اتفاقية ثلاثية تشعل حروب الطاقة في شرق المتوسط

موافقة قبرص واليونان على نقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا تحرج مصر.
الاثنين 2019/12/30
خلافات مرشحة للتصعيد

تزداد سخونة التوترات في منطقة شرق البحر المتوسط، وتنذر بتحولات جيوسياسية تزامنا مع الإعلان عن إنشاء خط لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا بالتعاون مع قبرص واليونان، ومحاولة إقصاء مصر التي تعول على دورها المحوري كمركز إقليمي للغاز أو إجبارها على عدم المغالاة في شروطها.

القاهرة - أصبحت الصراعات السياسية في منطقة شرق المتوسط مرشحة للتصاعد، عقب الاجتماع المرتقب الخميس المقبل في أثينا، لتوقيع اتفاقية ثلاثية الأطراف بين قبرص واليونان وإسرائيل، لإنشاء خط أنابيب مشترك للغاز الطبيعي يمكّن الأخيرة من تصدير الغاز إلى أوروبا بعيدا عن محطات الإسالة المصرية.

وعلى الرغم من الشكوك التي تحاصر خط الأنابيب الجديد، بسبب ارتفاع تكلفته الاستثمارية، إلا أنه قد يتحول إلى ورقة ضغط تزيد الأوضاع سخونة في المنطقة، وتتقاطع مع التطورات السياسية.

وظهرت مجددا محادثات تدشين الخط، بعد توقيع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مذكرتي تفاهم بحري وأمني مع رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية، برئاسة فايز السراج، في 27 نوفمبر الماضي، وما تلاها من تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية.

ويعد التقارب الحثيث بين أنقرة وحكومة طرابلس خطوة استفزازية زادت من حدة التوتر، ودفعت إسرائيل إلى البحث عن طريقة لتعظيم مصالحها عبر تصدير الغاز إلى أوروبا.

ضاعفت التفاهمات بين أردوغان والسراج واستهدافها ترسيم الحدود البحرية من القلق في منطقة شرق المتوسط، في ظل فورة اكتشافات الغاز وتعظيمها مستقبلا، عقب وضع حكومة الوفاق الليبية في مواجهة مع كل من قبرص واليونان ومصر وإيطاليا، ودول غربية عدة.

وأكدت مصر وقبرص أن خلافهما الشديد مع تركيا حول الغاز، حيث تعارض أنقرة التعاون الإقليمي بين دول شرق المتوسط دون مشاركتها كطرف رئيسي، وعدم الاعتداد بموقف ما يسمى بـ”قبرص التركية”.

خطوط متقاطعة

 

Thumbnail

تبحث أوروبا عن بدائل للخط التركي الذي ينقل الغاز إليها من مقاصد مختلفة، ما دفع بإيطاليا إلى المشاركة في تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط الذي دشنته القاهرة رسميا في يوليو الماضي ليكون لها موطئ قدم داخل نادي الطاقة الجديد.

وتحصل بعض الدول الأوروبية على الغاز من خط أذربيجان الذي يمر بالأراضي التركية، والقادم من روسيا عبر تركيا أيضا إلى شرق أوروبا، وكذلك خط السيل الشمالي “نورد ستريم” القادم من روسيا إلى ألمانيا.

يضم منتدى شرق المتوسط مصر وقبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين، ولم تحدد لبنان موقفها من المنتدى حتى الآن، رغم أنها من أوائل دول شرق المتوسط التي قامت بعمليات ترسيم الحدود وأودعتها لدى الأمم المتحدة.

تحاول إسرائيل من خلال الخط الجديد الضغط على لبنان أيضا بشأن اكتشافات الغاز في المياه الإقليمية اللبنانية، وتسعى بكل السبل لمحاولة إثبات أحقيتها فيه.

ودفعت هذه المناوشات أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي السابق وصف المزايدة العالمية التي أعلن عنها لبنان العام الماضي بأنها “تحدّ وتصرف استفزازي يخالف القواعد والبروتوكولات”.

