اتساع موجة نزوح الأموال من السندات السيادية المصرية

ارتفاع تكلفة اقتراض القاهرة رغم التقييم الإيجابي لصندوق النقد وتشديد السياسات المالية الدولية يجفف استثمارات الأسواق الناشئة.
السبت 2018/07/14
انحسار مفاجئ لتدفق الاستثمارات الأجنبية
 

يخشى مراقبون من جفاف تدفق الأموال إلى مصر مع خفض أسعار الفائدة المرتفعة التي تحصل عليها تلك الأموال. وتشير البيانات إلى انسحاب مليارات الدولارات رغم التقييم الإيجابي الذي أعلن عنه صندوق النقد الدولي بشأن مسار الإصلاحات الاقتصادية.

القاهرة – تشير البيانات المالية إلى أن عوائد أذون وسندات الخزانة المصرية ارتفعت إلى أعلى مستوياتها في عام خلال الأسابيع الماضية بسبب خروج ما يصل إلى 5 مليارات دولار من سوق الدين في البلاد، في إطار موجة بيع عالمية في الأسواق الناشئة.

وارتفعت عوائد أدوات الدين القصيرة والطويلة الأجل في مصر، التي تشير إلى تكلفة الاقتراض، منذ أبريل مع صعود عائد أذون الخزانة لأجل سنة في الأسبوع الماضي إلى أعلى مستوياته منذ يوليو 2017 ليصل إلى 21.72 بالمئة.

ورغم تراجع عوائد تلك الأذون أمس إلى 19.38 بالمئة، إلا أن محللين يقولون إن تلك المستويات تستنزف الاحتياطات المصرية وتمثل تكلفة اقتراض باهظة خاصة في ظل استقرار سعر صرف الجنية المصري.

وقال خبراء اقتصاديون ومصرفيون إن ارتفاع العوائد يأتي في إطار موجة بيع عالمية في الأسواق الناشئة امتد ضررها إلى مصر، التي شكّلت إحدى الوجهات الأكثر سخونة في العالم أمام مستثمري المحافظ العام الماضي بعدما لامست العوائد القصيرة الأجل 22 بالمئة، نتيجة لزيادات جريئة في أسعار الفائدة أجراها البنك المركزي المصري لكبح التضخم.

وزاد الاستثمار الأجنبي في أذون وسندات الخزانة المصرية منذ تعويم الجنيه، ليرتفع من أقل من مليار دولار في ذلك الوقت إلى أكثر من 23 مليار دولار في نهاية مارس، وفق بيانات حديثة، ما أتاح للبلد المعتمد على الاستيراد مصدرا حيويا للعملة الأجنبية.

هاني فرحات: العوائد المرتفعة انعكاس للعوامل المحركة لشح السيولة في مصر
هاني فرحات: العوائد المرتفعة انعكاس للعوامل المحركة لشح السيولة في مصر

وأشارت أرقام من معهد التمويل الدولي الأسبوع الماضي إلى أن المستثمرين الأجانب باعوا سندات وأسهما بقيمة 12.3 مليار دولار في الأسواق الناشئة في مايو وسط ارتفاع عالمي في تكلفة الاقتراض وصعود الدولار.

ورغم التحسّن بشكل عام في مؤشرات اقتصادية مرتبطة بإصلاحات يدعمها صندوق النقد الدولي، إلا أن خبراء اقتصاديين ومصرفيين يقولون إن مصر طالتها موجة البيع.

وقال هاني فرحات كبير الخبراء الاقتصاديين لدى بنك الاستثمار سي.آي كابيتال في القاهرة، إن “العوائد المرتفعة هي انعكاس للعوامل المحركة لشح السيولة، وبصفة خاصة في الأسواق الناشئة ومصر جزء منها”.

وأضاف أن “ارتفاع أسعار النفط، وزيادات متوقعة في أسعار الفائدة الأميركية في الفترة المتبقية من 2018، والحروب التجارية، كلها عوامل يأخذها المستثمرون في الاعتبار”.

وقدرت ثلاثة مصادر مصرفية التخارجات من مصر بنحو 5 مليارات الدولارات، مشيرة إلى قلة اهتمام المشترين الأجانب بالسوق الأولية، وموجة بيع الأذون وسندات الخزانة المصرية في السوق الثانوية.

وقال مصرفي مقره القاهرة إن “هذا جزء من قلق عام بين المستثمرين في الأسواق الناشئة، وليس متعلقا بمصر تحديدا. هناك طلب أقل من المعتاد، ومديرو المحافظ يعطون مخصصات أقل للأسواق الناشئة”.

وبدأ البنك المركزي خفض أسعار الفائدة في وقت سابق هذا العام، حيث خفضها بمقدار 2 بالمئة، لكنه أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في الاجتماعين الأخيرين للجنة السياسة النقدية، مشيرا إلى مخاوف التضخم في أعقاب تخفيضات لدعم الطاقة مؤخرا.

وتأتي تلك البيانات المحبطة في وقت أبقى فيه صندوق النقد الدولي على نظرة مستقبلية إيجابية لاقتصاد مصر في ثالث مراجعة رئيسية يجريها لبرنامج قرض للبلاد، لكنه حذر من مخاطر ارتفاع أسعار الوقود وتخارج المستثمرين من أسواق ناشئة.

ديفيد ليبتون: على المركزي تجديد تحفظه لاحتواء آثار الجولة الثانية من زيادة الأسعار
ديفيد ليبتون: على المركزي تجديد تحفظه لاحتواء آثار الجولة الثانية من زيادة الأسعار

وتم الاتفاق على برنامج قرض بقيمة 12 مليار دولار لأجل ثلاث سنوات في أواخر 2016، ويهدف إلى إعادة اجتذاب المستثمرين الذين هجروا مصر منذ 2011، وهو ما أرغمها على تنفيذ إصلاحات صعبة مثل خفض دعم الطاقة وفرض ضرائب وتعويم الجنيه.

وأبقى صندوق النقد على توقعاته السابقة لنمو الناتج المحلي الإجمالي في مصر عند 5.5 بالمئة في السنة المالية 2018-2019، بفضل تعافي السياحة بعد أن بلغت العوائد 2.27 مليار في الربع الأول من العام وزيادة في إنتاج الغاز.

وقدّر الصندوق أن مصر ستواجه فجوة تمويلية قدرها مليار دولار في السنة المالية الحالية، يمكن تغطيتها من خلال سندات دولية أو من احتياطيات البلاد.

كما رجّح أن يرتفع الدين الخارجي للبلاد إلى 91.5 مليار دولار من توقعات سابقة بلغت 85.2 مليار دولار في مراجعته الثانية.

وقفز التضخم في البلد المعتمد على الاستيراد بعد أن قام بتعويم عملته في أواخر 2016، ليتجاوز 30 بالمئة، لكن زيادات الأسعار بدأت تهدأ في الأشهر القليلة الماضية ثم عادت للارتفاع مرة أخرى.

وقال ديفيد ليبتون، النائب الأول للمدير التنفيذي للصندوق، “يجب على البنك المركزي المصري الإبقاء على موقفه المتحفظ لاحتواء آثار الجولة الثانية من زيادات أسعار الوقود والكهرباء مع تغيير السياسة استرشادا بتوقعات التضخم وضغوط الطلب”.

11