اتفاقية المدن الأربع تكشف عن دور قطري في خطط تهدد بتقسيم سوريا

وصفت صحيفة وول ستريت قطر بأنها “ذات وجهين”، فعلى الرغم من أنها تستضيف قاعدة عسكرية أميركية تنطلق منها العمليات ضد تنظيم داعش إلا أنها مصدر لتمويل الجماعات المتطرفة؛ فيما ذكرت نيويورك بوست أن الأشخاص الذين صنفتهم واشنطن كداعمين للإرهاب يعملون علنا في قطر. وتأتي هذه المتابعة في سياق اهتمام الإدارة الأميركية بمراقبة دور الدوحة في دعم تيارات الإسلام السياسي والجهاديين، وفي سياق التوجهات الجديدة لواشنطن في الحرب على الإرهاب وتحجيم إيران ولملمة الفوضى في الشرق الأوسط.
الخميس 2017/04/27
سياسة الكيل بمكيالين لا تنفع معنا

واشنطن – تكشف مصادر أميركية قريبة من البيت الأبيض عن اهتمام المؤسسات الأمنية والعسكرية الأميركية بمراقبة الدور القطري في دعم تيارات الإسلام السياسي في العالم، وبعلاقات الدوحة مع الجماعات الجهادية، لا سيما في سوريا.

وتروي هذه المصادر أن الرسائل الأميركية باتت واضحة إلى قطر بضرورة التوقف عن أي دور ملتبس من شأنه تعطيل جهود واشنطن لمكافحة إرهاب تنظيم داعش من جهة ونفوذ إيران في العالم العربي من جهة ثانية.

وكانت مصادر صحافية أميركية ذكرت أن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس أبلغ المسؤولين القطريين أثناء زيارته الأخيرة إلى قطر بوجوب تقيّد الدوحة بالجهود الدولية والإقليمية لمحاربة الإرهاب، والقطع النهائي مع أي سلوكيات يشتمّ منها الدعم لجماعات إرهابية تهدد أمن دول المنطقة.

وترى أوساط أميركية تابعت أجواء الزيارة التي قام بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى واشنطن أن الجانب الأميركي استمع مليا إلى وجهة النظر المصرية والتي ترى أن مكافحة الإرهاب يجب أن تكون شاملة وتشمل تجفيف منابع التمويل، وقطع سبل التسليح التي مازالت جماعات الإرهاب تستفيد منها رغم قيام التحالفات الدولية والإقليمية للقضاء على تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى.

ورغم أن القاهرة توجه عادة الاتهام إلى قطر وتركيا في هذا الشأن، إلا أن الإدارة الأميركية تقترب من وجهة النظر المصرية بشأن شمولية مكافحة الإرهاب التي تتعدى الوسائل الأمنية والعسكرية التقليدية باتجاه محاصرة تلك الجماعات وخنق الرئات المالية واللوجيستية المرتبطة بها.

ويرى خبراء في شؤون الأمن الاستراتيجي في واشنطن أن كافة المؤسسات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية والقانونية مجمعة على توحيد الجهود باتجاه مكافحة الإرهاب، والتي تشمل أيضا الجماعات التابعة لإيران في المنطقة.

ماتيس أبلغ الدوحة بوجوب التقيد بالجهود الدولية لمحاربة الإرهاب والقطع مع أي سلوكيات يشتم منها الدعم لجماعات إرهابية

ويضيف هؤلاء أن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس ومستشار الأمن القومي هاربرت ماكمستر يميلان إلى رؤية ترى أن هناك رابطا جدليا بين تعملق تنظيم داعش وتفاقم النفوذ الإيراني في المنطقة، وأن نجاعة أي جهد ضد تنظيم أبوبكر البغدادي لا يمكن أن تستقيم دون تقويض السياسة الإيرانية الخارجية، لا سيما في سوريا والعراق واليمن.

ويرى باحثون في شؤون السياسة الخارجية الأميركية في واشنطن أن لقطر علاقات خاصة مع إيران على الرغم من الموقف الخليجي الموحد الذي يعبر عنه مجلس التعاون الخليجي، وأنه رغم تناقض الأجندات القطرية والإيرانية في سوريا، إلا أن خطوط التواصل بقيت مفتوحة بين الدوحة وطهران على نحو يتيح تبادل المنافع والمصالح وتمرير الرسائل بين/ومن خلال البلدين.

ويضيف هؤلاء أن اتفاق المدن الأربع الذي أبرم مؤخرا في سوريا لم يكن ليحصل لولا هذا التنسيق المستمر، والذي لم ينقطع بين قطر والجمهورية الإسلامية.

وكانت معلومات من العاصمة العراقية بغداد قد تحدثت عن ظروف إبرام اتفاق “كفريا والفوعة ــ الزبداني ومضايا”، والذي أفضى إلى إطلاق سراح 26 قطريا كانوا مختطفين في العراق منذ منتصف يناير 2015.

