اتحاد المغرب العربي.. من خيار استراتيجي إلى حلم ضائع

لم تفلح دول المغرب العربي منذ قيام اتحادها، وهي على أبواب الذكرى الـ28 لتأسيسه، في تجاوز خلافاتها السياسية والجيواستراتيجية والاقتصادية، وبقيت تجربة الوحدة حبرا على ورق، كما لم تفعّل معاهدة مراكش، وصار تحقيق حلم اتحاد المغرب العربي أمرا مستحيلا في ظل غياب التوافق على القضايا الجوهرية.
السبت 2017/02/11
لقاءات شكلية

تونس - إذا كان من حق شعوب المغرب العربي في أن ترى طموح الوحدة بين دول المنطقة يتحقق على أرض الواقع، باعتباره ضمانة للمستقبل فإن تجسيد هذا الحق لا يزال بعيد المنال.

المتأمل اليوم في واقع اتحاد المغرب العربي بعد 28 عاما من تأسيسه، سيصاب بخيبة أمل كبيرة لما يعانيه من تعثر في مسيرته وجمود في تطبيق الاتفاقيات المبرمة.

بالنظر إلى هذه التجربة، يتأكد الاعتقاد بأن تأسيس الاتحاد باعتباره خيارا استراتيجيا حمل بذرة فشله منذ البداية. فالأسس التي ارتكز عليها كانت رخوة. ومن المؤكد أن قضية الصحراء المغربية كانت ولا تزال أمّ الخلافات التي أجلت الوحدة.

ويمكن الوقوف على ما قاله العاهل المغربي الملك محمد السادس الشهر الماضي في كلمة له غداة موافقة الاتحاد الأفريقي على إعادة عضوية بلاده في المنظمة بعد 33 عاما من خروجها منها بأن الحلم المغاربي الذي ناضل من أجله جيل الخمسينات يتعرض للخيانة.

لقد اختزل العاهل المغربي واقع الاتحاد عندما أكد أن منطقة المغرب العربي هي اليوم الأقل اندماجا في القارة الأفريقية إن لم يكن في العالم. لم يكتف بذلك، بل تنبأ بانفراط عقد الاتحاد بسبب عجزه المزمن على الاستجابة للطموحات التي حددتها معاهدة مراكش.

ثمة مؤشرات كثيرة تدل أن الاتحاد ولد ميّتا، فالعلاقات بين دول المنطقة مرت طيلة العقود الماضية بسلسلة من التقلبات واتجه كل بلد منها إلى رسم معالم علاقات جديدة خارج نطاق الاتحاد، كما لم تعقد أي قمة على مستوى زعماء الدول منذ قمة تونس في العام 1994.

مشروع اتحاد المغرب العربي لا بد من وضعه في سياقه التاريخي قبل الحديث عن الأسباب التي أدت إلى فشله. فلقد استدعت الحاجة دول المنطقة إلى تعزيز تقاربها وتكاملها اقتصاديا كمرحلة أولى بعد الاستقلال، وفي مرحلة ثانية توطيد العلاقات سياسيا.

وتأسيس الاتحاد لم يكن في 17 فبراير 1989 كما يظن البعض، بل كان تاريخ الإعلان فقط. فالمشروع مر بمراحل طويلة ومعقدة. ظهرت الفكرة للمرة الأولى قبل موجة الاستقلال في خمسينات القرن الماضي لتتبلور في أول مؤتمر للأحزاب الحاكمة من ثلاث دول فقط في مدينة طنجة المغربية سنة 1958، وضم حزب الاستقلال المغربي والحزب الحر الدستوري التونسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية.

الفشل في تحقيق الوحدة يعود بعضه إلى العلاقات السياسية وبعضه الآخر يترتبط بالأيديولوجيا والثقافة والتاريخ

خلال تلك الفترة من عمر الاتحاد برزت محاولات كثيرة للتعاون والتكامل بين دول المنطقة. فتم إنشاء اللجنة الاستشارية للمغرب العربي في سنة 1964 بهدف تنشيط الحركة التجارية وتفعيل الروابط الاقتصادية.

