اتساع التحذيرات من عجز تونس عن الوفاء بالتزاماتها المالية

الخميس 2015/03/19
الضربة التي تلقتها السياحة التونسية أمس عمقت الأزمة الاقتصادية

تونس - حذر خبراء اقتصاديون من أن تونس تترنح على حافة أزمة مالية خانقة، في ظل مؤشرات قوية على تردي الوضع الاقتصادي وتفاقم المطالب والمشاكل الاجتماعية، بينما لا تملك الحكومة التونسية هامش تحرك يسمح لها بحل سريع لتلك المشاكل المتفاقمة.

قال الخبراء في تصريحات لعدد من وسائل الإعلام المحلية، إن كلمة الصيد حول حقيقة الوضع الاقتصادي كانت منقوصة، وأن الأزمة أعمق من الأرقام التي قدمها.

وكان محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري، قد حذّر من أن الحكومة قد تعجز عن الالتزام بتعهداتها المالية، وعن دفع رواتب موظفي الدولة، مؤكدا أن الانفراج السياسي لم ينعكس على الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

وقال حسين الديماسي وزير المالية الأسبق، إن ما صرح به رئيس الحكومة مساء الاثنين الماضي في كلمته التي توجه بها للشعب التونسي ما هو إلا غيض من فيض، فوضع الاقتصاد التونسي أخطر بكثير مما استعرضه الحبيب الصيد.

واعتبر المحلل الاقتصادي مراد حطاب، أن الوضع الاقتصادي المتردي يدفع الدولة التونسية إلى حافة الإفلاس، وأن مؤشرات ذلك بدأت باضطرارها إلى تمويل نفقاتها من خلال اللجوء إلى المديونية الخارجية عبر الاقتراض الخارجي.

وأشار إلى أن نسبة المديونية الخارجية للدولة التونسية وصلت إلى نحو 50 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 39 بالمئة خلال عام 2010.

وقال إن تونس لجأت إلى الاقتراض الخارجي، ولكن المشكلة تبقى في نسبة الاقتراض التي يتعين أن تكون مدروسة ومرتبطة بالناتج المحليالإجمالي، وفي مجالات توظيف القروض.

حسين الديماسي: وضع الاقتصاد التونسي أخطر بكثير مما استعرضه الحبيب الصيد

وتواجه تونس ضغوطا من مقرضيها لخفض الإنفاق العام وإصلاح دعمالوقود والأغذية الأساسية وهي مسألة حساسة سياسيا من مخلفات النظامالسابق. وكان رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد قد أقرّ بأن الوضع الاقتصادي مثير للقلق، وقال، إن عجز الموازنة بلغ نحو 3.8 مليار دولار في العام الماضي.

وشهدت الاستثمارات في الأنشطة الموجهة للتصدير انحدارا خطيرا بنسبة 32 بالمئة في الصناعة و65 بالمئة في الخدمات، مقارنة بأرقام عام 2010. كما ارتفع الدين العام إلى ما يعادل 53 بالمئة بعد أن زاد بنحو 4 مليارات دولار.

وقال الصيد، إن حكومته ستطلق خطة اقتصادية طارئة تتضمن إصلاحات في الدعم والصناديق الاجتماعية لإنعاش النمو ليصل إلى سبعة في المئة خلال خمس سنوات. وأعلن أنها ستطلق مشروعات رئيسية، من بينها إنشاء طريق بري ومشروع للغاز في الجنوب للمساهمة في خلق وظائف، لكنه لم يدل بتفاصيل حول الإطار الزمني للمشروعات.

ووعد الصيد بالزيادة في أجــور العاملين في القطاعين الخاص والعــام في إطار المفاوضات الاجتمــاعية، لكن وزير المالية الأسبـق حذّر من أن هذا الأمر سيزيد الاقتصـاد التونسي قتـامـة، معتبـرا أن وعـود رئيـس الحكومة محاولـة لشراء السلـم الاجتماعـي على حسـاب الاقتصـاد الوطني.

وقال معزّ الجودي الخبير الاقتصادي التونسي، إن عجز الموازنة مفزع، وهو مؤشر قوي على أن البلاد باتت على حافة الإفلاس، مطالبا الحكومة بحلول عملية وواقعية لوقف هذا النزيف.

ودعا رئيس الحكومة إلى مصارحة الشعب، وكشف المسؤولين عن إيصال البلاد إلى هذه الأزمة، خاصة وأن المشاريع الكبرى والاستثمارات معطلة و"كأن هناك من يعمل ضدّ تونس" على حدّ تعبيره.

ويلتقي الخبير مراد حطاب مع هذا الرأي، مؤكدا أن وضع الاقتصاد التونسي حرج ومقلق جدّا، وقال، إن عجز الميزان التجاري استفحل خلال السنوات الثلاث الماضية بشكل مفزع. وحذّر من أن بلوغ عجز الموازنة نحو 8.8 مليارات دولار، سيفاقم الأزمة على اعتبار أن الواردات تتم بالنقد الأجنبي، وهذا قد يسبب ما يسمى التضخم المالي المستورد.

الشاذلي العياري: الحكومة قد تعجز عن الوفاء بالتزاماتها ودفع رواتب موظفي الدولة

وأكد أن مؤشرات الاقتصاد التونسي سلبية وأن الأرقام مخيفة ومفزعة وقد جعلت الحكومة عاجزة حاليا عن تمويل نفقاتها، خاصة منها النفقات الأساسية بمواردها الداخلية.

ورأى أن على الحكومة توفير مناخ هادئ خلال الفترة الحالية وتحقيق عدة أهداف عاجلة، أبرزها تحقيق موسم سياحي جيّد واستقطاب 7 ملايين سائح على الأقل، وفتح أسواق جديدة في هذا المجال.

وشدّد الخبير التونسي على ضرورة عودة إنتاج الفوسفات إلى مستواه المعهود عام 2010، وعودة دخول العملة الصعبة إلى مستواها السابق بفضل استئناف عمليات التصدير والاستثمارات.

وينتظر المستثمرون والمانحون الدوليون تنفيذ تونس إصلاحات لتحرير اقتصادها الذي يقول البنك الدولي إنه مغلق أمام المستثمرين المحليين والأجانب وتسيطر عليه الدولة.

إلا أن الإصلاحات تمر عبر تغيير التشريعات الاقتصادية القديمة ومصادقة البرلمان الذي تسلم مهامه في ديسمبر الماضي، على تشريعات جديدة، لكنه يتحرك ببطء شديد لا يتلاءم مع حجم المخاطر القائمة والتحديات الاقتصادية والمالية التي تواجهها تونس.

ولم يصادق البرلمان التونسي إلا على قانونه الداخلي وعلى إلغاء رسوم مغادرة البلاد التي كانت مفروضة على مواطني دول المغرب العربي، وعلى بضع اتفاقيات قروض.

ويقول محللون، إن حكومة الحبيب الصيد التي تسلمت مهامها في فبراير الماضي، تدرك محدودية هامش التحرك المتاح لها لإيجاد حلول سريعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة منذ الثورة التي أطاحت مطلع2011 بنظام بن علي. واعتبر المحلل السياسي أحمد المناعي أن أصحاب القرار السياسي في تونس "مشلولون بسبب جسامة المشاكل والمطالب الاقتصادية والاجتماعية".

10