ابن رشد المثقف الموسوعي الضرورة الراهنة

الأحد 2014/09/14
ابن رشد حيث لا حسن إلا ما حسنه العقل

إضرابات سياسية تعم الأندلس والمغرب، وثورة أبناء قرطبة على الأمير المرابطي “ابن غانية” في العام 1120. وحصر الثوار لنفوذ المرابطين في الداخل، مع توالي الحكم الواحد تلو الآخر، وثورة “ابن تومرت” وقيام دولة الموحدين. في ظل هذا الجو العاصف وغير المتزن ولد وترعرع “أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد عبد الله بن رشد” في قرطبة في العام 1126. هذا الذكر الكامل لاسم الفيلسوف ابن رشد، ما هو إلا للتدليل على أصله العربي، ذلك أنه ظهر عدد من الروايات والتي لم تلق صدى واسعا بأنه من أصل يهودي، ومنها قيام الخليفة الموحدي “المنصور” بفرض الإقامة الجبرية على ابن رشد في قرية “أليسانة” بجوار قرطبة ذات الغالبية اليهودية، وقيل إنه نفي لهذه القرية بالذات لأنه لا نسب له في قبائل الأندلس وإنما نسبه يعود إلى بني إسرائيل، وهذا ادعاء باطل، فقد تلقى قبل اشتغاله في الفلسفة العربية والإسلامية، واهتمامه في أمور العقيدة والشريعة الإسلامية وفقهها، تعليما تقليديا كما كان سائدا في نظام التعليم بالأندلس، وهو نظام يقوم على تدريس القرآن ومن ثمة اللغة العربية، وحفظ الحديث ودراسة الفقه والعقيدة الإسلامية، هذه كانت المواد الرسمية التي كان درسها حينها.


المثقف الموسوعي


العلوم العقلية “المنطق، الرياضيات، الفلك والفلسفة”، لم يكن مرغوبا فيها كثيرا، في زمنه ولكن كانت تؤخذ وتدرس في البيوت، وهنا تكمن موسوعية ابن رشد، ذلك أنه لم ينظر بعين الريبة إلى هذه الطريقة في التعليم، لأنه رأى أن الانتقال إلى العلوم العقلية والأخذ بها غير ممكن دون دراسة العلوم النقلية، وهذا التناسب هو الذي حمله إلى وضع ملاحظة على فلاسفة المشرق بتجاوزهم لهذا الأمر إضافة إلى تجاوزهم أرسطو، وأن هذا التنظيم والترتيب في التعليم وكسب المعرفة كانا غائبين، بالأخص غياب النظرة التوليفية بين الحكمة والشريعة، وهذا الأمر هو الذي جعل فلاسفة المشرق عرضة للنقد، ونلحظ هذا النقد بوضوح عند “ابن طفيل” من خلال موقفه من “ابن سينا”، حيث يقول: “إنه يوجد في كتاب الشفاء أشياء لا نعرفها عن أرسطو ولم نعرفها عنه”. وأيضا في نقده للإمام “الغزالي” الذي رأى أنه متقلب المواقف وأنه كان يربط في موضوع ويحل في آخر ويكفّر في أشياء ثم ينتحلها. من الجدير بالذكر هنا أن ابن رشد كان حافظا عن ظهر قلب “القرآن، المذهب المالكي” وديواني “المتنبي وأبي تمام” إذ كان كثير الذكر لأبياتهم.

ليس من اليسير هنا الإلمام بكل ما ألفه العلامة ابن رشد، كيف لا وقد “عني بالعلم من صغره إلى كبره، حتى حكي عنه أنه لم يدع النظر والقراءة منذ عَقِل، إلا ليلة وفاة أبيه وليلة بنائه على أهله، وأنه سوّد وألّف وقيّد وصنّف نحو

عشرة آلاف ورقة”. وعلى سبيل التذكير، أن عددا من المفكرين والباحثين المعاصرين قد تناولوا ابن رشد في كتاباتهم، منهم الدكتور أحمد برقاوي في كتابه “ابن رشد معاصرا”، وجمال الدين العلوي في كتابه الواسع “المتن الرشدي”، وكان أشدهم ذكرا وتأثرا واعتبر أن مشروعه رشدي الدكتور محمد عابد الجابري والذي تكاد مؤلفاته لا تخلو من ابن رشد “فيلسوف الفردوس المفقود” على حد تعبيره، نذكر منها “نحن والتراث، تكوين العقل العربي، ابن رشد.. سيرة وفكر".

