اتجاهات جديدة في مهرجان لندن السينمائي الـ62

"الوسيطات" فيلم تسجيلي، تقف الكاميرا فيه أمام الشخصيات داخل مكتب الزواج في طهران، ترصد أحاديث النساء.
الثلاثاء 2018/10/16
"عدم الاستقرار" عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

من فضائل مهرجان لندن السينمائي الذي انطلق في العاشر من أكتوبر الجاري ويتواصل حتى الحادي والعشرين منه، أنه يأتي بتشكيلة متنوعة من الأفلام التي تتيح للمشاهدين في العاصمة البريطانية الاطلاع على أحدث الإبداعات في مجال السينما العالمية، وبينها ما يصعب أن يعثر له على موزع في بريطانيا.

لندن - هناك اهتمام واضح هذا العام بمشاركة عدد كبير من أفلام المخرجات في فعاليات الدورة الـ62 من مهرجان لندن السينمائي، وقد أكدت المديرة الفنية للمهرجان تريشيا تاتل أنها حرصت على جعل نصف عدد الأفلام المشاركة في مسابقات المهرجان الثلاث (الأفلام الطويلة والأفلام التسجيلية والأفلام الأولى لمخرجيها) من إخراج مخرجات.

ولا شك أن هذا الموقف الذي ينعكس أيضا على جميع أقسام المهرجان، ناتج أولا عن هيمنة النساء على طاقم المهرجان، بل وعلى أعلى منصب في معهد الفيلم البريطاني BFI، وهو الجهة المنظمة للمهرجان، كما يعكس ثانيا تأثير حملات الاحتجاج النسائية الحديثة خاصة حملة “أنا أيضا”.

ومن هذه الأفلام التي أخرجتها نساء نستعرض هنا ثلاثة أفلام هي “يوم فقدت ظلي” للمخرجة السورية سؤدد كعدان و”الوسيطات” للمخرجة الإيرانية أزادي مقدم و”عدم الاستقرار” للمخرجة البريطانية- الإسرائيلية أيريس زكي.

يوم فقدت ظلي

هناك الكثير من الأفلام التي ظهرت عن الأوضاع المضطربة في سوريا، وكيف تحوّلت الثورة السلمية إلى حرب أهلية تدخلت فيها قوى كثيرة، واستخدم فيها النظام السوري أقصى درجات العنف مع تدخل من الجيش الروسي، ممّا جعل الواقع السوري جحيما مستمرا أمام السوريين، إلاّ أن مشكلة الكثير من هذه الأفلام، خاصة الأفلام الروائية، أنها تصوّر عادة خارج سوريا، وفي ظروف تجعلها تفتقد إلى سخونة الواقع السوري نفسه، إلى جانب ضعف الإمكانيات الإنتاجية والاعتماد على ما يتوفر من الممثلين في البلدان التي تفرقوا فيها عبر العالم.

هذه الإشكالية واجهت وانعكست على فيلم “يوم أضعت ظلي”، أول أفلام المخرجة سؤدد كعدان، فقد اضطرت إلى تصوير فيلمها في لبنان، واعتمدت على طاقم من الممثلين الذين يعيشون خارج بلادهم، وتلقّى الفيلم دعما محدودا من فرنسا وقطر، لكنه أنتج بميزانية صغيرة.

وهو ما ألقى بظلاله على الصورة النهائية للفيلم كما انعكس على الأداء التمثيلي لأبطال الفيلم الثلاثة: سوسن أرشيد وسامر إسماعيل وريهام القصار، فقد جاء مجال الصورة مشوشا، غير واضح المعالم، خاصة أن الفيلم يبدأ في دمشق في العام 2012، أي بعد اندلاع الثورة بفترة قصيرة، وسرعان ما يبتعد عن واقع الشارع وما يدور فيه، ليدخلنا في محيط شبه تجريدي.

في البداية نرى امرأة اسمها سناء تكافح مع ابنها الصغير خليل (6 سنوات) للوصول إلى شقتها الواقعة في عمارة سكنية، حيث يتعرض لهما أولا جندي يريد التأكد من هويتهما، ثم يمران بما يشبه عزاء في الطابق الأسفل إشارة إلى الذين يفقدون حياتهم يوميا بسبب العنف الذي يواجه به النظام الثورة.

