ابن رشد وبورخيس ضيفان على كيليطو في لقاء ليلي

كتابات عبدالفتاح كيليطو تقترب، مرة أخرى، من طريقة بورخيس في التأمل، وطريقة تلميذه ألبيرتو مانغيل في القراءة والتأويل، فضلا عن طريقة أمبرتو إيكو في التحليل.
الأحد 2019/06/02
رسم من مخطوط لاتيني وفيه يظهر رسم بمثل ابن رشد جالسا إلى اليسار

يواصل عبدالفتاح كيليطو سلسلة قراءاته الشيقة، في الوقت الذي يصبح فيه تحليله للكتب والحكايات حكاية أخرى لا تنتهي ولا تكف عن إمتاعنا. هذه المرة، نطل على عبدالفتاح كيليطو “من شرفة ابن شد”، عنوان كتابه الصادر عن دار توبقال للنشر، وهو مقالات نشرها الكاتب بالفرنسية، منذ سنوات، وأخرى لم تنشر، قام بترجمتها عبدالكبير الشرقاوي الذي وهب موهبته في الترجمة لنقل أعمال كيليطو المكتوبة بالفرنسية إلى اللغة العربية. وقد صدر هذا الكتاب بالعربية في الوقت نفسه الذي أصدر فيه كيليطو كتابا جديدا بالفرنسية، بعنوان “العرب وفن الحكي”.

 في كتابه “مرايا القراءة”، الحائز على جائزة المغرب للكتاب في دورتها الأخيرة، يرى الناقد المغربي خالد بلقاسم أن تجربة عبدالفتاح كيليطو إنما “أنجزت القراءة من داخل الحكي، ومكنت الحكي، في الآن ذاته، من الاضطلاع بمهمة القراءة”. ولعل هذا هو نهج البلاغة الذي مضى عليه كيليطو في هذا الكتاب، وهو يقدم لنا حكاية جديدة عن أحد كتبه المفضلة والأثيرة، بعد ألف ليلة وليلة، وهو كتاب “كليلة ودمنة”. فبعد دراسته التي قدمها في “الحكاية والتأويل”، يقترح علينا كيليطو طريقة أخرى وإمكانية من ممكنات قراءة “كليلة ودمنة”، ضمن استراتيجية تأويلية تقترب مما قدمه في “العين والإبرة”، وهو يقرأ ليالي “ألف ليلة وليلة”.

كليلة وحيلة

تقول الجملة الأولى من كتاب كيليطو “تعمل الحيلة حين تعوز القوة”، على اعتبار أن هذا هو ما يعلمنا إياه كتاب “كليلة ودمنة”. ليس حكم قيمة متسرعا، بل هي حيلة أخرى، يتحايل بها علينا الكاتب من أجل أن ننصت لحكايته. يرى كيليطو أنه لما كان الأسد قويا، فإنه لم يكن في حاجة إلى أن يحكي حكاية. ولذلك، لا نكاد نعثر في “كليلة ودمنة”، ولا في كل نصوص الخرافات، على حكاية تأتي على لسان الأسد. إن الثابت هو أن الحيوانات الضعيفة هي التي تروي الحكايات للأسد، على غرار شهرزاد، التي استدرجت الملك شهريار، حتى ينصت لحكايتها كل ليلة، وسيلة للإمتاع والمؤانسة، وذريعة لتأجيل قرار قتلها.

كذلك، فإن الأسد يستأنس بحكايات باقي الحيوانات فيؤجل قتلها، ويأنس لها. أما هو (الأسد)، فليس مطلوبا منه تقديم حكاية، لأنه لا تعوزه القوة، ولا يحتاج إلى حيلة، فبمقدوره، و”بخبطة من كفه إهلاك مخاطبه”. لكن، يحدث أن يكون أسدٌ، ويوجد أسد آخر أقوى منه، أو أن يشيخ الأسد، فلا يقوى على مواجهة أي حيوان، وفي هذه الحالة، ما عليه سوى أن يتسلح بالحيلة، وقد يقتضي منه الأمر أن يحكي حكايات مثلا. لكن، في هذه الحال، يتساءل كيليطو “ألا يزال الأسد أسدا؟”.