غياب النظرة التوليفية بين الحكمة والشريعة هو ما جعل فلاسفة المشرق عرضة للنقد، كما عند "ابن طفيل" من خلال موقفه من “ابن سينا”، حيث يقول: "إنه يوجد في كتاب الشفاء أشياء لا نعرفها عن أرسطو ولم نعرفها عنه". وأيضا في نقده للإمام “الغزالي” الذي رأى أنه متقلب المواقف


العلم والنقد


لذلك نظرا لصعوبة المرور والوقوف على كل ما كتبه هذا الفيلسوف والقاضي والفقيه، وصاحب المؤلفات النقدية والعلمية، فالعلمية منها كان قد كتبها اجتهادا، وهي كتابه في الفقه على المذاهب الأربعة “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” و”الكليات في الطب”، ويضاف إلى هذه المؤلفات “المختصرات” وتعرف أيضا بـالضروريات مثل “الضروري في النحو” و”الضروري في الفقه” وهو تلخيص كتاب المستصفى في أصول الفقه لحجة الإسلام الغزالي، و”الضروري في السياسة” وهو تلخيص كتاب الجمهورية لأفلاطون، و”الضروري في المنطق” و”المختصر في النفس″ و”اختصار العلل والأعراض”، وسبب تسميه هذه بالضروري كون ابن رشد يعرض فيها الضروري في الموضوع الذي يتناوله آخذا مادته من مراجع عامة أحيانا مثل كتاب النحو أو من كتاب بعينه فيختصره.

أما المؤلفات النقدية فتتمثل في ردوده على الغزالي في “تهافت التهافت” و”فصل المقال” و”الضميمة”، وردوده على ما يسميها بالفلسفة الشاردة وهي الفرق الكلامية والصوفية “الأشعرية والمعتزلة والباطنية والحشوية” في “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد أهل الملة من الشبهة والزيف والبدع المضلة”. ناهيك عن كتابته عددا من المقالات والآراء والدراسات التي تتعلق بالمنطق والطب والفلك.


ابن رشد شارح أرسطو


لم تكن شروحه لكتب أرسطو على سوية واحدة أي بنفس الطريقة، فقد اختلفت من كتاب إلى آخر إذ يتبع أسلوب في مؤلفات معينة لينتقل إلى غيره في أخرى. نراه مثلا في “الجوامع الصغار” ويسميها ابن رشد بهذا الاسم وهي جوامع العلم الطبيعي لأرسطو: “جوامع السماع الطبيعي، جوامع السماء والعالم، جوامع الكون والفساد، جوامع الآثار العلوية”، هنا يقوم ابن رشد بعرض الكتاب بأسلوبه من دون أن ينقل شيئا عن الأصل، ومقدمته الدائمة في هذا النوع من الكتب هي التركيز على الأقاويل العلمية دون غيرها.

بينما نجده في ما يسميه “التلاخيص” بتلخيص عدد من كتب أرسطو المنطقية والطبيعية، وهنا يعمد ابن رشد إلى ذكر فقرة أو جملة من المسألة التي يود تلخيصها مسبوقة بـ”قال أرسطو” ليسترسل بعدها في الشرح والمناقشة منتقلا إلى مسألة أخرى وهكذا حتى ينتهي الكتاب موضع التلخيص.

أما ما يسميه بـ”الشرح على اللفظ” وهي طريقته في “شرح كتاب البرهان” و”شرح السماع الطبيعي” و”شرح السماء والعالم” و”شرح كتاب النفس″ و”شرح ما بعد الطبيعة”، وتقوم هذه الطريقة على تتبع ابن رشد للكتاب فقرة فقرة وكلام أرسطو جملة جملة شارحا ومعلقا ليمر في نفس الوقت على ما ذكره غيره ممن شرحوا لأرسطو وفق انسجام وترتيب من غير الخروج عن موضوع الكتاب.

دعا ابن رشد إلى فتح باب الاجتهاد الفقهي ووضع القواعد الأساسية له، لأنه رأى أن فقهاء زمانه على حد تعبيره هم مقلدون ولا يرتقون إلى مرتبة "المجتهدين" بل هم في مرتبة "العوام"


لماذا "فصل المقال"


غالبا ما يذكر كتاب “فصل المقال” بالتلازم مع ذكر اسم ابن رشد، ذكرا خاليا من الفهم للأسباب التي جعلت ابن رشد يؤلف هذا الكتاب، ذكرا خاليا من فحوى هذا الكتاب ومضمونه. وفي ظل ما نعيشه اليوم من تطرفات دينية تعصف بنا محاولة إعاقة أي تفكير حر أو أي تقدم لا يتماشى معها معللة ذلك بالحرمة، ساعية إلى تأطيرنا ضمن عقيدة لا مكان لها بيننا الآن وغير الآن، كان لا بد من العودة إلى هذا الكتاب وأسبابه ومضمونه ولو بشكل تعريفي.

