ابن خلدون المغامر في التاريخ وعلم الاجتماع ضحية قرائه

الاثنين 2014/03/10
كشف ابن خلدون عن رؤية دقيقة للحياة السياسيّة والاجتماعيّة في عصره

تونس - قد يكون عبدالرحمن بن خلدون (1332- 1406)، من أفضل، وأكثر المفكّرين العرب القدماء حضورا في حياتنا العربيّة المعاصرة، ومن أشدّهم ارتباطا بها على مستويات مختلفة ومتعدّدة. فالمسائل والقضايا التي تطرّق إليها، وفيها بحث وتمعّن وفكّر بعمق، لا تزال نابضة بالحياة. وما أظنّ أنّ النّظم السياسيّة منها والملكيّة، والعلاقات الاجتماعيّة، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، ومكانة النخب المثقّفة في المجتمع، وغيرها من القضايا، يمكن أن تفهم راهنا دون العودة إلى أطروحات ابن خلدون في “مقدّمته” الشّهيرة.

يسهل على قارئ “المقدمة” أن يتلمّس فيها، خاصة في الفصل الذي حمل عنوان “في أنّ الأمّة إذا ما غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء” الأسباب التي أدّت بالعرب إلى مثل هذه الحالة الفظيعة من الوهن والضّعف والهوان والانقسام والتشتّت حتّى أنهم باتوا عاجزين عن “المدافعة عن أنفسهم، ومغلَّبين لكلّ متغلّب، وطعمة لكلّ آكل”.

أمّا في الفصل الذي حمل عنوان “في أنّ الدعوة الدينيّة من غير عصبيّة لا تتمّ”، فيمكن الوقوف على العديد من الجوانب المتّصلة بالحركات الأصوليّة التي “سرقت” ثورات ما سمّي بـ”الربيع العربي”، وانحرفت بها عن الأهداف التي اندلعت من أجلها.

الحدث الخلدوني

ففي هذا الفصل يتحدّث ابن خلدون عن “منتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين”. وهم يشبهون إلى حدّ كبير زعماء الحركات الأصوليّة في زمننا الرّاهن، والذين يستغلّون الأوضاع السيّئة التي تعيشها الشّعوب على المستوى الاقتصادي والسياسيّ والمظالم المسلّطة عليها ليخرجوا على الناس داعين إلى “تغيير المنكر والنهي عنه”.

أحد أسباب الجدب الفكري الذي أدى إلى انتشار الأفكار الظلامية هو «تحنيطنا» لرموزنا الفكرية القديمة

غير أنهم سرعان ما يتنكّرون لدعوتهم تلك لينشروا الفوضى والفتن “المهلكة للبشر، والمفسدة للعمران” بحسب ابن خلدون.

كان المفكر الفرنسي الكبير هنري كوربان على حقّ عندما ذكر في كتابه المعروف “تاريخ الفلسفة الإسلاميّة” بأن الفكر العربي ظلّ بعد ابن رشد صحراء قاحلة إلى أن جاء ابن خلدون.

فقد ملأ كتاب “المقدّمة” فراغا هائلا، ومن خلاله قدّم صاحبه رؤية غاية في الدقّة والعمق للحياة السياسيّة والاجتماعيّة في عصره ، وفي العصور السّابقة لعصره، راصدا كلّ التحوّلات والأحداث الخطيرة التي عجّلت بانهيار الحضارة العربيّة- الإسلاميّة. وقد لا نكون مخطئين عندما نقول بأنّ الفكر العربي منذ رحيل ابن خلدون وحتى يومنا هذا هو في الحقيقة “صحراء قاحلة”.

فباستثناء بعض الومضات، نحن لا نكاد نعثر على ما يشفي الغليل وما يضاهي ولو بنسبة قليلة كتاب “المقدّمة”، وعلى ما يوازيه في عمق التحليل، وقوة الحجّة، ورصانة العقل. والمفكّرون اليوم في عالمنا العربي هم في الواقع مقلّدون لا مبدعون. وهم لا يولّدون أفكارا ومفاهيم، وإنّما هم ينقلون ذلك عن فلاسفة، وعن مفكرين غربيين.

وغالبا ما يكون هذا النقل سيّئا أو معطوبا. ونظرا لعدم قدرتهم على فهم واقعنا المعاصر، والإحاطة بتعقيداته، هم يلجؤون إلى التجريد والغموض، أو هم يظّللون على السطح فلا ينفذون إلى ألأعماق أبدا.

ونحن لا ننكر أن هناك مفكرين سعوا إلى الاستفادة من فكر ابن خلدون، ومن وحي “مقدّمته” قدّموا العديد من الأطروحات الهامة عرضوا من خلالها قراءات لواقعنا المعاصر. كما أنهم سعوا أن يستخرجوا منها ما يمكن أن يمدّهم بوسائل جديدة في البحث والتحليل.

مع ذلك يظلّ كلّ هذا غير كاف لأسباب عديدة. ومن بينها أن ابن خلدون، مثل العديد من المفكرين القدماء، لا يزال في نظرنا ضحيّة نظرة يمكن وصفها بـ”التقديسيّة”. نظرة تحيله إلى الماضي البعيد، أكثر ما تحيله إلى الحاضر والمستقبل.

تحنيط الفكر

قال هايدغر ذات مرّة بأنّ الفكر لا يستفيد إلاّ من ذاته، ولا يمكن أن يتطوّر دون العودة إلى مصادره الأولى. ونحن نعتقد أن العودة إلى ابن خلدون تفترض ألاّ ندرس فكره لإقناع أنفسنا، وإقناع الآخرين الذين أصبحوا أسياد عالم اليوم بأنه كان لنا في القديم مفكرون عمالقة بفضلهم أشعّت حضارتنا على العالم، وإنّما لكي يكون هذا الفكر مضيئا لنا في عتمة أيّامنا الحاضرة، ومحرّضا إيّانا على بذل المزيد من الجهد لكي يكون فكرنا المعاصر فكرا خلاّقا، لا فكرا ناقلا، فكرا متحرّكا لا فكرا جامدا، فكرا متحوّلا لا فكرا ثابتا، عاجزا عن الاستفادة من مصادره الأولى، وعن النّهل من تلك الينابيع التي ما نظنّ أنها نضبت رغم القرون المديدة التي تفصلنا عنها.

ابن خلدون، مثل العديد من المفكرين القدماء، لا يزال ضحية نظرة يمكن وصفها بـ«التقديسية»

من هنا كان اعتقادنا بأنّ أحد أسباب الجدب الفكري الذي نعيشه راهنا، والذي أدّى إلى انتشار الأفكار والفتاوى الظلاميّة هو “تحنيطنا” لرموزنا الفكريّة القديمة مثل ابن خلدون الذي ما زلنا عاجزين إلى حدّ كبير عن الاستفادة الحقيقيّة من “مقدمته”. لذا ليس من الغريب أن يصبح الخطاب الديماغوجي سيّد الموقف، وأن تغزو مجتمعاتنا فتاوى تجّار الدين، ودعاة الفتن، وأدعياء امتلاك الحقيقة المطلقة!

14