"ابن شارع".. شيء عن الحياة خارج القفص

السبت 2013/11/09
قراءته مغايرة لـ"ابن الشارع" من حيث المفهوم

أربيل - ليس من السهل تجنيس وتأطير هذا الكتاب الصادر هذا العام 2013 في طبعته الأولى عن "دار ومكتبة عدنان للنشر" في بغداد ضمن خانة حقل إبداعي محدد طالما تتماهى فيه أنماط متنوعة من أشكال الكتابة السردية. من هنا تأتي أهميته وخصوصيته في المنتوج الثقافي العراقي الحديث، فقد سعى الكاتب إلى اجتراح نمطيته الفنية خارج إطار ماهو سائد ومتعارف وتقليدي في منظومة ثقافية تعوّدت على أنساق إبداعية واضحة وشاخصة لا يداخلنا القلق ولا الغموض في معرفة هويتها الأجناسية.

كل الأشكال الإبداعية، التي تشكل روافد تقليدية لمنظومتنا الثقافية والنقدية، لاينتمي إليها هذا الإصدار من حيث طبيعته الفنية/النصيّة، فقد تنحّى عنها الزيدي وهو يتصدى للكتابة عن ثنائية عالم يتقاسمه: الابن الشوارعي والابن البيتوتي.

هذا العالم ــ بما يشكله من ثراء وتنوع حيواتي – طالما استجابت له الكتابة الروائية والقصصية، ونهلت منه بما يحتمله من تقاطعات اجتماعية واقتصادية وأخلاقية، لكن مجمل هذه الكتابات، بقيت أسيرة عتبة أساسية ومحورية، قوامها معالجات فنية لأجناس إبداعية أتت بهذا العالم الثنائي إلى مشغلها الفني إلاّ أنها لم تخرج في معالجاتها عن مركزية المنظومات الثابتة والصارمة المعبِّرة عن شكلها وجوهرها الأجناسي فيما لو وضعت على مصطبة الفرز والتصنيف.

على هذا الأساس يأتي كتاب الزيدي ليفكك منظومة المهيمنات الفنية التي شكلت ذائقتنا النقدية، والتي تبرز بكل قسماتها، حالما نبدأ بقراءة المقدمة التي خطها الزيدي في الصفحة الأولى سعيا منه لأن تكون تمهيدا تأسيسيا لفرض منطقه ورؤيته لهذا العالم الثنائي، حيث يقول: "بصراحة، هو صراع بين فريقين من الأبناء، فريق يمثله الشوارعي، وآخر يمثله الابن البيتوتي، الشوارعي يفوز بحب الشارع والناس والجمهور ويصل إلى سدّة الحكم، رغم علمه أنه أقل مرتبة من البيتوتي، لكنه فاز بحب الناس، وخسر البيتوتي الحب.. لم تعد الأخلاق حدّا فاصلا في الأحكام بين هذا وذاك..".

ثم يواصل خضير فليح الزيدي تأملاته التي أراد من خلالها الكشف عن طبيعة التحولات التي شهدها مفهوم ابن الشارع بعد أن تخلخل وتهشم النظام الاجتماعي، بفعل متغيرات عدة شهدتها منظومة الحياة العراقية "إن مفهوم ابن الشارع قد تعرض إلى انعطافات خطيرة، بعد أن لاذ الغريب والمتسوّل والسارق تحت لافتة الشارع والاستحواذ عليه وطرد بنيه النُجب أو ضمّهم تحت لواء أبناء الشوارع، حتى قسّم الأبناء إلى طرفين متصارعين، فيما كان الطرف الآخر من الأبناء هم أبناء البيوت والمدارس والكتب يتعثرون في أولويات بطون الكتب مستنبطين منها الأخلاق".

ولا يفوت الزيدي أن يشير إلى قراءته المغايرة لابن الشارع من حيث المفهوم ليصل إلى نتيجة تبتعد كثيرا عما كرَّسه المخيال الشعبي الذي يحدثنا عن ابن الشارع على أنه "المنتمي إلى مجاميع ـ علنية التنظيم ـ الذين ليس لهم مأوى واضح يأوون إليه آخر الليل..". ليصل الزيدي إلى ما يقصده بابن الشارع في هذا السفر على أنهم "ليسوا أولئك المهمشين من صباغي الأحذية أو سراق الدجاج أو عمال الكراجات الكبيرة أو اللقطاء أو الهاربين من دور الأيتام أو الشمامين الصغار أو الغرباء أو الشحاذين الصغار – أولئك على رأسي من فوق – إنما أقصد مجاميع سرية أخرى غيرهم".

وبما يتصل بهذا التمهيد الذي اقترحه علينا الكاتب في مقدمته التي أراد منها تأطير مفهوم ابن الشارع، أن وضعنا أمام تقنين اجتماعي تصنيفي مترسب في المحيط السوسيوثقافي، أحاله الزيدي إلى عناوين تقسّم المَتن الفضفاض الذي بَنى عليه مخطوطته، فجاءت على الشكل التالي (ابن ولاية، ابن شارع، ابن سوق، ابن مدينة، ابن ليل، ابن مدارس، ابن بيت، ابن عوز، ابن كراجات، ابن فنادق، ابن الحرب، ابن الشارع، ابن دروب، ابن قطارات، ابن البوادي، ابن أمه، ابن محاكم، ابن شطوط، ابن بلا قلب، ابن كيف، ابن سجون).

ويمكن أن نختتم قراءتنا لهذا الإصدار المفارق والمنسلخ عن ذخيرتنا الكلاسيكية القرائية بهذه الجملة التي جاءت في مقدمة الصفحات التي عنونها بابن ولاية: "لا أعتقد أن القارئ سيُثني على ما أقول عندما أجازف في القول إن ذاكرتي التخيلية بوصفي (ابن ولاية) هي ذاكرة وقحة لا تصلح للحفظ، رغم أنها مشروع لأسطرة الواقع بمعنى إنها يوتوبيا ومثال لمكان منتخب، ذاكرة متخيلة تتبدد منها الوقائع بيسر وسهولة فهي مثقبة من جهات عدّة ومصابة بفيروس العفن المزمن، سريعة العطب والنسيان كصناعة صينية رديئة..".

16