بعد الفتوى الشهيرة التي أطلقها “الإمام الغزالي” في المشرق الإسلامي والقاضية أولا بتكفير فلاسفة الإسلام وعلى رأسهم الفارابي وابن سينا، وثانيا تحريم الاشتغال بالفلسفة والاطلاع على كتب الفلاسفة. وبعد استيلاء المنصور على الحكم في الأندلس الذي رأى ضرورة الاعتماد على الدين ورجاله وأمره إحراق كتب الفلسفة واضطهاد الفلاسفة. ناهيك عن قدرة فقهاء ذلك العصر على رمي الفلاسفة بالزندقة والإلحاد. وفي ظل هذا الجو المظلم كان لابن رشد موقف من ذلك وهو إعادة الاعتبار للعقل وتبيين ضرورته في الوصول إلى الحقيقة ولكن ليس بعيدا عن الشريعة، فما كان منه إلا أن ألف “فصل المقال تقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”. وأراد من خلاله أن يدلل على أن الحكمة ليست شيئا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، وأنه كلما كانت المعرفة بالصنائع أتمّ كانت المعرفة بالصانع أتمّ، وهذا النظر حثنا عليه الشرع في أكثر من موضع، وأن الصانع ذاته قد دعا إلى ضرورة النظر العقلي وهذا وارد في النص القرآني، ويورد ابن رشد عددا من الآيات “واعتبروا يا أولي الألباب”، “أفلا تنظرون إلى الإبل كيف خلقت” …الخ. لذلك رفع شعاره الشهير “الحق لا يضاد الحق” ليس لإثبات أحد الطرفين أو إلغائه على حساب الطرف الآخر، بل لإثبات أن الحق الذي تنادي به الفلسفة هو نفسه الذي تنادي به الشريعة، وعلى أساس أن العقل هو الشريعة، ولكن دون أن يعني ذلك أن ابن رشد كان يبحث عن مكان للفلسفة داخل منظومة العلوم الإسلامية، وإنما كان غرضه تبيان حق العقل في أن يؤسس مجاله المعرفي الخاص به من حيث الأدوات والمناهج والموضوعات مستقلا عن مجال العلم الشرعي، دون أن يمنع ذلك التعايش بينهما في فضاء فكري واحد.

ومن خلال النتيجة التي انتهى إليها ابن رشد في أن الشرع قد أوجب النظر العقلي كطريقة في الوصول إلى الحقيقة، ولمّا كان القياس هو استنباط المجهول من المعلوم، فقد دعا إلى الأخذ بالقياس العقلي الذي هو “البرهان”، وعندما قامت فئة من الفقهاء لتقول بأن القياس العقلي بدعة فهو غير وارد في الصدر الأول، يرد ابن رشد فيقول: “إذا كان القياس العقلي بدعة لأنه غير وارد بالصدر الأول، لوجب القول بأن القياس الفقهي هو الآخر بدعة لأنه هو الآخر غير وارد في الصدر الأول".

العلوم العقلية "المنطق، الرياضيات، الفلك والفلسفة"، لم تكن مرغوبة كثيرا، في زمنه ولكن كانت تؤخذ وتدرس في البيوت، وهنا تكمن موسوعية ابن رشد، ذلك أنه لم ينظر بعين الريبة إلى هذه الطريقة في التعليم


الحاجة إلى "بداية المجتهد"


تتمثل هذه الحاجة بالدعوة التي قدمها ابن رشد في هذا الكتاب وهي فتح باب الاجتهاد الفقهي ووضع القواعد الأساسية له، لأنه رأى أن فقهاء زمانه على حد تعبيره هم مقلدون ولا يرتقون إلى مرتبة “المجتهدين” بل هم في مرتبة “العوام” والفرق بينهم وبين العوام أنهم حفظوا الاجتهادات من دون أن تتوفر لديهم شروط الاجتهاد فهم إذن ناقلون. وفي هذا الكتاب يمهد الطريق لمن يريد أن يبلغ مرتبة “المجتهد” وأن يستخلص الأحكام في المسائل الجديدة التي لم يسبق أن تقرر حكم الشرع فيها، وذلك من خلال تعلم اللغة العربية وتعلم أصول الفقه، إذ يعرض في هذا الكتاب مجمل مسائل الفقه الإسلامي، ويذكر مسائل الخلاف بين المذاهب الأربعة. وكما يعطي “المقتصد” كفايته في التعرف على الفقه الإسلامي لمعرفة ما قرره الفقهاء في المسائل الشرعية.

هكذا، وفي الثالثة والسبعين من عمر هذا الفيلسوف، يتعرض للنفي لمدة سنتين، بتهمة واهية “الاشتغال بعلوم الأوائل”، تخفي من وراءها التهمة الحقيقية وهي ما كان قد عرضه في كتابه “المختصر في السياسة” من هجوم على الاستبداد والحكم المتسلط في عهده، تاركا من رائه الكثير والكثير من المؤلفات والتي منها لم يصلنا للآن.

9