اتجاه الأبناء نحو التحرر من الروابط الأسرية مؤشر على تفكك العلاقة داخل الأسرة

حسن توجيه الأبناء واحترام رغباتهم في الاستقلال يحدان من تمردهم.
الجمعة 2021/04/30
الأسرة المترابطة يصعب تفكيكها

يرى علماء النفس أن الأسرة المتكاملة ليست تلك التي تكفل لأبنائها الرعاية الاقتصادية والاجتماعية والصحية فحسب، بل هي الأسرة التي تهيّئ لهم أيضا الجو النفسي الملائم. ويؤكد الخبراء أن وجود الطفل في بيت واحد مع والديه لا يعني دائما أنه يعيش السعادة. فإذا سعى الأبناء إلى التحرر من الروابط الأسرية فإن ذلك مؤشر على تفككها.

لم يتفق علماء النفس الاجتماعي على تحديد مفهوم التفكك الأسري، كما لم يتفقوا حول تسمية المفهوم ذاته. فمنهم من يستخدم مفهوم التفكك الأسري ليعني فقدان أحد الوالدين أو كليهما أو الهجر أو الطلاق أو تعدد الزوجات أو غياب أحد الوالدين مدة طويلة. فيما يستخدم آخرون هذا المفهوم ليشيروا إلى بداية اتجاه الأبناء إلى التحرر من الروابط الأسرية، خاصة إذا بلغوا سن المراهقة.

وقال فرحان العرفج الباحث الاجتماعي السعودي المختص في شؤون الأسرة، لا شك أن مرحلة المراهقة هي بداية لإثبات الذات والاستقلالية، يبدأ فيها المراهق بالتحرر من قيود الأسرة، وهي مرحلة فاصلة بين عالمي الطفولة والرشد.

وأضاف لـ”العرب” أن من خصائص هذه المرحلة التمرُّد على السلطة، والرغبة الحتمية في الاستقلال والتحرر من كل مصدر للسلطة، وكذلك الرغبة في تأكيد الذات.

وفي هذه المرحلة لا يحب المراهق الخروج مع والديه ويفضل الذهاب مع أصدقائه وكذلك الفتاة تسعى إلى زيارة صديقتها بمفردها دون مرافقة أمها، أو الخروج معها لشراء الحاجيات بمفردهما، لتشعر فقط بأنها فتاة ناضجة ويمكنها الاعتماد على نفسها.

وأشار العرفج إلى أن استقلال الأبناء عن الأسرة ظاهرة طبيعية، واحتياج بشري لا غنى عنه حيث أن رغبة المراهق في السَّعي إلى المزيد من الحرية أمر طبيعي، لكن يتعارض مع غرائز الآباء لحماية أطفالهم من الضَّرر مما يسبب خللا في وقوع تفكك وخلافات أسرية بين الابن وأسرته والسبب هو الجهل بخصائص هذه المرحلة وكيفية التعامل وتحقيق الاستقلال الذاتي له. واقترح العرفج  الحوار مع المراهق والاستماع له ومشاركته هواياته واحترام رغبته في الاستقلال دون إهماله وتوجيهه ومتابعته خلال هذه المرحلة كحلول لمواجهة هذه المشكلة.

فرحان العرفج: استقلال الأبناء مسألة تخالف غرائز الآباء في حماية أطفالهم

كما نصح أيضا بالابتعاد عن القسوة التي تنفّره والدلال الذي يفسده، وترك الابن لخوض التجربة مع متابعته.

ويشير استشاريو العلاقات الأسرية إلى أن التفكك الأسري يمكن أن يأخذ طابعا أشد حدة، يتمثل في تمزق أوصال الأسرة وانفراط شملها، ولو في ظل استمرار عقد الزوجية قائما، وذلك بفعل التخلي عن واحدة أو أكثر من الوظائف المنوطة بها. فالتفريط في أمر التوجيه التربوي، لا بد أن يستتبع جفاء بين أفراد الأسرة، ويجعل منهم جزرا، وإن كانت متجاورة مكانيا فهي متباعدة شعوريا بسبب التقصير في تعميق المرجعية الواحدة لدى أفراد الأسرة لتوحيد شاكلتهم الثقافية.

وهذا النوع من أنواع التفكك الأسري يتسع نطاقه إلى حد بعيد، بفعل استقالة الآباء عن القيام بأعباء التنشئة الثقافية، أو بفعل الصدام والتعاند والتشاكس التام في أمر المرجعية المعتمدة لدى الأبوين داخل حمى الأسرة.

ويمكن الحديث عن نفس الآثار السلبية في حالة ضمور الشعور بالانتماء لدى أفراد الأسرة، بسبب توقفها (الأسرة) عن توفير الأجواء الباعثة على الأمـن لدى الأبناء، ســواء عـلى مـستـوى إشـباع الـحاجات الـماديـة أو النفسية.. أو الفكرية والروحية.

