اتصالات فرنسية أميركية لتوحيد المواقف بشأن الأزمة في لبنان

باريس تسعى إلى عزل الحالة اللبنانية عما يجري في العراق باتجاه الدفع نحو توفير صيغة حكومية بإمكانها تهدئة الشارع.
السبت 2019/11/09
المشاورات لا توقف الحراك

تسعى فرنسا ذات النفوذ القديم في لبنان إلى دفع السياسيين باتجاه توفير صيغة حكومية بإمكانها تهدئة الشارع، فيما لا تزال المواقف الدولية حذرة من الأزمة اللبنانية خاصة الموقف الأميركي. وتريد باريس عبر وساطتها لحل الأزمة فصل الحالة اللبنانية عما يجري في العراق.

باريس – كشفت مصادر دبلوماسية أن فرنسا تشعر بالقلق إزاء الانسداد في الأزمة اللبنانية الحالية، وأنها تدرس خططا للعب دور فاعل لإقناع الطبقة السياسية اللبنانية بتقديم أفكار خلاقة للخروج من عنق الزجاجة.

وأكدت المصادر أن باريس لا يمكنها التفرّج على ما يجري من دون أن يكون لها دور في تقريب وجهات النظر، وتسهيل المشاورات الجارية، لتستعيد المؤسسات الدستورية اللبنانية دورتها الطبيعية. وقالت المصادر إن باريس متخوفة من أن انفلات الأمور في لبنان من شأنه تفجير كارثة دولية بسبب تواجد أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري في البلد، وأن انزلاق الأمور إلى العنف سينقل المنطقة كلها إلى مرحلة لا يمكن ضبطها.

وأضافت المصادر أن باريس التي تنظر بعين القلق إلى الوضع العراقي وتدرك خطورة المأزق هناك، ستسعى إلى مقاربة الحالة اللبنانية وعزلها عما يجري في العراق، وستعمل على إعادة تذكير كافة الفرقاء بالمظلة الدولية التي يحظى بها لبنان، والتذكير أيضا بأن المجتمع الدولي لن يسمح بجر هذا البلد إلى فوضى كارثية.

وكان وزير الخارجية الفرنسي قد أعلن إثر تقديم رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته، أن “لبنان يمر بأزمة خطيرة جدا”.

وقال أمام الجمعية الوطنية “مع هذه الأوضاع تدعو فرنسا المسؤولين اللبنانيين إلى بذل كل الجهود لضمان استقرار المؤسسات ووحدة لبنان”، معتبرا أن إعلان سعد الحريري استقالته يفاقم الأزمة.

وقال لودريان لاحقا إنه “من الضروري من أجل مستقبل لبنان تشكيل حكومة بسرعة لتكون قادرة على إجراء الإصلاحات التي تحتاج إليها البلاد”.

ونقلت مصادر إعلامية لبنانية عن مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى أن فرنسا دخلت على خط الأزمة الحكومية بقوة وبسرعة قياسية، دافعة في اتجاه الإسراع في معالجتها.

ويرى مراقبون فرنسيون أن فرنسا تعوّل على ما تملكه من قنوات تواصل مع إيران في محاولة لإقناع طهران بعدم استخدام لبنان أداة من أدوات الضغط والابتزاز.

ويلفت هؤلاء إلى أن الحكومة الفرنسية قد أخذت علما بتصريحات مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي والتي وصف فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالسذاجة في مسألة الوساطة التي يقوم بها بين طهران وواشنطن كما اتهامه بالتواطؤ ضد إيران.

توقيت التدخل الفرنسي يستند على معطيات بشأن جاهزية حزب الله لتوفير مرونة تتناقض مع مواقفه السابقة

ولفت المراقبون بالمقابل إلى أن موقف ماكرون كان جازما في رفض إجراءات إيران الأخيرة بتخفيف التزاماتها في الاتفاق النووي، وأن باريس مدركة أيضا لحساسية ملف المعتقلين الفرنسيين لدى السلطات الإيرانية، بيد أن باريس تتحرك وفق ما تراه مفيدا للأمن الدولي.