عبدالفتاح كيليطو يطل "من شرفة ابن رشد" على علاقة السلطة بالأدب واللغة
عبدالفتاح كيليطو يطل "من شرفة ابن رشد" على علاقة السلطة بالأدب واللغة

ناقد ضعيف

تتواصل حكاية كيليطو عن “كليلة ودمنة”، وهي تقرأ مقدمة الكتاب التي تحكي سبب تأليف “كليلة ودمنة”، منذ تجرأ الفيلسوف الهندي “بيدبا” على نصح ملك الهند “دبشليم”، عندما نبهه إلى ما في حكمه من “رداءة السيرة وسوء الطريقة”، قبل أن يعفو عنه الملك، ويطلب منه تأليف كتاب “يكون ظاهره سياسة العامة وتأديبها على طاعة الملك وباطنه أخلاق الملوك وسياستها للرعية”. ثم يروي لنا كيليطو حكاية الاتفاق الذي جرى بين المؤلف والملك على أن لا يبرح هذا الكتاب قصره، حتى لا يُترجم ويصل إلى دولة الفرس، تقرأه فتتقوى به. ذلك أن الترجمة غزو، كما قال نيتشه. وهذا ما لا يقبله ملك له سلطان على البلاد والعباد.

غير أن كتاب “كليلة ودمنة” سينتقل إلى الكثير من اللغات، وسيتم تناقله بمختلف الألسن، وتلك لعنة الكتب الجميلة. هنا، يروي لنا كيليطو ما أورده ابن المقفع، وهو يقدم الكتاب إلى العربية، حيث اعتبره سيد الكتب على الإطلاق، ونبه إلى أن معانيه لا حصر لها، ودلالاته، غير تلك الظاهرة والتعليمية، جعلت بإمكان القارئ أن يستغني بهذا الكتاب عن باقي الكتب غيره، لما فيه من الدلالات والمعاني التي لا يكاد يحصيها.

هنا، يضعنا كيليطو أمام الكتاب كمثلِ “أثر مفتوح” بلغة إيكو، لا قبل لنا بحصره، أو قراءته عن آخره. درس آخر في القراءة و”الارتياب” من الكتاب. فعلى غرار ذلك الأسد الذي قد يروي الحكايات، لأنه أصبح ضعيفا، لكنه حينها لا يظل أسدا، فإن القارئ إذا ظن أنه ألقى القبض على كل معاني الكتاب، واعتقد أنه أكمله وأتمه وانتهى من قراءته، فإنه يكف عن أن يكون قارئا.

من هنا، يمكن أن نقول إن عبدالفتاح كيليطو قارئ ضعيف، مثل شهرزاد مثلا، ولذلك، فإنه يتذرع بالحكاية، بينما هو يقدم لنا قراءة نقدية في الكتب. إنه ليس ناقدا قويا، يمتلك أسلحة منهجية ويشهرها، ليقبض على الحكاية قبضة أسد واحد، ويلتهم كل معانيها. بل يمتلك تقنيات ومعارف يخفيها ولا يشهرها، ويستخدم الحكاية والحيلة حيث لا تنفع القوة أبدا.

الملك الجديد

في الفصل الثاني من الكتاب، الذي حمل عنوان “الكلام إلى السلطان”، يبقى كيليطو مع ابن المقفع، ليروي لنا كيف أوصى ابن المقفع الحاشية بأن لا تبني صلاتها مع الملك الجديد على الوثوق بما سلف من تلك الصلة. ذلك أن “الأخلاق مستحيلة مع الملك”، كما قال ابن المقفع، وهو ما لم يفهمه فالستاف في مسرحية شكسبير، هنري الرابع: “كان شريكا في مجون أمير بلاد الغال ولي العهد، الذي تنكر له لما صار ملكا”، يقول كيليطو نقلا عن المسرحية.

بعدها، يطل كيليطو من شرفة ابن رشد على حكاية مماثلة في التراث السردي المغربي القديم، وهي حكاية ابن أبي محلي، التي أوردها الحسن اليوسي في كتابه “المحاضرات”. حكاية ذلك الفقيه الثائر الذي حكم مراكش، بعد نصر مبين على السلطان السعدي.

