اتصال تاريخي في رحلة العودة.. 15 دقيقة تنهي 34 عاما من القطيعة بين إيران وأميركا

الاثنين 2013/09/30
روحاني ماكان ليتصل بأوباما لولا أمر من المرشد الأعلى

لندن- مع أن المصافحة التاريخية التي كانت منتظرة بين الرئيس الأميركي، باراك أوباما، ونظيره الإيراني، حسن روحاني، لم تتحقّق، إلا أن رئيسا أكبر دولتين «عدوّتين» أجريا، على هامش المشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتّحدة، مكالمة هاتفية استمرت 15 دقيقة في نهاية زيارة الرئيس الإيراني إلى نيويورك.

والاتصالات التي جرت بين روحاني ووزير خارجيته مع مسؤولين أميركيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ما كان يمكن أن تحدث دون موافقة الزعيم الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي الذي له القول الفصل في هذه الأمور.

وقال مسؤولون أميركيون إن المكالمة الهاتفية التي ركزت على كيفية حل المواجهة بشأن برنامج إيران النووي طلبها الجانب الإيراني لكن في تصريحات للصحفيين بعد عودته أشار روحاني إلى أنها كانت بمبادرة أميركية.

ومهما كانت الجهة المبادرة بهذه المكالمة «التاريخية»، فإن المحلّلين والمراقبين يرون فيها خطوة نحو إذابة الكثير من الجليد في العلاقة بين هذين البلدين اللذين قطعا العلاقات الدبلوماسية بينهما منذ أكثر من ثلاثين عاما.

واعتبر السياسي المصري محمد البرادعي أن الحوار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران هو مفتاح لاستقرار منطقة الشرق الأوسط. وعلّق البرادعي، الذي شغل سابقا منصب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن «الحوار الأميركي – الإيراني هو صفقة كبرى.. والحوار بينهما مفتاح لاستقرار الشرق الأوسط، والذي كان على طاولة المفاوضات لسنوات». وأضاف أن «التصعيد وفشل السياسات بين إيران وأميركا وراء التخبّط والصراع في منطقة الشرق الأوسط، وعلينا ألا نضيع الفرصة هذه المرة».

وبعد سنوات من المخاوف المتزايدة من نشوب حرب جديدة في الشرق الأوسط بسبب النزاع النووي زادت المكالمة بين أوباما وروحاني الآمال في تحقيق وفاق ورفعت قيمة الريال الإيراني بنسبة إثنين في المئة مقابل الدولار في السوق الحرة. وقد وصفت صحيفة اعتماد الإيرانية المؤيدة للإصلاح هذه المحادثة بـ «اتصال تاريخي في رحلة العودة».

وكان وزيرا الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف والأميركي جون كيري عقدا اجتماعا ثنائيا على هامش اجتماعات الدورة 68 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بعد أن التقيا ضمن اجتماع موسَّع ضم نظراءهم؛ وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي وألمانيا والاتحاد الأوروبي حيث تم الإعلان عن استئناف المفاوضات بين إيران ومجموعة (5+1) حول الملف النووي الإيراني في جنيف يومي 15 و16 من تشرين الأول-أكتوبر المقبل.


الانخراط البناء


حقق روحاني فوزا كاسحا في الانتخابات التي جرت في يونيو- حزيران الماضي بدعم من ناخبين يتوقون إلى اتخاذ خطوات نحو الاعتدال والإصلاح بعد ثماني سنوات من القمع الشديد في الداخل والعزلة في الخارج في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. واستقبل روحاني بترحيب دولي، غير مسبوق، خاصة بعد التصريحات التي صاحبت حملاته الانتخابية والتي أكّد فيها على رغبة إيران في تغيير سياستها وتحسين علاقاتها الخارجية، خصوصا مع دول الجوار.

هذه التصريحات ترجمها روحاني إلى استراتيجية الانخراط البناء (constructive engagement)، وفق الباحثة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، إيمان رجب. وهذه السياسة لا تهدف فقط إلى معالجة الملف النووي الإيراني؛ بل إلى تفكيك الأزمة الممتدة في العلاقات بين طهران وواشنطن، منذ انقطاع العلاقات الدبلوماسية بينهما في 7 أبريل 1980، على حدّ قولها.

