اتحاد الطاقة الأوروبي فرصة للبلدان العربية لإحداث المزيد من التوازن الجيوسياسي

الثلاثاء 2015/03/31
البلدان العربية المصدرة للطاقة ستستفيد كثيرا من تنويع أسواقها والاتجاه صوب السوق الأوروبية الكبرى

بروكسل - كثّف الاتحاد الأوروبي جهوده من أجل اتباع سياسة جديدة تهدف إلى مزيد تنويع مصادره الطاقية والحد من تبعيّته لروسيا، من خلال إعلانه عن تأسيس اتحاد أوروبي للطاقة يهدف إلى الاتجاه جنوبا صوب بلدان تتمتع بمقدّرات نفطية وطاقية تعوض الإيرادات الروسية، وعلى رأسها الدول العربية في الخليج العربي وشمال أفريقيا، التي تجد نفسها اليوم أمام فرصة تاريخية لتتخلص بدورها من الارتهان للأميركيين وترسيخ شراكة إستراتيجية مع الأوروبيين لإحداث مزيد من التوازن الجيوسياسي الذي يمنح استقلالية أكثر للقرار العربي.

اتفق قادة الاتحاد الأوروبي، مؤخرا، على إنشاء اتحاد للطاقة، وحددوا الخطوات الأولى لتسريع توصيل خطوط الأنابيب الوطنية وشبكات الكهرباء.

وقد كان تأسيس اتحاد الطاقة الأوروبي ضمن أهم الموضوعات التي تناولتها قمة الاتحاد الأوروبي التي انعقدت يومي 19 و20 مارس الجاري في العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث دعت القمة، في بيانها الختامي، الدول الأعضاء والمؤسسات الأوروبية إلى العمل على تسريع وتيرة تنفيذ مشاريع الربط البيني بين الدول المتجاورة في مجالات الكهرباء والغاز الطبيعي، على غرار مشروع الربط الذي تم إطلاقه مؤخرا بين فرنسا وأسبانيا.

وقال رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، في تصريحات صحفية، إن القادة الأوروبيين اتفقوا على ضرورة توافق جميع عقود الغاز المبرمة بين الحكومات، أو الشركات مع قوانين الاتحاد الأوروبي، وأن تكون أكثر شفافية، ولا تؤثر بشكل سلبي على أمن الطاقة في أوروبا.

ولفت تاسك إلى أن القادة بحثوا أيضا كيفية إقناع الشركات الأوروبية بشراء الغاز من الموردين الخارجيين وتحقيق شراكات إستراتيجية مع الدول التي تملك مكانة كبيرة في أنتاج الطاقة لاستيراد الغاز من مصادر مختلفة بعقود تتسم بالمرونة.

ويرى مراقبون أنّ هذا التوجه الانفتاحي الأوروبي يمكن أن يعود بفائدة كبيرة على البلدان العربية المصدّرة للطاقة سواء في شمال أفريقيا أو في الخليج العربي، خاصة أنها ستجد نفسها أمام فرصة سانحة وتاريخية لتستغل رغبة أوروبا في تنويع مصادر طاقتها والحدّ من ارتهانها لروسيا، وتنوّع هي بالتالي من أسواقها ومجالات نشاطها وتحدّ من ارتهانها إلى السوق الأميركية.

وقد دفع ارتفاع تكاليف مصادر الطاقة من شمال أميركا ومحدودية الاحتياطات النرويجية، إضافة إلى توقف مشاريع جر النفط والغاز من وسط آسيا، الاتحاد الأوروبي إلى التوجه جنوبا، أي نحو أفريقيا والشرق الأوسط للحصول على المصادر المطلوبة.

توجه أوروبي لتقليص الدور الروسي
لندن - تشير دراسة صادرة عن المركز الدبلوماسي للدراسات الإستراتيجية، إلى أنّه رغم التعثر الشديد الذي واجه فكرة اتحاد الطاقة الأوروبي، خلال العقود الماضية لأسباب متعددة، إلاّ أن هذه الفكرة تحظى حاليا بقوة دفع شديدة داخل العديد من دوائر صنع القرار الأوروبية؛ حيث تشهد العلاقات الأوروبية مع روسيا، المزود الأهم لأوروبا بالغاز الطبيعي، توترا غير مسبوق نتيجة الأزمة الأوكرانية.

ومن هنا، يتم النظر إلى هذا الاتحاد باعتباره الوسيلة الأمثل لتقليل الاعتماد الأوروبي على الإمدادات الروسية في هذا القطاع الحيوي وتحجيم دور روسيا التي أضحت تعتمد على قطاع الطاقة من أجل فرض سياساتها خاصة ما يتعلق بمناطق الصراع وعلى رأسها أوكرانيا.

ويستورد الاتحاد الأوروبي أكثر من نصف حاجاته من الطاقة من الخارج، ويقتني 300 مليار متر مكعب من الغاز سنويا لسد حاجاته الاستهلاكية، من بينها 125 مليار متر مكعب من مجموعة “غازبروم” الروسية، ويمرّ نصف هذه المشتريات بأنابيب غاز عبر أوكرانيا، وتمثل مشتريات الغاز من روسيا حوالي 39 بالمئة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، وتغطي 27 بالمئة من حاجته، وهو ما يجعل منه مرتهنا للطاقة الروسية، ويدفعه للبحث عن بدائل أخرى.

وفي 25 فبراير الماضي، نشرت المفوضية الأوروبية مجموعة من الوثائق التي تحدد الاتجاه الأوروبي في ما يتعلٌّق بسياسات الطاقة وتغير المناخ، تحت عنوان “حزمة اتحاد الطاقة”.