واستمرت المحاولات لتعزيز الروابط الاستراتيجية. لكن برزت مؤشرات تدل على أن هناك خلافات عميقة، حيث ظهر إعلان جربة بين تونس وليبيا في عام 1974، كنوع من التمرد على التقاعس في تحقيق الوحدة. ثم ظهرت معاهدة الإخاء والوفاق بين تونس والجزائر وموريتانيا في عام 1983.

وفي ظل ذلك التشرذم، بدأ الزعماء في التحرك إذ اجتمعوا في يونيو 1988 بمدينة زرالدة الجزائرية، وأصدروا بيانا كشف رغبتهم في إقامة الاتحاد والعمل على إرساء لجنة دائمة تضبط وسائل تحقيق الوحدة. وبعد أشهر تم الإعلان رسميا بمدنية مراكش عن قيام الاتحاد.

دوافع الوحدة

تركيز قادة دول المغرب العربي منذ بدء التفكير في إنشاء الاتحاد كان موجها بالأساس إلى تطوير اقتصادات بلدانهم، إلى جانب تكوين جبهة سياسية وأمنية وعسكرية مشتركة، مثلما هو الحال في دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي على سبيل المثال.

لكن، لم تسر الأمور كما هو مخطط. فكل دولة فضلت التعامل مع بلدان أوروبا كشريك رئيسي بدل التبادل التجاري في ما بينها تجاريا، حيث تستحوذ إيطاليا وفرنسا وإسبانيا مثلا على معظم تجارة هذه البلدان الخارجية.

ومن المفارقات أن احتياجات كل دولة من دول المنطقة موجودة عند الأخرى. فليبيا مثلا لديها احتياطي ضخم من النفط يبلغ 74 مليار برميل، وفق وكالة الطاقة الأميركية. والأمر ينسحب على الجزائر التي ترزح على كميات هائلة من الغاز. أما الفوسفات فموجود عند المغرب وتونس، في المقابل تملك موريتانيا احتياطي كبير من المعادن.

اللافت، أن كل الترتيبات التنظيمية التي تستدعيها المبادلات التجارية في ما بين هذه الدول مبرمة منذ زمن بعيد، حيث تم التوقيع على أكثر من 40 اتفاقية من بينها توحيد الرسوم التجارية والتبادل الحر وتوحيد الرسوم الجمركية، لكنها بقيت مجرد بروتوكولات شكلية.

العديد من الدراسات الاقتصادية أشارت إلى أن الخمول الحاصل يفقد بلدان المنطقة نحو 3 بالمئة من نمو الناتج المحلي الإجمالي سنويا، كما يكبدها خسائر في المبادلات التجارية والتي لا تتجاوز نحو 6 مليارات دولار سنويا.

ولا تمثل المبادلات التجارية بين دول الاتحاد سوى نحو 5 بالمئة من قيمة معاملاتها الخارجية الإجمالية، بحسب الأمم المتحدة. وهو رقم ضعيف إذا ما تمت مقارنته بحجم التجارة البينية في الاتحاد الأوروبي والذي يصل إلى 66 بالمئة من الحجم الإجمالي لمبادلاتها التجارية.

ويقول خبراء استطلعت “العرب” آراءهم إن هذا الأمر يكشف مدى هشاشة اقتصاديات بلدان المنطقة رغم الجهود المبذولة للانفتاح على الأسواق الخارجية وخاصة الأسواق الأفريقية، ما يجعلها أحوج ما تكون إلى المبادلات التجارية.

فشل الاندماج

يعود فشل تحقيق أهداف الوحدة إلى أسباب كثيرة يتعلق بعضها بالعلاقات السياسية بين دول المنطقة وبطبيعة اقتصاد كل بلد، وبعضها يتعلق بالأيديولوجيا والثقافة، فيما يرتبط بعضها الآخر بالتاريخ والمؤسسات القائمة.

ومع أن الأزمة الليبية، التي تطوي عامها السادس بالتزامن مع ذكرى قيام الاتحاد، بدت فرصة لتوحيد الصفوف مجددا وبناء تكتل قوي في ظل تزايد الحاجة إلى العمل المشترك وتحقيق معاهدة الوحدة، إلا أن معظم هياكل المؤسسة المغاربية مازالت مجمّدة.