وتضيف الباحثة أن هذا النهج يؤكده مقال حسن روحاني، الذي نشرته الواشنطن بوست، والذي ترجم هذه المصلحة إلى ثلاثة أهداف رئيسية، يتمثل الهدف الأول في تأمين نفوذ إيران في المناطق المتوترة، ممثلة في العراق، وأفغانستان، والبحرين. وينصرف الثاني إلى أن تكون تركيبة السلطة في سوريا بعد الأسد لا تقلص النفوذ الإيراني هناك، ودون أن يتم تقليم أظافر حزب الله في لبنان، ولذا طرح روحاني الوساطة في سوريا، في محاولة لتأمين دور ما لإيران في جنيف 2.

ويتعلق الهدف الثالث، برفع أي قيود على قدرات إيران التي تسمح لها بالاستمرار في نشاط سياستها الخارجية، والاحتفاظ بنفوذها، والاعتراف بمكانتها في العالم، ويتضمن ذلك الاعتراف حق إيران في امتلاك القدرات النووية اللازمة لإتمام دورة الوقود النووي، وهو ما يعني عمليا احتفاظها بحق تخصيب اليورانيوم في مفاعلاتها النووية، وهو ما عده روحاني «مكونا مهما في هوية الدولة الإيرانية»، وشرطا لازما لتحقيق «الكرامة والاحترام لإيران في العالم»، أي أن امتلاك هذه القدرات غير قابل للتفاوض وهو «الخط الأحمر الإيراني»، وهذا الموقف امتداد لموقف إيران في محادثات ألماتا 2 التي عقدت في أبريل 2013.

وبالتالي، يقتصر التغيير الذي أتى به روحاني على الكيفية التي تعبر بها إيران عن مطالبها، فبدلا من اتباع استراتيجية «معاداة الغرب» التي انتهجها أحمدي نجاد طوال السنوات العشر الماضية؛ يتحدث روحاني بلغة خطابية تشبه لغة باراك أوباما، ويتبع استراتيجية «الانخراط البناء» مع الغرب.

يرى الباحث باتريك كلاوسون أن أمام الرئيس الإيراني روحاني فرصة فريدة للحصول على تخفيف للعقوبات. فقد تمكن آخر ثلاثة رؤساء إيرانيين تولوا المسؤولية قبله من التأثير على السياسة في عامهم الأول قبل أن تتلاشى صلاحياتهم. فقد جاء كل منهم إلى السلطة وهو يحمل أجندة قوية. وكان هدف علي أكبر هاشمي رفسنجاني هو تحرير الاقتصاد، بينما كان هدف محمد خاتمي هو الانفتاح الثقافي، فيما سوّق محمود أحمدي نجاد إلى رسالة شعبوية. وقد نجح الثلاثة في تحقيق تقدم في بداية فترات ولايتهم – رغم أنهم جميعا واجهوا مقاومة قوية من قبل المرشد الأعلى مع استمرار فترة ولايتهم، الأمر الذي أدى إلى عكس سياساتهم.

ويعتبر مدير الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن الرئيس روحاني في وضعية أفضل من سابقيه لكي يترك تأثيرا حقيقيا. ويقول كلاوسون في تحليل لمستجدات السياسية الإيرانية في الفترة الأولى من عهد الرئيس الإصلاحي/المحافظ حسن روحاني إن جميع المؤشرات القادمة من طهران – حتى من المرشد الأعلى علي خامنئي – تشير إلى أن إيران تكثف من جهودها في محاولة جديدة للتوصل إلى حل لمشكلة برنامجها النووي. وإذا تعذّر القيام بذلك خلال الأشهر القليلة المقبلة، فسوف تصعب رؤية فرصة أخرى تكون فيها الفرص جيدة بهذا القدر مرة أخرى.

ومع ذلك فإن التشكيك في قدرة الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني على إنجاز اتفاق له ما يبرره بكل تأكيد. فالرؤساء الإيرانيون يمتلكون صلاحيات أقل بكثير – وخاصة في الشؤون الخارجية والأمن – من تلك التي يمتلكها المرشد الأعلى خامنئي. ومما لا شك فيه كذلك أن تصريحات خامنئي العلانية الأخيرة لا تزال تكتنفها الريبة والشك والعداء تجاه الغرب.

بيد أنه يبدو وكأن خامنئي يريد أن يبعث بمؤشرات حول رغبته في إيجاد نهاية للأزمة النووية. ففي اجتماع له مع كبار قادة «الحرس الثوري» في 17 أيلول/ سبتمبر، خاطبهم حول موضوع «الليونة» بقوله: «حتى المصارع الفني بإمكانه أن يبدي الليونة أحيانا، إلا أنه لا ينسى من هو خصمه وما هو هدفه الأساسي».

7