اتساع دائرة الإدمان لدى المراهقين يكشف تقصير أسرهم

دراسات حديثة تبرز تضاعف أعداد المستهلكين للمخدرات من المراهقين والشباب في تونس.
الاثنين 2019/07/08
فراغ مؤد إلى الضياع

أكدت إحصائيات جديدة أن نسب استهلاك المخدرات بمختلف أنواعها تضاعفت في صفوف المراهقين في تونس خلال السنوات الأخيرة، ووصف مختصون الأرقام الأخيرة بالمفزعة، الأمر الذي يتطلب دفع العمل التوعوي بمخاطر هذه الآفة على المراهقين انطلاقا من الوسط الأسري من خلال تنبيه الآباء إلى ضرورة مراقبة أبنائهم وحمايتهم من الوقوع في مخاطر الإدمان.

تونس - كشفت إحصائيات عرضتها اللجنة الوطنية للوِقاية من الإدمان بوزارة الصحّة خلال أشغال الندوة الدولية حول الوقاية من الإدمان على المُخدّرات التي تنتظم هذه الأيام في العاصمة تونس ارتفاع نسبة المستهلكين للمخدرات في تونس، حيث تم تسجيل أرقام وصفت بالمفزعة.

وبين رئيس اللجنة الوطنية للوِقاية من الإدمان بوزارة الصحة نبيل بن صالح، أن الفئة المعنية بهذه الظاهرة هي من الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة، مؤكدا تضاعف استهلاك مادة القنب الهندي لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة إلى 4 مرات خلال الفترة الممتدة بين عامَيْ 2013 و2017، بينما تضاعف عدد مستهلكي حبوب “الاكستازي” المخدرة، إلى 7 مرات لدى نفس الشريحة العمرية وخلال نفس الفترة.

وأشار بن صالح إلى أنه يتم حاليا مناقشة استراتيجية وطنية للوقاية من ظاهرة الإدمان على المخدرات، سوف تركز في بعدها الوقائي على حملات التثقيف، خاصة لفائدة المرأة الحامل لتتجنب التدخين أو شرب الكحول أو تعاطي الأدوية المخدرة حتى لا يتحوّل ابنها إلى مدمن محتمل في المستقبل.

وأضاف أنّ حملات التوعية ستستهدف أيضا الوسط العائلي لحث الأولياء على مراقبة أطفالهم وملاحظة سلوكهم قصد التدخل في الإبّان لتوعيتهم بمخاطر الإدمان على صحتهم ومستقبلهم، إلى جانب تشريك الإطار التربوي في تحسيس التلاميذ ومساعدتهم على الابتعاد عن التدخين واستهلاك المخدرات.

تخليص الشباب من براثن الإدمان، يتطلب دمج أخصائيين في علم النفس وعلم الاجتماع داخل المدارس والمعاهد

وأشار بن صالح إلى أن “الورش التي تضع الأسس الأولى لصياغة الاستراتيجية الوطنية للتوقي من الإدمان على المخدرات والعلاج منه، ستشدد على حقّ ضحايا المخدرات في العلاج كما نصّ على ذلك مشروع قانون المخدرات الجديد لسنة 2015، والذي بقي إلى حد الآن في رفوف البرلمان”. وأكد أنّ الهدف من وضع هذه الاستراتيجية هو حمل الدولة عبر الصناديق الاجتماعية أو عبر إحداث صندوق خاص على التكفل بمصاريف علاج مُدمني المخدرات الذين هم بحاجة إلى أقطاب صحية متكاملة تمكنهم من التعافي من المخدرات ومعالجة الأمراض الناتجة عنها.

ويحذر العديد من المختصين الاجتماعيين والنفسيين ورجال القانون، من تنامي أعداد الأطفال الذين يجذبهم تجريب واستهلاك ثم إدمان مختلف أنواع المواد المخدرة خصوصا في السنوات الأخيرة، مؤكدين أن هذه الشريحة تواجه مخاطر هذه الآفة، التي يمكن أن تدمر حياتهم وحياة عائلاتهم والمجتمع بأكمله.

ويعم في تونس اليوم إقرار من المختصين وعامة الرأي العام بأن ظاهرة انتشار واستهلاك المخدرات لم تعد معزولة أو هامشية، والحال أن أعداد المراهقين الذين يسقطون في هوة الإدمان في تنام مطرد، في ظل غياب مقاربات ناجعة تكفل تطويق الظاهرة والتوقي منها.

وتقول أستاذة تعليم ثانوي (طلبت عدم ذكر اسمها) في حديث لوكالة تونس أفريقيا للأنباء “إن الظروف الاجتماعية القاسية، ليست سببا رئيسيا في سقوط أطفال في عمر الزهور في دائرة الإدمان على تعاطي هذه السموم”، مؤكدة أن ابنها تعرض لمرض مزمن حاد في الجهاز التنفسي، بسبب تعاطيه لأحد أنواع المخدرات، منبهة الأمهات إلى ضرورة مراقبة أبنائهن بصفة مستمرة، لأن الشاب في سن المراهقة “يسهل استقطابه، وخاصة من قبل أصدقاء السوء الذين يقاربونه سنا”.