أما السبب في الوصول بسرعة إلى المنزل فمن أجل اللحاق بالمياه قبل انقطاعها، لتشغيل آلة غسل الملابس، لكن المياه تنقطع، وعندما ترغب سناء في طهي وجبة ساخنة لابنها ينقطع الغاز أيضا، فتترك خليل على أن يرعاه جده، فوالده غائب منذ ست سنوات حيث يعمل في السعودية.

تهرع سناء إذن للبحث عن أسطوانة غاز، لكنها تفشل بعد أن يفرغ المتوفر منها، ثم تلتقي بفتاة هي ريم التي كانت تتردد على الصيدلية التي تعمل فيها سناء، وتقابل أيضا شقيقها جلال وكلاهما من الثوار، يقترح جلال الذهاب إلى منطقة تقع خارج دمشق للبحث عن أسطوانات الغاز، لكن الجيش يقطع الطريق ويرغمهما على مغادرة سيارة التاكسي، فيجد الثلاثة أنفسهم مضطرين للدخول إلى غابة ثم الوصول إلى ما يشبه قرية صغيرة معزولة.

نحن بالتالي لا نشاهد تداعيات الثورة وما يتعرض له الثوار من عنف النظام، لكننا نرى بعض آثارها: أصوات إطلاق الرصاص تأتي من بعيد إلى حيث يوجد الأبطال الثلاثة داخل الغابة، جنديان يتدربان على إطلاق الرصاص على الأشجار، جندي يتعقب الهاربين من الثوار داخل الغابة، مقابر جماعية حفرها سكان القرية التي يصل إليها أبطالنا الثلاثة لدفن قتلى الاشتباكات المتوقّع حدوثها في البلدة القريبة.

وتلمح سناء كيف أن جلال الذي قُتل شقيقه في المواجهات وقضى فترة رهينة الاعتقال، قد فقد ظله، فالفيلم يقول لنا إن ظل المرء يختفي بعد أن يتعرض لمأساة تزلزل حياته وتفقده توازنه وشعوره بوجوده، وهو معنى رمزي شعري قد يكون جميلا على المستوى النظري إلاّ أنه لا يتداخل في نسيج الفيلم وبنائه كما ينبغي ويبدو مفتعلا وغريبا على السياق الواقعي للفيلم، كما يعاني الفيلم نفسه من الفقر الشديد سواء في الحبكة التي تمتد أكثر ممّا ينبغي، ممّا يؤدي إلى هبوط الإيقاع العام والترهل.

وفي النصف الثاني يدور الفيلم حول محاولة الرفاق الثلاثة العودة إلى دمشق، لكنه يظل يدور حول نفسه ويدخل في تفاصيل فرعية مع المزيد من الصور النمطية لسكان القرية التي تتضامن في الكفاح ضد النظام، ونرى من بينهم شابا ملتحيا كنموذج للإسلاميين المعتدلين الذين يتعاونون مع الثوّار، وتعجز المخرجة عن صنع نهاية درامية ملائمة لموضوعه.

ورغم ملامسة الموضوع من بعيد، والضعف الواضح في البناء والصورة والأداء بشكل عام، إلاّ أن الجائزة “التضامنية” التي حصل عليها الفيلم في مهرجان فينيسيا (جائزة أسد المستقبل الذهبي للعمل الأول في مسابقة قسم “آفاق” وليس في المسابقة الرسمية كما ذكر البعض)، تغري بإضفاء الكثير من الرونق والسحر على عمل لا أظنه سيبقى كثيرا في الذاكرة.

"الوسيطات" فيلم إيراني عن عالم النساء في مجتمع ذكوري
"الوسيطات" فيلم إيراني عن عالم النساء في مجتمع ذكوري

والفيلم الإيراني The Broker، وهو أيضا العمل الأول لمخرجته أزادي مقدم، أفضل ترجمة له في رأيي هي “الوسيطات” أي وسيطات الزواج أو “مكتب الزواج”، فالفيلم بأكمله يدور داخل أحد تلك المكاتب التي تعمل فيها النساء وسيطات للعثور على أزواج أو زوجات للباحثات وللباحثين عن الزواج في مجتمع يضيق كثيرا من فرص اللقاءات المفتوحة بين الرجال والنساء.