وقالت المعلومات إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيوفد مدير دائرة شمال أفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية الفرنسية، كريستوف فارنو، إلى لبنان لمباشرة جهود ترمي إلى دعم حلول لتشكيل حكومة تأتي على مستوى الحدث الذي تمر به البلاد. وكشفت المعلومات أن السفارة الفرنسية باشرت التحضير لسلسلة من اللقاءات سيعقدها فارنو، وهي ستشمل، إلى جانب رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة، عددا من الشخصيات اللبنانية المؤثرة.

وأكدت مصادر فرنسية مطلعة وجود اتصالات فرنسية مع عدد من عواصم الاتحاد الأوروبي ومع واشنطن من أجل نسج موقف واضح واحد مما يجري في لبنان، خصوصا أنه باستثناء فرنسا، فإن موقف العواصم الكبرى بقي ضبابيا وغافلا عن حقيقة الصراع الداخلي ودور حزب الله ومن ورائه إيران في عرقلة أي حلول تتجاوب مع مطالب الاحتجاجات الشعبية المستمرة منذ 17 أكتوبر الماضي.

وتوضح أوساط قريبة من وزارة الخارجية الفرنسية أن باريس لا تريد لوساطتها وجهودها في لبنان أن تأخذ أبعادا إقليمية دولية، وستتجنب إقحام الأزمة اللبنانية وخيارات الحل لها في النزاع المتعلق بالسجال الأميركي الإيراني المحتدم منذ سحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بلاده من الاتفاق بين إيران ومجموعة 5+1 حول البرنامج النووي. وتضيف الأوساط أن دبلوماسية فرنسا ستتعامل مع الفرقاء اللبنانيين وتحصر الأزمة الحالية في بعدها الداخلي المحلي مع الإدراك الكامل للدور السلبي أو الإيجابي الذي يمكن لطهران أن تلعبه داخل هذا الملف.

وقالت هذه الأوساط إن توقيت التدخل الفرنسي يستند على معطيات ومعلومات تمتلكها باريس حول جاهزية حزب الله لتطوير مواقفه وتوفير مرونة قد تتناقض مع المواقف السابقة التي سبق أن أعلنها أمين عام الحزب حسن نصرالله. ورأت هذه الأوساط أن استطلاع الرأي الذي سربه الحزب حول الشعبية العالية التي يتمتع بها الحراك الحالي لدى اللبنانيين ما هو إلا مقدمة لتبرير تنازلات قد تحتاج إلى حضور جهة دولية كبرى لها تاريخ وتراكم مع لبنان مثل فرنسا.

وفي دراسة استطلاعية أجراها المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق التابع لحزب الله حول الحراك الشعبي تبين أن 76 بالمئة من اللبنانيين يؤيدون استمرار حراك الشارع. وقد استنتجت الدراسة أن هذا الموقف يكشف حجم ازدياد شكوى الناس من الأوضاع ويفرض على السلطات المختصة إدراك واقع أنها لم تعد تملك ترف الوقت لمعالجة الأزمات المختلفة ويبرز بشكل جلي عدم ثقة الناس بالمنظومة السياسية التي تحكم البلاد منذ عقود.

واستبعدت مراجع سياسية فرنسية أن تقدم باريس أي وعود لحزب الله بشأن ملف العقوبات الذي تفرضه الولايات المتحدة على الحزب. وقالت إن الرئيس ماكرون لم ينجح في إقناع الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والإيراني حسن روحاني بعقد لقاء بينهما على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا يبدو أن وساطته ما زالت فاعلة هذه الأيام، وبالتالي لا تملك فرنسا الرغبة والنفوذ لحلّ ملف حزب الله.

وتخلص هذه المراجع إلى أن الموقف الدولي السلبي من حزب الله ليس أميركيا فقط بل تمدد أيضا إلى الاتحاد الأوروبي، لاسيما من خلال موقف بريطانيا الذي بات يصنف الحزب، بجناحيه السياسي والعسكري، إرهابيا، ولا تعتقد هذه المراجع أن حزب الله في وضع يسمح له بأي مقايضة.

2