وتشمل وثيقة مقترحات المفوضية تنويع مصادر الطاقة بعيدا عن روسيا كمطلب رئيسي لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي، وعزم المفوضية الأوروبية على تكثيف العمل على ممر الغاز الجنوبي لإقامة شراكات الطاقة الإستراتيجية مع الدول المنتجة والعبور إلى مناطق رئيسية منتجة للغاز مثل الدول العربية في الشرق الأوسط وأذربيجان وتركمانستان والبلدان الأفريقية فضلا عن الموردين المحتملين الآخرين.

وهذا التوجه الأوروبي يمنح الدول العربية سواء في شمال أفريقيا أو في منطقة الخليج العربي فرصا هامة لتوريد المزيد من النفط والغاز ومصادر الطاقة الأخرى إلى الأوروبيين. وقد انطلقت بالفعل الجهود الأوروبية من قبل الحكومات والشركات في المغرب وتونس لإقامة مشاريع مُشتركة في مجال الطاقة الشّمسية من أجل تزويد الأسواق المحلية والتصدير إلى أوروبا.

وعلى صعيد دول الخليج، ورغم أنها تعدّ أكبر مصدّر للنفط في العالم، فإنّ صادراتها من النفط والغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي ما تزال مُتواضعة للغاية، فالسوق الألمانية التي تعد أكبر سوق أوروبية، لا تستورد على سبيل المثال سوى 4 بالمئة من احتياجاتها من نفط الخليج. غير أنّ الاستراتيجية الأوروبية الجديدة في مجال الطاقة تحمل في طياتها التوجه نحو الاعتماد بشكل أكبر على مصادر الطاقة العربية وخاصّة من منطقة الخليج العربي بسبب رخص تكاليف الإنتاج فيها وتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي بشكل سريع خلال السنوات العشر الماضية.

وينظر الاتحاد الأوروبي إلى دول الخليج كحليف استراتيجي له في المجالين السياسي والاقتصادي. ولعل تكثيف زيارات المسؤولين الألمان والأوروبيين إلى دول مجلس التعاون الخليجي، مؤخرا، تُعدّ أحد مؤشرات التّوجه الأوروبي نحو الاعتماد على مصادر الطاقة العربية بشكل أقوى. كما أنّ المشاركة المتزايدة للشركات الألمانية في مشاريع الطاقة الخليجية تعتبر بمثابة خطوة هامة لتحقيق ذلك الهدف.

ويرى مراقبون أنّ اتحاد الطاقة الأوروبي سيؤدي حتما إلى تحوّل كبير في طبيعة العلاقات العربية ـ الأوروبية في الفترة المقبلة، لما له من تداعيات مهمة على قطاع الطاقة في الجانبين، لافتين إلى أنّ البلدان العربية المصدّرة للطاقة ستستفيد كثيرا من هذا التقارب من خلال تنويع أسواقها والاتجاه صوب السوق الأوروبية الكبرى التي تبحث بدورها عن بديل للروس منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية واستعمال موسكو للطاقة كورقة ضغط من أجل قبول الأوروبيين بضمّها لشبه جزيرة القرم.

فائدة أخرى يمكن أن تتحقق للبلدان العربية، يُشدّد عليها المراقبون، تتعلق بكف الارتهان الحاصل للسوق الأميركية التي تتعامل وفق شروط يتقاطع فيها الاقتصادي مع الجيوسياسي، فتكون تأثيراتها السياسية طاغية على المعاملات، وهي في الغالب مخيّبة لآمال حلفائها العرب الذين يبحثون عن مزيد الاستقلالية في ما يتعلق بقرارهم السياسي، في ظل الأخطار التي تتهدد المنطقة وعلى رأسها نزعات إيران التوسعية.

وقد بدت بوادر التوجه العربي الحثيث نحو مزيد من الاستقلالية في القرار واضحة، بعد حدوث تقارب بين واشنطن وطهران وقرب وتوصّلهما إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني تفيد معطيات بأنه سيغض الطرف عن نزعات إيران التوسعية في المنطقة. وقد كان الرد العربي حاسما في ما يتعلق بهذه النقطة، حيث وجهت قوات عربية مشتركة ضربة إلى الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وأعقب ذلك بعقد قمة عربية اتخذت العديد من الإجراءات التنظيمية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا في هذا المسار، ووضعت الأسس لإنشاء قوات عربية مشتركة تتكفل بحماية الأمن القومي العربي من أي أخطار محدقة به داخليا أو خارجيا، وهو ما من شأنه أن يدفع الولايات المتحدة للتفكير أكثر في عواقب أي تقارب تمضي فيه تجاه إيران.

ولأنّ واشنطن لا تفكّر بغير مصالحها، فهي دائمة البحث عن إمدادات جديدة تتخلى بموجبها عن الإمدادات القادمة لها من الشرق الأوسط، حيث سبق لريكس ترلسون، الرئيس التنفييذي لشركة “اكسون موبيل” أن قال “إنّ الولايات المتحدة دخلت عصرا جديدا للطاقة يتميز بوفرة الإمدادات”، مُفسّرا كلامه بأنّ بلاده “لم تعد بحاجة لاستيراد النفط من الشرق الأوسط غير المستقر أو من روسيا وسياساتها المتقلبة”، وهو ما من شأنه أن يدفع البلدان العربية لتفكّر وفق نفس النهج الأميركي انتصارا لمصالحها، وأن تتعامل مع واشنطن بالمثل، وأن تعمل على ترسيخ شراكة إستراتيجية مع الأوروبيين وإحداث توازن طاقي وجيوسياسي جديد تراعي فيه مصالحها بالدرجة الأولى.

6