هذا فيلم تسجيلي، تقف الكاميرا فيه أمام الشخصيات داخل مكتب الزواج في طهران، تراقب وتحافظ على مسافة منها، ترصد أحاديث النساء، تصورهنّ أثناء العمل أو في فترة الراحة أثناء تناول طعام الغذاء.

إنهنّ يضحكن ويتبادلن الحديث عن الشخصيات التي تقابلهنّ يوميا، يتردد على المكتب الكثير من النساء من مختلف الأعمار ممن يبحثن عن زوج مناسب، كما يتردد أيضا بعض الرجال، غالبيتهم من عمر متقدم نسبيا.

مديرة المكتب ومساعداتها لا تحاولن فقط تلبية متطلبات كل واحدة ومضاهاتها بما لديهنّ في الملفات من معلومات عن الرجال من راغبي الزواج، بحيث يعثرن على أفضل شخص مناسب لكل حالة، بل تقمن أيضا بالتوفيق بين الأزواج المنفصلين أو الذين يريدون الانفصال، ويشتكي بعض النساء من خيانة أزواجهنّ لهنّ.

تغلب وجهة النظر الذكورية في مجتمع يسوده الذكور على نظرة المرأة في تعاملها مع المرأة: فمديرة المكتب تحاول دائما إقناع النساء بالتصالح والعودة إلى الزوج، والتغاضي عمّا يفعله، كما تنصح بالتزيّن وجذب الاهتمام والابتعاد عن إثارة المشاكل.

أما بخصوص البحث عن زوج مناسب، فهي تؤكد دائما أن الرجل هو الذي يجب أن يبدي اهتمامه بالمرأة ثم يتقدّم لها، وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم حيوية، ينظم المكتب “مؤتمرا” يجمع بين عدد من الرجال والنساء من الراغبين في الزواج، وأمام الجميع يقف الرجل أو المرأة، يعرض كل منهما “حالته” وظروفه الشخصية، ثم ماذا يريد أو يتوقّع من شريكة الحياة التي يبحث عنها؟

يتم توزيع أوراق على كل الحاضرين لتسجيل اختياراتهم، لكن المرأة تظل رهينة اختيار الرجل، فلو أعجبها رجل ما من الحاضرين يجب أن يبدي هو إعجابه بها، وإن لم يفعل فلا جدوى من اختيارها له، لأنه لن يلتفت إليها أصلا!

إننا أمام ما يشبه “السوق”.. سوق الزواج، المرأة فيه سلعة، تخضع للعرض والطلب، والرجل يبحث عن امرأة صغيرة السن لكي تصبح زوجة له، كما يرغب الكثيرون في العثور على زوجة مؤقتة بموجب “زواج المتعة” المباح في إيران. والعاملات في المكتب يحاولن إقناع النساء بأن الزواج المؤقت المحدد المدة خير من أن تعيش وحيدة، والقبول برجل كبير في العمر أفضل من أن تظلّ في انتظار زوج شاب ربما لن يأتي.

الفيلم الذي يقع في 61 دقيقة، رغم ما يتضمّنه من حوار متواصل، يأسرك ويشدك إلى موضوعه بسبب طرافته وكشفه الجريء عن حالة الظمأ الاجتماعي التي يعرضها بأسلوب “سينما الحقيقة” من دون تدخّل كبير من جانب المخرجة.

عدم الاستقرار

الفيلم الإسرائيلي “عدم الاستقرار” Unsettling، هو أيضا فيلم تسجيلي وهو العمل الأول لمخرجته أيريس زكي التي تظهر في الفيلم بنفسها، تعلق وتحاور مختلف الشخصيات الإسرائيلية التي تلتقي بها.

إنها تصرّح من البداية بأنها “يسارية” قادمة من الخارج، من بريطانيا حيث تقيم، لكنها أيضا إسرائيلية تنتمي إلى مجتمع تل أبيب العصري الذي يصفه الفيلم بأنه يختلف تماما عن مجتمع الكيبوتز والمستوطنات.