Thumbnail

وأضافت “المجتمع لا يرحم، فبعد معالجة ابني، صارحت مدرب أحد الأنشطة الرياضية التي يمارسها بالمشكلة. وفور تبلغه الخبر بادر إلى طرده، عوضا عن احتضانه وتكليفه بتوعية أصدقائه بعد علاجه وشفائه”. ولاحظت المتحدثة أن الإدمان على المخدرات يمكن أن يتسبب في ظهور العديد من المشاكل التي من شأنها أن تزيد وضع المراهق وعائلته سوءا؛ من ذلك السرقة والعنف والانحراف لتوفير المال لاقتناء ما يستهلكه.

وفي هذا الخصوص أشار المختص في علم الاجتماع، معاذ بن نصير، إلى أن تعاطي المخدرات يمكن أن يؤدي إلى تفشي ثقافة العنف لدى المراهق، إذ يتحول هذا الفعل الإجرامي إلى ما يشبه حالة الانتقام من المجتمع، نتيجة شعور الفرد باللامبالاة في تصرفاته تجاه الآخرين.

وبيّن بن نصير في تصريح لوكالة الأنباء التونسية أن “النظريات القائلة بأن المنحرف يحمل في جيناته ومنذ ولادته بذور الانحراف والعنف، هي نظريات خاطئة، لأن الشخص المنحرف هو بالأساس ضحية بيئته العائلية وظروفه الاجتماعية”.

وأرجع أسباب انتشار ظاهرة تعاطي المخدرات إلى الثالوث، الذي رسمه العديد من الخبراء في مقارباتهم المتعلقة بمسببات انتشار هذه الظاهرة، والمتكون من “الفقر والخصاصة والتهميش”، إذ يرى المدمنون في تعاطي المخدرات أحد ضروب التمرد إزاء الواقع المجتمعي المتردي.

واعتبر المختص الاجتماعي أن “الشاب يقع في ثنائية التأثر والتأثير ضمن دائرة الأتراب والأصدقاء”، معتبرا أن نظرية الانتماء إلى المجموعة، تؤدي ببعض المراهقين إلى السقوط في فخ مثل هذه الممارسات والسلوكيات، وذلك تحت غطاء التحضر، وفق تصورهم.

وأكد بن نصير أن تخليص الشباب من براثن الإدمان يتطلب دمج أخصائيين في علم النفس وعلم الاجتماع داخل المدارس والمعاهد، لكي تتم عملية الاستباق لحالات الإدمان، بجانب استعادة الأسرة لدورها المحوري في المراقبة المستمرة للأبناء.

من ناحيته أشار نبيل بن صالح، المختص في طب السموميات بمركز الإسعاف الطبي والاستعجالي في منفلوري، إلى أن آخر دراسة أعدتها وزارة الصحة كشفت أن 1 بالمئة من المراهقين، الذين يزاولون تعليمهم في المعاهد الثانوية، وتتراوح معدلات أعمارهم بين 15 و17 عاما، يستهلكون أنواعا مختلفة من المخدرات، وهو ما اعتبره “مؤشرا خطيرا جدا، خاصة أن هذه النسبة يمكن أن تتطور بمجرد التأثير على مجموعة أخرى من المراهقين، الذين يُعتبرون شريحة عمرية سهلة المنال، وبالتالي يسهل استقطابهم”.

Thumbnail

وكشف بن صالح أن أهم أنواع المخدرات التي يستهلكها المراهقون في تونس، هي القنب الهندي أو “الزطلة” و”السوبيتاكس” و”الأرطال”، وهي أقراص تستعمل لاسترخاء الأعصاب، فضلا عن بعض المنشطات والأقراص المخدرة الأخرى التي تعطي إحساسا بالنشوة والنشاط الدائم وعدم الشعور بالتعب، وتستخدمها عادة المراهقات خلال الحفلات الليلية حتى يستطعن الرقص والسهر لساعات طويلة، دون الإحساس بالإرهاق.

من جانبه لفت المختص في الطب النفسي، السيد النيفر، إلى تنامي أعداد المراهقين الذين يعانون من اضطرابات نفسية بسبب استهلاكهم للمخدرات، مشيرا إلى أن معظمهم ينتمون إلى الطبقات الفقيرة والأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وأوضح أن المراهق يعد أكثر عرضة لاستهلاك المخدرات، لأن شخصيته في طور التشكل، فيكون في فترة ضياع بين الطفولة والرشد، وهو ما يجعل منه ضحية سهلة المنال، مشيرا إلى أن أحد أهم تأثيرات المخدرات على الناشئة إمكانية إصابة المتعاطي لأنواع من المخدرات -وخاصة منها القنب الهندي، أو ما يعرف بـ”الزطلة”- بحالات الاكتئاب والهلوسة، والتي تصل أحيانا إلى حالات الجنون.

وقال المختص في الطب النفسي إن “الحل الأمثل لمجابهة الظاهرة هو الإحاطة النفسية بالمراهقين الذين يتعاطون المخدرات وإعادة تأهيلهم لكسبهم كعناصر فعالة وصالحة في المجتمع، بدل الزج بهم في السجون ومعاقبتهم، حتى لا نجد أنفسنا حيال منحرفين، لأن عقابهم واستمرارهم في تعاطي المخدرات”، سيؤديان بهم حتما -حسب اعتقاده- “إلى الانجرار إلى مستنقع الانحراف والجريمة”.

21