اتركوها فهي مأمورة

الأربعاء 2014/03/12

دون الخوض في تشعبات الخلاف الخليجي الذي حُبّرت حوله عشرات المقالات، فإن المسألة يجب أن تعودَ إلى نصابها بالإشارة إلى أن التضادّ الأخير هو خلاف بين دول وشركة؛ بين منظومة من العلاقات السياسية والدبلوماسية وشركة تسيّر مصالح الغير بالوكالة (مناولة سياسية في عرف التقسيم العالمي الجديد للعمل). الشركة هنا نظام أتقنَ تنفيذ ما يطلبُ منه (صراحة أو إضمارا أو توقعا)، أما الدولة فقد توارت خلف حسابات النظام و”موازنات” الشركة.

الطرف الأول في الخلاف تمثله دول يحقّ لها أن تدافع عن مصالحها وترابها وسيادتها وأرضها وعرضها بما تراه مواتيا للحظة والظرف. أما الضلع الثاني فشركة دولية قد تتخذ قريبا صفة الشركة متعددة الجنسيات؛ تتقدم بعروضها “الفنية” لتنفيذ بعض المقاولات أو المشاريع التي تروم قوى تنفيذها هنا أو هناك، لعدم تفرغها أو لعدم رغبتها في تلطيخ أياديها بوحل الإسمنت المقوىّ أو التآمر المخضّب بعرق عمال من نيبال. عادة ما تفوز الشركة بكل العقود، وذلك لأن العروض التي تقدمها تكون بلا منافس. “شركة الدوحة لتنفيذ المشاريع السياسية” ازدهرت أعمالها في العشرية الأخيرة، وتطلب ذلك تنويع منتجاتها واستثماراتها؛ تزرع بذور الإخوان المهجّنة والمعدّلة جينيا في مخابر البحوث الأميركية؛ لتكبر وتينع بسرعة في كل ضروب التربة وأنواعها، وتسدد أتعاب شركة قطر حسب درجة ترعرع النبتة الإخوانية في كلّ قُطر.

الشركة تستثمر في مدّ كابلات الوصل مع وليّ فقيه مغامر قادم من تاريخ تطوّر بشكل غير تاريخي (تكفي الإشارة إلى أن التشيع الإيراني قرار سياسي صرف). ولشركة الدوحة أعمال ناجحة في إسرائيل، لكن الشركة تخفيها بعناية حتى إطلاق المنتج الذي لم يحدد بعد غلافه أو اسمه التجاري.

للشركة استثمار مزدهر في الإعلام (منصة الجزيرة مثال على حجم الرهان)، وفي النفط لغايات تعديل السوق وأسعاره بما يخدم الزبون هناك، وبما يضرّ إخوة مشدوهين هنا.

الخلاف الأخير الذي استعرَ في الخليج العربي (قولة لا تحبذها الشركة التي تنتصر لفارسية الخليج في تنكّر للتاريخ وتدليس للجغرافيا) هو إذن بين دول وشركة، لا بين دول ودولة. وهذا الضرب من الخلافات لا يدار بالطرق المعهودة في الخلافات الدولية والدبلوماسية، وإنما تجدر إدارته وفق ما تخضع له الشركات التي تخرج عن القوانين الاقتصادية وتمارس تبييض الأموال أو التهريب أو التزوير من عقوبات وإجراءات.

أما إن ادعت الشركة أنها دولة واستحالت كذلك لمقتضيات السياسة والمصالح، فالأجدر أن يُتعامل مع من يوظفها أداة لتنفيذ مشاريعه. وفي انتظار التوصّل إلى حلّ مع من يوظف نظام “الدولة المجهريّة” والشركة “العملاقة” يجب الوعي بأن “الظواهر” لا تزول إلا بزوال أسبابها. لذلك “اتركوها فهي مأمورة”.

9