تركيز قادة دول المغرب العربي كان موجها إلى تطوير اقتصادات بلدانهم وتكوين جبهة سياسية وأمنية وعسكرية مشتركة

ورغم نجاح تونس في تجربتها الديمقراطية الناشئة وسط اضطرابات عاصفة بالمنطقة، فإن خيار الوحدة يبقى أمرا مستحيلا ويطرح علامات استفهام كثيرة يتحتم الوقوف على أسباب فشلها.

تعتبر مشكلة النزاع الدائر حول الصحراء المغربية جوهر الخلافات، ويبدو أنها تمثل سببا رئيسيا لفشل تحقيق حلم الاندماج. فحتى المحاولات الإقليمية والدولية لإيجاد حلول للخلافات القائمة بين الجارين المغرب والجزائر لم تقنع قادة البلدين لحل هذه المشكلة، ولكلّ أسبابه. لكن الثابت أن الرباط لديها ما يؤكد أحقيتها بتلك المنطقة، تاريخيا وسياسيا.

وإذا ما كانت العلاقات السياسية العامل الأول في عرقلة بناء الاتحاد، فإن التاريخ شهد دخول دول المنطقة خلال السبعينات في سياسة المحاور والتحالفات الثنائية بدل العمل الجماعي، فتونس وليبيا أعلنتا في يناير 1974 الوحدة لكن سرعان ما تنصلت منها تونس بعد أشهر، ما أدى لاحقا إلى ما يشبه الحرب الباردة بين البلدين.

كما قامت تونس والجزائر في عام 1983 بتوقيع اتفاقية الأخوة والتعاون في تونس والتحقت بهما موريتانيا بعد ذلك. وقد نظرت الرباط وطرابلس بعين الشك إلى هذا التحالف حيث اعتبرتاه موجها ضدهما، فردتا الفعل وأسستا الاتحاد العربي الأفريقي في أغسطس 1984 في وجدة المغربية، لكن سرعان ما تفكك بعد عامين.

ليس ذلك فقط، فقد أبدت ليبيا استياءها من عدم تضامن بقية أعضاء الاتحاد معها في مواجهة الحصار الدولي الذي تعرضت له بسبب قضية لوكربي التي بدأت أطوارها في عام 1989. وفي بداية التسعينات بلغت علاقة التوتر بين المغرب والجزائر ذروتها حيث اتهمت الجزائر الرباط بمساعدة المتشددين في حربها ضدها. أما المغرب، فقد حمّل المخابرات الجزائرية مسؤولة تفجير فندق مراكش في 1994 وفرض التأشيرة على الجزائريين، لترد الجزائر بإغلاق حدودها.

هناك نقطة خلافية أخرى برزت في عام 2012 حين اقترحت الرباط تغيير اسم اتحاد المغربي العربي إلى الاتحاد المغاربي لكن مقترحها رُفض من الجزائر وليبيا بعد معارضة الأمازيغ في كلا البلدين بسبب ما اعتبروه إقصاء لهم.

لا تقف التحديات التي تحول دون بناء هذا التكتل عند جانب معين، فهناك عراقيل ناجمة عن طبيعة معاهدة الاتحاد نفسها، ما يجعله (الاتحاد) عرضة لخلافات متكررة عند الحديث عن مبدأ الإجماع على تمرير أي قرار لأن معاهدة مراكش تشترط موافقة جميع الدول.

ولعل تجميد مقترح الجزائر خلال اجتماع وزراء الخارجية في 2001 لتغيير مبدأ الأغلبية في اتخاذ القرارات بقاعدة الإجماع، وعدم تفعيله منذ ذلك التاريخ لعدم انعقاد قمة على مستوى الزعماء، يعكس بوضح أن حلم الوحدة سيبقى مؤجلا.

لكن المشكلات السياسية ليست وحدها ما أفسدت نجاح الاتحاد. فبالنظر إلى طبيعة كل دولة لا يوجد تماثل في ما بينها اقتصاديا، بل هناك عدة فوارق جوهرية. وتاريخيا، لم يكن هناك اتفاق مؤسس بين دول الاتحاد حول كيفية البناء الاقتصادي لدول المنطقة.

كاتب تونسي

7