تجربة عبدالفتاح كيليطو إنما “أنجزت القراءة من داخل الحكي، ومكنت الحكي، في الآن ذاته، من الاضطلاع بمهمة القراءة”
تجربة عبدالفتاح كيليطو إنما "أنجزت القراءة من داخل الحكي، ومكنت الحكي، في الآن ذاته، من الاضطلاع بمهمة القراءة"

وفي اليوم الذي تُوج ملكا، دخل عليه إخوانه من الفقراء مراكشَ لزيارته وتهنئته، فإذا بينهم رجل شديد الصمت لا يتكلم، فلما تنبه له ابن أبي محلي وسأله عن سر صمته، كان جواب الرجل مثيرا: “أنت اليوم سلطان، فإن أمنتني على أن أقول الحق قلته”، فقال له “أنت آمن فقل”، فقال “إن الكرة التي يُلعب بها يتبعها المائتان وأكثر من خلفها، وينكسر الناس وينجرحون، ويكثر الصياح واللهو، فإذا فُتشت لم توجد بدواخلها إلا شراويط، (أي خرق بالية ملفوفة)”، فلما سمع ابن أبي محلي هذا المثال وفهمه بكى وقال “رمنا أن نحيي الدين فأتلفناه”. هكذا نجا الرجل وهو يتحدث إلى الملك الجديد، وذلك حينما قصد الحيلة، وعبر عن مقصوده من خلال حكاية مَثَلِيَّةٍ، أي ضرب له مثلا حتى لا يكون كلامه إلى الملك مباشرا فيضرب عنقه.

شرفة ابن رشد

مرة أخرى، تقترب كتابات عبدالفتاح كيليطو من طريقة بورخيس في التأمل، وطريقة تلميذه ألبيرتو مانغيل في القراءة والتأويل، فضلا عن طريقة أمبرتو إيكو في التحليل. وشرفة ابن رشد هي تلك التي يتحدث عنها بورخيس في دراسة بعنوان “بحث ابن رشد”، وهو يطل من شرفة بيته في قرطبة على أطفال يتجادلون بلهجة فظة، أي بالإسبانية الناشئة للعوام المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية”.

هذه هي الفقرة الوحيدة التي تتحدث عن شرفة ابن رشد، وهي مستقاة من بحث بورخيس عن “بحث ابن رشد”، أما كيليطو فيحكي لنا في فصل “من شرفة ابن رشد”، عن عبارة استيقظ على وقعها، بعد أن رآها في منامه “حُلْمِهِ” بالأحرى، وهي “لغتنا الأعجمية notre langue étrangère”. يزعم كيليطو أن العبارة “لغتنا الأعجمية” هي لابن رشد، لأنه سمعها في حُلمه، ليلة رأى في المنام ابن رشد يطل عليه من شرفته، بينما كيليطو نائم بالقرب من شرفة منزله.

ويرأى كيليطو في المنام شخصا وهو يجادله في أعماله وفي قضايا أدبية كثيرة، وهذا الشخص ليس سوى “ع ك”، كما يسميه كيليطو، وليس سوى كيليطو نفسه، كما يمكن أن نخمن. وكأن كيليطو يحتمي بالحكاية “المنامة” هذه المرة، من أجل أن يحلل أعمال كيليطو نفسه، الموزعة ما بين التراث العربي، أي المكتوب بالعربية، وما بين قراءتها بالفرنسية، وكتابة تلك القراءات بلغة أجنبية في كثير من الحالات، أو قراءتها بما يقابلها أو يواجهها بنصوص ومرجعيات أجنبية.

هل يكون ابن منظور هو صاحب تلك العبارة “لغتنا الأعجمية”، وليس ابن رشد؟ أليس ابن منظور هو الذي ألف “لسان العرب”، بعدما لاحظ أن العربية مهددة، وهو أول من تحدث عن “أزمة العربية”، كما أورد ابن منظور في مقدمة “اللسان” التي يستحضرها كيليطو في آخر الكتاب؟ هل يتعلق الأمر بنوع من اللعنة، من البلبلة التي أصابت أهل بابل، عندما أرادوا بناء برج يصلون به إلى السماء، حتى يتساووا بالرب. فكانت لعنة الله أن عَدَّدَ لغاتِهم وبلبل لسانَهم، فتوقفت أشغال بناء البرج، وفشل مشروع الوصول إلى السماء، وتشتت البشر في الأرض ألسنة ولغات شتى؟ وتلك حكاية أخرى رواها لنا كيليطو في كتابه “لسان آدم”. في هذا الكتاب، كان كيليطو قد عقد فصلا عن “ترحيل ابن رشد”، انتهى بالعبارة التالية: “دَفْنُ ابن رشد لم ينته بعد”. ألا يلتقي هذا ببيت شعري شهير للشاعر الغرناطي فيديريكو غارسيا لوركا يقول فيه “إذا مِتُّ، دعوا الشرفة مفتوحة”.

12