الإعلان عن هذه الهوية اليسارية يسبّب لها المشاكل في مستوطنة “تيكوا” في الضفة الغربية التي تزورها بدعوة من صديق لها، فهناك من يصرخ في وجهها.. نسمع صوته على شريط الصوت دون أن نرى وجهه.. يتهمّها بالتعاطف مع الفلسطينيين وتقديم صورة سيئة عن المستوطنين للعالم، ويرفض الكثيرون الظهور أمام الكاميرا والحديث مع المخرجة التي تقضي شهرا هناك إلى أن تعثر على بعض الشباب الذين يقبلون التصوير والحديث أمام الكاميرا.

يقول أحد الشباب الذين تحاورهم، إن كونها يسارية متعاطفة مع الفلسطينيين لن يجعلهم يحبونها ويلوم عليها أنها بدأت بالتعبير عن ذلك، لكنها لا تيأس أو تتراجع. إنها تتردد حينا، مبدية تفهّما لما يقوله الطرف اليهودي.. كيف أن هناك حاجة للحماية، لوجود الجنود في المستوطنات، لكنها ترفض منطق الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، وتحاول طيلة الوقت أن تلفت نظر من تحدثهم، إلى هذه الحقيقة.

صديقها الذي يبدو مقتنعا بما تقوله يحاورها ويعود لكي يؤكد أنه رغم إدراكه لطبيعة المأزق، إلاّ أنه لا يرى حلا للصراع بسبب تمسك كل طرف، كما يقول، بالأيديولوجية التي تقوم على أساس ديني، ويتناقض مع نفسه عندما يتمسك بفكرة حق اليهود في فلسطين بدعوى أنهم كانوا هناك قبل أكثر من ألفي عام، أي أنه رغم حديثه التقدمي الظاهري، يرتدّ إلى التمسك بالأسطورة.

ويطرح مستوطن آخر ترحيل الفلسطينيين، وتتبنّى هذا الطرح فتاة يهودية لا ترى خطأ في استخدام القوة لإرغام الفلسطيني على المغادرة، وعندما تنبهها المخرجة إلى أن هذه هي الفاشية، تضحك وتعترف بأن في الفاشية أشياء جيدة.

ينطلق الفيلم من فكرة أن الحوار السلمي الهادئ مع المستوطنين يمكن أن يكشف للمتفرج الذهنية السائدة، ويعرّي فكرة الاحتلال والاستيلاء على الأرض التي تتسق مع النظرة النسائية لمخرجة يسارية تتبنّى رؤية إنسانية ترفض المستوطنات دون رفض الاحتلال، وتبدي تعاطفها مع الطرف الفلسطيني دون أن تدين بوضوح الطرف المعتدي لينتهي الفيلم المثير للجدل، دون أن تكون مخرجته قد توصلت إلى خلاصة واضحة، إنها أيضا جزء من التناقضات التي تصورها عند الشباب الذين تتحدث إليهم.

والفيلم تجربة سينمائية تسعى لبحث مأزق المستوطنين (الذين لا يشعرون بالاستقرار) من زاوية جديدة تبتعد عن الأنماط التقليدية المستقرة مسبقا في وعي المشاهدين عن أولئك المتطرفين الذين يحملون السلاح، فالمخرجة تلتقي بنماذج شبابية تمارس الألعاب الجماعية، تمزح وتضحك وتتشارك في الاستمتاع بالحياة، لكنها تبدو في النهاية معزولة عن المحيط، بل وعن أقرانها في الداخل.

إنها شخصيات تبدو أقل عنفا، لكنها لا تخلو من الاضطراب والتناقض، كما يشوب أحاديثها مزاعم جيدة لا يمكن التثبت منها، لكن لا بأس فالقلق من تراجع صورة إسرائيل في أنظار العالم يدفع إلى محاولة التنقيب والبحث، وربما يؤدي إلى الفهم.

الفيلم السوري "يوم فقدت ظلي".. محيط شبه تجريدي
الفيلم السوري "يوم فقدت ظلي".. محيط شبه تجريدي

 

16