كشفت الدراسات “السيزمية” عن أن المنطقة تعج بالغاز، ما أدى إلى توقف العروض التي كانت تستعد الشركات العالمية لتقديمها، ومنها إيني الإيطالية التي اكتشفت حقل ظهر بالمياه الاقتصادية العميقة في مصر، وشركة نوفاك الفرنسية.

تصدر إسرائيل غازها إلى أوروبا من خلال تسييل الغاز بمحطتي إدكو ودمياط على البحر المتوسط في مصر، وتسعى إلى مجابهة خطط القاهرة من خلال المضي قدما في تصدير الغاز مباشرة عبر خطوط الأنابيب الجديدة إلى إيطاليا.

ولا تتعارض الاتفاقات التي وقعتها إسرائيل مع مصر بشأن تصدير غازها الطبيعي إلى القاهرة لإسالته وإعادة تصديره مع خطواتها الراهنة.

وقال بيان لمكتب رئيس الوزراء اليوناني، كرياكوس ميتسوتاكيس “من المقرر أن يمتد خط أنابيب شرق المتوسط من حوض بلاد الشام قبالة قبرص إلى إيطاليا، ومن خلال خط أنابيب آخر من المخطط إنشاؤه، وتحتاج تلك الخطوة إلى موافقة إيطاليا، التي من المقرر أن توقع على الاتفاق لاحقا، بحسب البيان”

يعدّ مشروع خط الأنابيب الجديد منافسا لخطة مصر الرامية لتصبح مركزا استراتيجيا لتصدير الغاز الطبيعي من شرق المتوسط إلى أوروبا، بعد إسالته في المصانع المصرية.

وأعلنت القاهرة تدشين خط لتصدير الغاز من منطقة شرق المتوسط إلى أوروبا مباشرة عقب إسالته في مصر، وتساند الولايات المتحدة هذا الاتجاه، ويقوم البنك الدولي بإعداد دراسة لجدوى هذا الخط الذي تصل تكلفته إلى نحو مليار دولار.

Thumbnail

ووقع طارق الملا، وزير البترول المصري، مع يورجوس لا كتوبريس، وزير الطاقة القبرصي، في نيقوسيا في منتصف العام الحالي اتفاقا يتم بموجبه ربط حقل أفروديت في قبرص للغاز بمحطات إسالة الغاز على سواحل مصر.

وشاركت واشنطن في اجتماع تدشين المنتدى بالقاهرة بصفة مراقب وضيف شرف، إلى جانب فرنسا وممثلين عن البنك الدولي والاتحاد الأوروبي.

وفور التدشين الرسمي للمنتدى، أعلنت واشنطن عن ضمّ قطاع الطاقة إلى الحوار الاستراتيجي السنوي مع القاهرة لتضمن الإسهام الفاعل في قضايا الطاقة والسياسة في المنطقة.

شكوك وهواجس

يقول مراقبون، إنه جرى التشكيك في إمكانية تنفيذ المشروع عدة مرات لأسباب اقتصادية وسياسية، نظرا إلى طول المسافة من حقول الغاز وحتى إيطاليا.

وكشف الخبير البترولي رمضان أبوالعلا، في تصريح لـ”العرب”، جانبا من صعوبات فنية في تنفيذ الخط، وفي مقدمتها ارتفاع التكاليف التي تصل إلى نحو 6 مليارات يورو، كما أن مساعي تنفيذه عن طريق ميناء ليماسول، أكبر الموانئ في قبرص، فشلت أكثر من مرة لاستحالة التنفيذ، وتراجعت الفكرة.

رمضان أبوالعلا: صعوبات فنية ستعرقل الخط الإسرائيلي
رمضان أبوالعلا: صعوبات فنية ستعرقل الخط الإسرائيلي

وأكد بعض الخبراء، أن الحديث عن تأسيس الخط قد يكون وسيلة ضغط على مصر، ومحاولة لتقليل دورها في منتدى غاز شرق المتوسط، مع تضاؤل فرص تصدير الغاز من المنطقة دون المرور بمصر.

