اتحاد الشغل يفرض زيادة رواتب 1.5 مليون تونسي

بعد أشهر من المفاوضات العقيمة، اتفقت أكبر منظمتين في تونس بوساطة من الحكومة على الترفيع في أجور آلاف الموظفين في القطاع الخاص، لكن ورغم هذه الانفراجة "المتأخرة" يعتقد الخبراء أن الخطوة برمتها ستورط الشركات وتجعلها على سكة الانهيار في ظل التراجع في النمو.
الأربعاء 2016/01/20
الزيادة لا تكفي

توصل الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة في تونس، الثلاثاء، إلى اتفاق يقضي بزيادة رواتب حوالي 1.5 مليون موظف في القطاع الخاص، في خطوة قد تساعد على خفض التوتر الاجتماعي في البلد الذي يحاول زيادة الاستثمارات الأجنبية.

ووقع الطرفان على الاتفاق بقصر الحكومة بالعاصمة تحت إشراف رئيس الوزراء التونسي الحبيب الصيد، الذي كان وسيطا في المفاوضات، التي بدأت منذ أشهر بهدف الخروج من هذا المأزق.

وقال بلقاسم العياري، الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل خلال مؤتمر صحفي “وقعنا مع اتحاد الصناعة والتجارة اتفاقا يقضي بالزيادة بنسبة 6 بالمئة في أجور العاملين في القطاع الخاص”، على أن يبدأ المفعول الرجعي للزيادة من سبتمبر 2015.

وبموجب الاتفاق يلغى الإضراب الذي كان مقررا، الجمعة، في ولايات تونس الكبرى (تونس، بن عروس، منوبة وأريانة)، وفق ما أعلنه العياري. وكان الاتحاد التونسي للشغل قد هدد، في وقت سابق، بتنظيم إضراب عام في القطاع الخاص، إذا فشلت المفاوضات.

ومن المأمول، بحسب المراقبين، أن يسهم الاتفاق في مرحلة أولى في الحد من الإضرابات بالقطاع الخاص التي تزايدت بشكل كبير منذ انتفاضة 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

بلقاسم العياري: وقعنا اتفاقا يقضي بالزيادة بنسبة 6 بالمئة في أجور العاملين في القطاع الخاص

وتتطلع الحكومة إلى طمأنة المستثمرين التونسيين والأجانب بما قد يساعد في إنعاش الاقتصاد، الذي تأمل بأن ينمو 2.5 بالمئة هذا العام مقارنة مع 0.5 بالمئة في العام الماضي.

ورغم الانتقال السياسي “الهادئ” عقب صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات حرة في 2014، إلا أن الكثير من التونسيين يشكون من الأوضاع الاجتماعية وتهميش المناطق الداخلية وارتفاع معدلات البطالة، وهي أسباب كانت وراء الانتفاضة التي أنهت حكم بن علي قبل خمس سنوات.

ومع ذلك، تتوقع الحكومة انخفاض عجز الميزانية هذا العام إلى 3.9 بالمئة بفضل إصلاحات اقتصادية، وقد يكون تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية فرصة كبيرة لها من أجل استثمارها بشكل جيد لعودة النمو في البلاد.

وتواجه تونس ضغوطا من المقرضين الدولين، وفي مقدمتهم البنك الدولي، للإسراع في إطلاق المزيد من الإصلاحات الاقتصادية بهدف خفض الإنفاق العام خصوصا بعد الهجمات الكبيرة التي شنتها جماعات إسلامية مسلحة العام الماضي وهزت قطاع السياحة، الذي تضرر بشكل ملحوظ.

وتظهر مؤشرات حديثة صادرة عن مؤسسات حكومية أن أداء مختلف القطاعات الحيوية في تونس تراجع بشكل حاد، إذ يرى الخبير الهاشمي علية أن الأزمة الاقتصادية تعد الأسوأ في تاريخ البلاد، مشيرا إلى أن تونس مرت خلال ستينات القرن الماضي بأزمة اقتصادية حادة غير أن نسبة النمو لم تنزل عن 3 بالمئة.

وتؤكد المؤسسات المتخصصة أن الاقتصاد يعد المتضرر الأول من هشاشة الأوضاع العامة التي تعاني منها تونس مند يناير 2011 بعد أن تراجع أداء قطاعات حيوية مثل الصناعات المعملية وغير المعملية والسياحة إلى أدنى مستوياته، ليقود الاقتصاد إلى الوقوف على مشارف الإفلاس.

ويدعو الخبراء حكومة الصيد إلى الإسراع في إيجاد حلول عاجلة تكون كفيلة بوضع حد لحالة الانكماش الاقتصادي التي تشهدها البلاد، وذلك من خلال إطلاق حوار وطني اقتصادي يهدف إلى معالجة الأوضاع يشارك فيه مختلف الفاعلين الاقتصاديين والخبراء إلى جانب الحكومة.

الهاشمي علية: أزمة تونس الاقتصادية الأسوأ في تاريخها، ولا بد من إصلاحات جذرية بدل الترقيعية

كما شددوا على أن الأزمة هي أزمة هيكلية ما انفكت تتعمق وهم يطالبون الحكومة بإطلاق إصلاحات جذرية بعيدا عن السياسات الترقيعية التي لم تجن منها البلاد سوى الغرق في التداين الخارجي.

وقاد تراجع أداء الدولة في إدارتها للأوضاع العامة إلى انفلات اقتصادي كبير من أخطر ملامحه ظهور “اقتصاد مواز” تتحكم فيه وتديره شبكات تهريب قويت شوكتها وتُكبد البلاد خسائر سنوية تقدر بحوالي مليار دولار.

وفي حين ارتفع العجز التجاري إلى 8 بالمئة من الناتج الداخلي الخام 2015 بعد أن كان في حدود 4.8 بالمئة قبل خمس سنوات، تقر الحكومة بأن الاقتصاد الموازي يستحوذ على حوالي 54 بالمئة من مبادلات تونس التجارية، ويمثل حوالي 37 بالمئة من الناتج الداخلي الخام.

ورغم إقرارها بأن الخسائر التي تتكبدها تونس جراء التهريب تعد من أخطر الظواهر التي تنخر الاقتصاد، إلا أنها لم تباشر إلى حد الآن أي إصلاحات تضع حدا لنشاط شبكات التهريب.

وتعمّقت الأزمة الاقتصادية بشكل مفزع العام الماضي حتى أن نسبة النمو لم تتجاوز 0.5 بالمئة بعدما كانت تصل إلى 5 بالمئة في بعض الأحيان قبل الانتفاضة نتيجة انتهاج الحكومات المتعاقبة سياسات اقتصادية خاطئة.

ويعد التفاقم المتزايد لعجز موازنة الدولة من أبرز المؤشرات التي تعكس خطورة الأزمة، حيث ارتفع من 7.3 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي عام 2011 إلى 7.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي، وذلك بحسب بيانات صادرة عن البنك المركزي.

كما أدى تنامي مخاطر الهجمات الإرهابية إلى عزوف المستثمرين الأجانب عن النشاط في البلاد مما دفع إلى انخفاض الاستثمارات الأجنبية إلى أقل من مليار دولار العام الماضي بعد أن توقفت المئات من المؤسسات عن العمل وألقت بالآلاف من العمال والعاملات إلى أتون البطالة.

10