ويعيش الأبناء وخصوصا المراهقين منهم صراعا عائليا بين ميلهم إلى التحرّر من قيود الأسرة وبين سلطة الأسرة في حد ذاتها. وصراع بين مثالية الشباب والواقع وبين جيلهم والجيل الماضي. وصراعات بسبب وجود أهداف متعارضة في داخلهم يرغبون في تحقيقها. وتجد أغلب الأسر صعوبة في متابعة أبنائها نظرا لانشغالاتها العديدة، ما يتيح الفرصة لمزيد من التفكك الأسري.

ويرى الخبراء أن تعزيز العلاقات الأُسرية لا يعني فقط أخذ إجازة من العمل واصطحاب أفراد الأسرة في رحلةٍ أو نزهة، بل ثمَّة العديد من التغييرات البسيطة التي يستطيع الفرد القيام بها لبناء العلاقات الأسرية وتعزيزها يوميّا دون أن يغادر المنزل.

وقال خبراء العلاقات الأسرية إنه بسبب حياتنا المحمومة في الكثير من الأحيان، من الصعب التوقّف لقضاء وقت مع العائلة سواء الصغيرة، وخاصة الكبيرة فنحن نعاني دائما من نفاد الوقت. ففي عطلة نهاية الأسبوع، هناك التنظيف والتسوق ودروس الأطفال، وفي النهاية ينتهي الأمر بأفراد العائلة إلى كونهم زملاء أكثر من عائلة.

وتكتسي التقاليد والطقوس الأسرية أهمية بالغة نظرا إلى أنها تضع أسس القيم العائلية كما أنها جيدة للترابط الأسري، وتعتبر طقوس الأسرة مجموعة من السلوكيات القابلة للتكرار وذات أهمية رمزية.

وبينت الخبيرة في علم النفس والباحثة ريبيكا فريزر ثيل أن هذه الطقوس توفر للعائلات شعورا بالهوية والانتماء، وغالبا ما تثير مشاعر قوية وكثيرا ما تستغل لإثارة الموضوعات الهامة ومناقشتها داخل الأسرة.

وأوضحت أن الطقوس العائلية توفر أيضا شعورا بالاستمرارية عبر الأجيال. وبمعنى آخر، فهي وسيلة لنقل القيم العائلية والتاريخ والثقافة من جيل إلى آخر.

وأضافت أن أفضل مثال على طقوس الأسرة هو تقاليد الأعياد، حيث يمكن أن تصبح الأحداث تقليدا.

Thumbnail

وأشارت إلى أن العديد من العائلات لها تقاليد عريقة، غالبا ما تنتج أفضل الذكريات التي يعتز بها الجميع ويحاولون إدامتها. وترتبط بعض التقاليد بالتراث الأسري مثل الذهاب إلى المهرجانات الثقافية المحلية أو طهي وجبة تقليدية في يوم معيّن من كل عام. وهناك عادات أخرى يمكن ربطها بأحداث خاصة، مثل بعض الملابس التقليدية التي تنتقل في حفلات زفاف كل فتاة.

ويمكن أن تتناقض طقوس العائلة مع روتين الأسرة، والتي تحدث أيضا بشكل متكرر ولكن ليس لها المعنى الرمزي لطقوس الأسرة، التي تعد مهمة للغاية لرفاهية جميع أفراد الأسرة ولهيكل الأسرة نفسه. وغالبا ما يكون روتين الأسرة ضروريا للحفاظ على وحدتها. ويمكن أن يكون العشاء العائلي كل نهاية أسبوع روتينا. كما يمكن لعشاء عائلي في مطعم أنيق لعيد ميلاد الأم أن يكون طقسا أو تقليدا.

وهناك الكثير من الأشياء الممكنة للقيام بها كتنظيم نزهات لكافة أفراد الأسرة تحاول التوفيق بين جميع الأذواق.

ويتيح قضاء أفراد الأسرة الوقت معا التعرف على بعضهم البعض بشكل أفضل، واكتشاف اهتمامات أطفالهم أو الموضوعات التي تبهرهم. كما يتعلق الأمر بقضاء بعض الوقت للاستماع إليهم، وبذلك يمنح الأب والأم لنفسيهما وقتا لمشاهدة أطفالهما يضحكون ويستمتعون. وبالنسبة إلى الأطفال، فإنها فرصة لرؤية الوالدين في سياق غير الحياة اليومية المتسارعة ورؤيتهما عندما لا يكونان في عجلة من أمرهما، وليسا منشغلين بالعشاء والتنظيف والعمل.

وشهدت المجتمعات العربية تحولات جذرية أنتجت عدم استقرار في القيم والمعايير، وأحدثت مجتمعات جديدة في مرحلة متقدمة من التثاقف، وكان من الطبيعي أيضا أن تنمو لدى الأفراد طموحات جديدة، فيبحث الأبناء عن نوع من الاستقلالية. ونتيجة لكلّ ذلك تغيّرت الحياة الأسرية، وبعدما كانت الأسرة أبوية ذات نظام تقليدي، حيث كان النسق القيمي صورة أو بنية فوقية للبناء الاجتماعي القبلي الذي يحافظ على وحدة الجماعة، أصبحت الأسرة ذات تشكيلة نصف تقليدية ونصف عصرية طبقا للثقافة الثنائية للمجتمع.

21