ترضَ- بأن هذه الأوطان وهذه الثورات لديها شعوب ذات رؤية جديدة ومطالب ديمقراطية واجتماعية تختلف عن تلك التي قدمتّها جماعات تكونّت في ظروف وزمن وبيئة وظروف غير الظروف الحاضرة.

ويبدو أيضا أن تلك الجماعات قد دفعت وستدفع ثمنا باهظا للتعلّم من هذا الدرس. والدرس الأهم الذي يجب أن تعيه هذه الجماعات هو مراجعة حساباتها وتنظيراتها وطرق الوصول إلى السلطة، ورؤيتها عن ماهية الدولة الوطنية الحديثة وتأجيل أحلام الخلافة والأستاذية المراهقة الفكرية إلى ما بعد النضج الفكري والوطني والاقتصادي لهم وللأوطان قبل أي شيء آخر. وإلا فإن فشل النظرية القومية وشعاراتها في الماضي سيتبعه فشل مدوي وتاريخي لمفهوم قيام دول على خلفية وشعارات دينية، وسيدفع الجميع الثمن ليعرفوا أن الأساس هو دائما للدولة الوطنية المدنية الديمقراطية طال الزمان أم قصر.

________


* كاتب من ليبيا

9