وذكرت المعلومات أن القطريين استثمروا كثيرا لإنجاز الصفقة لضمان عودة المخطوفين القطريين إلى الدوحة، وأن حزب الله كان حاضرا ومشرفا ومتابعا لتفاصيل الصفقة. وتضيف المعلومات أن كتائب حزب الله العراق هي التي تولت منذ أشهر الوساطة في هذا الصدد، وأن إطلاق إثنين من القطريين قبل عدة أشهر أقنع الدوحة بمصداقية هذه الجهة في إنضاج الصفقة وإتمامها.

ومعلوم أن 11 شخصا من الـ28 الآخرين الذين كانوا مختطفين هم من العائلة الحاكمة في قطر، وأن إيران وحزب الله انخرطا مباشرة في هذا الاتفاق الذي شكل سابقة في تاريخ الصراع السوري يمهد البلاد لتقسيم وانقلاب ديموغرافي استدعى إدانة من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس. وحذر غوتيريس في تقرير رفعه إلى مجلس الأمن الدولي من أن التهجير القسري للسكان في سوريا قد يرقى إلى جريمة حرب.

وأوضح غوتيريس أن تهجير السكان في حالة الحرب لا يجوز سوى بهدف حمايتهم، وأن أي عملية تهجير مخالفة للقانون الدولي ترقى لتكون جريمة حرب.

"جريمة حرب"

وشدد غوتيريس على أن عمليات الترحيل يجب أن تكون آمنة وطوعية ونحو منطقة يختارها المدنيون، وأنه يجب أن يُسمح لهم بالعودة إلى ديارهم بمجرد أن تصبح الظروف مناسبة لذلك.

وتذكر مصادر لبنانية مطلعة أن مفاوضات المدن الأربع هي نسخة أخرى من مفاوضات جرت قبل أشهر قام بها حزب الله مع فصائل من المعارضة، في منطقة القلمون الغربي من ريف دمشق، هدفها التمهيد لحقبة ما بعد انسحاب حزب الله من الداخل السوري، وربما من الأراضي السورية كاملة.

ورأت هذه المصادر أن الحزب يستعد لهذا الاحتمال سواء متأثرا بقرار إيراني في هذا الصدد، أو خضوعا لضغوط دولية قد تمارس لإخراج كافة الميليشيات الأجنبية من سوريا. وتفيد المعلومات أن قطر لم تكن بعيدة عن هذه المفاوضات من خلال ما تملكه من نفوذ لدى الأوساط الإسلامية داخل المعارضة، لا سيما لدى فصائلها في هذه المناطق.

وذكرت مصادر إعلامية لبنانية أن إسلاميين مقربين من قطر قاموا بالوساطة لإبرام اتفاق يشمل قرى عسال الورد ورأس العين ورنكوس وجبعدين وسهل رنكوس والمعرة وفليطة والسحل ويبرود وحوش عرب وبخعا. وتروي بعض المراجع أن قوى المعارضة السورية التي كان يتفاوض معها حزب الله هي “سرايا أهل الشام” وهي اندماج لفصائل متعددة تملك الدوحة تواصلا معها، وأن الاتفاق الذي لم يتم التوصل إليه كان ينصّ على انفصال هذه المناطق عن سلطة دمشق مع اعتراف بإدارة ذاتية لقوى المعارضة مقابل إبقاء معابر المرور مفتوحة بين البقاع اللبناني وسوريا.

كما نصّ الاتفاق غير المبرم على عودة جميع أهالي البلدات المذكورة على ضمانة الحزب بعدم تعرضهم للمضايقة أثناء العودة.

وترى أوساط أميركية أن الجهود القطرية تسير منفصلة عن السياق العام الذي تعمل عليه المنابر الدولية لسوريا، لا سيما الأمم المتحدة وعملية جنيف. وأن هذه الاتفاقات سواء التي نجحت، أو تلك التي قيد الإعداد، تفرض أمرا واقعا ميدانيا من شأنه قيام كيانات تؤسس لتفتيت سوريا وشيوع الفوضى التي تهدد وحدتها.

وتملك قطر نفوذا علنيا لدى الجماعات الإسلامية في سوريا، بما فيها جبهة النصرة المصنّفة إرهابية، وقد تدخلت الدوحة لإنجاح صفقة قادت في ديسمبر من عام 2015 إلى إطلاق سراح جنود لبنانيين كانت الجبهة قد اختطفتهم من منطقة عرسال شمال شرق لبنان. وقد أشرف اللواء عباس إبراهيم مدير عام الأمن اللبناني على متابعة تلك الصفقة بالتعاون مع الجهات القطرية، ومازالت بيروت تعوّل على وساطة قطرية مع تنظيم داعش الذي يحتجز جنودا لبنانيين آخرين مختطفين لديه.

ولئن لعبت الدوحة دورا كبيرا في التوسط ما بين الجماعات الجهادية وجهات إقليمية ودولية، لا سيما المفاوضات التي قيل إنها جرت بين الأميركيين وحركة طالبان في العاصمة القطرية، إلا أن المحافل الدولية بدأت ترسل تحذيرات جادة إلى قطر من مغبة الخلط بين ما هو وساطة وبين ما هو انخراط مع هذه الجماعات لصالح السياسة الخارجية القطرية.

6