اتساع الجدل بشأن التأثير الاقتصادي للأموال السورية في لبنان

أكد خبراء لبنانيون لـ”العرب” أن الجدل والمخاوف بشأن الآثار السلبية للأموال السورية المودعة في لبنان ليست سوى مبالغات تقف خلفها أطراف سياسية. وأكدوا أن حجم تلك الأموال يقل كثيرا عن الأرقام المتداولة.
الجمعة 2017/05/12
اللاجئون يستقطبون الأموال من أقاربهم في أنحاء العالم

بيروت – تشير تقديرات المؤسسات اللبنانية إلى أن ودائع السوريين في المصارف اللبنانية بلغت نحو 20 مليار دولار. لكن الغريب أن معظم المحللين اللبنانيين يركزون على تأثيرها السلبي خاصة في ظل الضغوط الدولية حول مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

ويربط البعض بين الأزمات الاقتصادية الكبرى التي يعيشها لبنان وبين الآثار السلبية لتلك الأموال، وخاصة على السوق العقارية وسوق العمل والمخاوف من قرب صدور عقوبات أميركية جديدة على حزب الله وحلفائه.

وتقول بعض المصادر إن معظم الأموال السورية المودعة في المصارف اللبنانية تعود إلى رجال النظام السوري الساعين إلى تهريب أموال غير شرعية من سوريا. لكن اللاجئين يستقطبون أيضا الكثير من الأموال من أقاربهم في أنحاء العالم.

ويرى الخبير الاقتصادي غازي وزني أن “حجم الأموال السورية المودعة في لبنان لم يتجاوز 3 مليارات دولار في عام 2011 وأن حجم ودائع غير المقيمين في لبنان لم يرتفع كثيرا منذ ذلك الحين ويصل حاليا إلى 20 بالمئة من إجمالي الودائع”.

وقال لـ“العرب” إن “حجم ودائع السوريين لا يتجاوز 8 مليارات دولار في أقصى تقدير بحسب جمعية المصارف” وأشار إلى أن الأرقام المتداولة التي تبلغ نحو 20 مليار دولار “مبالغ فيها للغاية ولا دليل على صحتها”.

وأكد عدم “استفادة لبنان من الأموال الهاربة من سوريا وخصوصا في الفترة الواقعة بين 2011 و2013 لأن القسم الأكبر منها ذهب إلى دبي والأردن وتركيا وبعض دول آسيا”.

غازي وزني: معظم الأموال السورية الهاربة ذهبت إلى دبي والأردن وتركيا ودول آسيوية

وتعود أسباب عدم استفادة لبنان إلى التعليمات التي أصدرها مصرف لبنان والتي فرضت قيودا مشددة، أجبرت المصارف على الحذر والتحفظ في استقبال الأموال القادمة من سوريا بسبب العقوبات.

وأشار وزني إلى تأثير محدود للمال السوري على السوق العقاري الذي شهد انخفاضا ملحوظا في عمليات الشراء منذ عام 2011 وحتى العام الماضي، في مقابل ارتفاع أسعار الإيجارات بسبب الطلب السوري المتزايد وخصوصا في بيروت وضواحيها وفي منطقة البقاع وشمال لبنان.

ويرصد وزني نشوء مجموعة من المحلات التجارية الصغيرة والمتوسطة التي تتمركز بشكل خاص في منطقة البقاع، إضافة إلى تسجيل انتقال بعض المعامل السورية التي تضررت بسبب الحرب إلى لبنان.

واستبعد أن تؤدي العقوبات الأميركية الجديدة إلى أزمة اقتصادية كبيرة في لبنان بسبب مصادر الأموال السورية الموجودة في المصارف اللبنانية والتي ترجح مصادر عديدة أن تكون عائدة في معظمها إلى شخصيات مرتبطة بالنظام السوري.

وقال إن إمكانية التأثير تبقى محدودة للغاية لأن “مصرف لبنان المركزي فرض منذ عام 2012 إجراءات متشددة وتعاونت معه المصارف بشكل كبير ما أدى إلى تراجع إمكانية مرور أموال مشبوهة عبر النظام المالي والمصرفي”.

وأكد وزني أن المبالغة الكبيرة التي رافقت الحديث عن التأثيرات السلبية للودائع السورية “لا تنطوي على عناوين اقتصادية بارزة بقدر كونها تهويلا مرتبطا بتوظيفات سياسية”.

واستهجن الأستاذ الجامعي كامل وزنة الحديث عن أخطار الأموال السورية مشيرا إلى أن بداية الحرب السورية “تزامنت مع صدور قوانين دولية تفرض منع دخول الأموال السورية إلى لبنان وقد التزم لبنان بهذه القوانين وطبقها بشكل دقيق”.

وأشار إلى أن التزام لبنان بتلك القوانين أدى إلى نشوء مفارقة لافتة حيث أن الحرب السورية “تسببت بتدفق مئات آلاف من اللاجئين السوريين إلى لبنان، ولكن أموال السوريين ذهبت الى أماكن لم تستقبل اللاجئين”.

إيلي يشوعي: الكلام عن الآثار السلبية للأموال السورية ليس سوى مبالغات غير واقعية

ويرى محللون أن التخوف من ارتباط المال السوري في المصارف اللبنانية بعمليات تبييض أموال غير منطقي.

ويقول المحلل الاقتصادي إيلي يشوعي إن المال الذي يراد تبييضه يأتي في حقائب ويتم توظيفه في استثمارات سريعة الربحية مثل محطات البنزين والمولات.

وأضاف أن تلك الأموال لا تصل إلى المصارف لكي يتم تبييضها بل تصلها أموال ناتجة عن عمليات تبييض منجزة ولا تستطيع المصارف التشكيك فيها.

وأكد يشوعي أنه “مع دخول المال إلى جهاز مصرفي لا يعود خروجه منه لدواعي التبييض ممكنا، لأنه لو لم يكن مبيضا لما استطاع الدخول إلى النظام المصرفي أساسا”.

وقال يشوعي إن الخوف من تأثيرات ضخمة تطال بنية الاقتصاد اللبناني مع إقرار العقوبات الأميركية الجديدة غير مبرر لأن العقوبات لا يمكن أن تقوم على أساس التعميم، بل يرجح أن تحدد “أشخاصا معينين كما أن قسما كبيرا من أصحاب الودائع السورية ليس لديهم أي نشاط سياسي”.

وأشار إلى أن السيناريو الافتراضي الأخطـر هـو أن تعمـد واشنطـن في حـال وجود مـال سـوري يستخـدم في تمـويـل الإرهـاب إلى وضع يـدهـا على المصـرف، لكـن هـذا لـن يتـم إلا إذا كانت تنـوي تدميـر النظـام المصـرفي اللبناني بشكـل كلي، وهـو سينـاريو لا يمكن أن يكـون واقعيا بأي شكل من الأشكال.

وأكد يشوعي لـ“العرب” أن “كل الكلام عن التأثيرات السلبية للأموال السورية ليس سوى مبالغة تكشف القراءة المباشرة للواقع الاقتصادي العام عن عدم واقعيتها”.

11