وقال تقرير لمنصة “واي نت نيوز” الإسرائيلي إن تقريرا سريا لوزارة الخارجية الإسرائيلية رشح سابقا الاعتماد على مصر لتصدير الغاز إلى أوروبا بدلا من تركيا.

وقعت شركة “دولفينوس” التي يمتلكها رجل الأعمال المصري علاء عرفة اتفاقا في شهر فبراير الماضي مع شركة “ديليك” للحفر التي تمتلك حقلي الغاز الطبيعي الإسرائيليين “تمار” و”لوثيان”، مدته عشر سنوات لتصدير الغاز الطبيعي إلى مصر بقيمة 15 مليار دولار.

ورحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالاتفاق وقال في تغريدة له على تويتر “هذه اتفاقية تاريخية ستدخل المليارات إلى خزينة الدولة، وهذه الأموال ستصرف لاحقا على التعليم والخدمات الصحية والرفاهية لمصلحة المواطنين، ومخطط الغاز يعزز أمننا واقتصادنا وعلاقاتنا الإقليمية ومواطنينا.. هذا يوم عيد”.

يحتاج تدشين الخط القبرصي اليوناني الإسرائيلي إلى موافقة تركيا التي ستمر الأنابيب عبر مياهها الإقليمية أو عبر المياه القبرصية التي تتنازع عليها، الأمر الذي يزيد من صعوبة التنفيذ، في ظل الموقف الدبلوماسي التركي المعادي لمنتجي الغاز في شرق المتوسط. لكن المشروع لا يزال يمضي قدما.

ورأى متابعون، أن اتفاق قبرص واليونان مع إسرائيل، هدفه شراء مصالح اقتصادية، دون النيل من الشراكة مع مصر، لأن الدول الثلاث أعضاء مؤسسون في منتدى شرق المتوسط.

أيمن شبانة: التفاهم القبرصي اليوناني مع إسرائيل لا يعني حدوث توتر مع مصر
أيمن شبانة: التفاهم القبرصي اليوناني مع إسرائيل لا يعني حدوث توتر مع مصر

وأوضح أيمن شبانة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن اتجاه قبرص واليونان لتأسيس خط أنابيب مع إسرائيل، لا يعني حدوث توتر أو فتور في العلاقات مع مصر.

وقال لـ”العرب”، أن قبرص واليونان علاقتهما جيدة مع القاهرة، وتبحثان فقط عن مصالحهما، مثلما تشتري مصر صفقة سلاح من أميركا وإذا وجدت صفقة أخرى مع روسيا تشتريها أيضا، وفي الوقت ذاته لا تعادي واشنطن.

وأشار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال مكالمة هاتفية تلقاها أخيرا من رئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميتسوتاكيس، إلى اتساق المصالح والمواقف المشتركة بين البلدين في منطقة شرق المتوسط.

ودفعت حقول الغاز كلا من مصر وقبرص واليونان إلى الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية لتحقيق الاستفادة العادلة لكل دولة من الغاز في المياه الإقليمية، الأمر الذي دفع تركيا إلى المزاحمة أملا في النيل من الاتفاقات، وتعزيز نفوذها السياسي في المنطقة، وعندما أغلقت أمامها الأبواب لجأت إلى توقيع مذكرتي تفاهم مع السراج، وهو ما يعني أن هدف المذكرتين غاز شرق المتوسط وليس التدخل العسكري في الأزمة الليبية، التي تحوّلت إلى مطية سياسية في يد أنقرة، قد تمكنها من الحصول على مكاسب تحلم بها في المتوسط.

وتبعث الدول الثلاث؛ قبرص واليونان وإسرائيل، عبر هذه الخطوة برسالة قوية إلى مصر، مفادها ألّا تُملي شروطها في استخدام البنية التحتية التي تملكها في تصدير الغاز، لأن التكتل الجديد يمتلك من الأدوات التي تسمح له بتصدير الغاز عبر  تأجير مصانع إسالة في مصر أو تدشين خطوط أنابيب مباشرة.

7