اتفاقية صندوق قطر للتنمية تختبر العلاقة بين الدوحة والرئيس التونسي

دعوات متصاعدة لقيس سعيّد لعدم توقيع مشروع الاتفاقية.
الاثنين 2021/07/05
خطوة من سعيد لحسم مصير الاتفاقية

يشكل مشروع اتفاقية صندوق قطر للتنمية المثير للجدل في تونس اختبارا جديا لعلاقة الرئيس قيس سعيّد بقطر، حيث ترى العديد من الأوساط السياسية أن تلك العلاقة تمر حاليا بنوع من الفتور ما يجعل التوقيع على ذلك المشروع لكي يدخل حيز التنفيذ من عدمه محل اهتمام خاص حيث سيحدد بشكل كبير طبيعة وملامح تلك العلاقة في الظرف الراهن وذلك بعد أن كانت الدوحة قد احتفت بسعيّد في وقت سابق.

تونس - لم تُنه مصادقة البرلمان التونسي على مشروع اتفاقية صندوق قطر للتنمية الجدل بشأنه خاصة أنه واجه معارضة واسعة في المجلس النيابي حيث تترقب الأوساط السياسية في تونس موقف الرئيس قيس سعيّد منه.

وترى تلك الأوساط أن هذه الاتفاقية تشكل اختبارا جديا لعلاقة سعيد بالدوحة خاصة أن الكلمة الفصل ستكون له باعتبار أن رئيس الجمهورية في تونس يتكفل بتوقيع مشاريع القوانين والاتفاقيات لكي تدخل حيز التنفيذ.

وعكست مؤخرا العديد من الأحداث المتواترة فتورا في علاقة سعيّد بقطر خاصة بعد تسريب قصة الانقلاب المزعوم الذي ينوي سعيّد القيام به في الموقع البريطاني “ميدل إيست آي” المقرب من قطر، ما أعطى انطباعا أن الدوحة منزعجة من عداء الرئيس التونسي لحركة النهضة الإسلامية المقربة منها.

كما أثارت تحركات سعيّد الخارجية التي شملت في وقت سابق كلا من مصر وفرنسا جدلا بشأن انزعاج الإسلاميين منها وداعميهم الذين من بينهم الدوحة خاصة أن الرئيس التونسي قد أطلق بعد ذلك تصريحات قوية ضد الإسلاميين.

إبراهيم الوسلاتي: الفتور في العلاقة بين الرئيس سعيّد ودولة قطر واضح

وترى أوساط تونسية أن هناك تغيرا في مزاج قطر حيال الرئيس سعيّد بعد أن استقبلته في زيارة سابقة وأغدقت عليه بوعود الدعم وكرمته بإنشاء رابطة دولية لفقهاء القانون الدستوري وأسندت إليه منصب رئاستها على أن تعقد هذه الرابطة مؤتمرها السنوي الأول في تونس في نوفمبر من العام الحالي.

واعتبر المحلل السياسي إبراهيم الوسلاتي أن “الفتور في العلاقة بين الرئيس التونسي قيس سعيّد ودولة قطر واضح، وهناك الآن تحركات مثيرة في هذا الصدد حيث خرج أحمد القديدي الذي هو آخر سفير في عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي في قطر، وهو من المقربين من الدوحة ومن الرئيس المؤسس لاتحاد علماء المسلمين ليؤكد أنه سيترشح للانتخابات الرئاسية ولا يستبعد أن تكون مبكرة”.

وأوضح الوسلاتي في اتصال هاتفي مع “العرب” أن “هناك من يرى أن القديدي هو الحصان الذي تراهن عليه قطر ليكون مرشحا للرئاسة القادمة خاصة أنه انتمى سابقا للحزب الدستوري وهو معطى آخر يعكس فتور علاقة الدوحة بالرئيس التونسي”.

وشدد الوسلاتي على أنه “رغم أن الاتفاقية مشبوهة إلا أنني أعتقد أن سعيد سيصادق عليها باعتبار أن شعبيته بدأت تنهار، ورأينا في آخر استطلاع رأي كيف فقد المرتبة الأولى، ولكن عندما تصل الاتفاقية إلى يديه فإنه سيكون أمام اختبار في علاقته مع التونسيين والوطن الذي هو حاميه قبل أن يكون اختبارا مع قطر”. 

وكان سعيّد قد رفض ختم مشاريع مررتها الأغلبية البرلمانية التي تقودها حركة النهضة في وقت سابق على غرار التعديل الوزاري الذي أجراه رئيس الحكومة ومرره البرلمان منذ يناير الماضي، وكذلك تعديلات على قانون المحكمة الدستورية المعطلة منذ سنوات. 

وبعد أن فشلت في إسقاط مشروع الاتفاقية في البرلمان تصاعدت الدعوات من قبل جهات سياسية للرئيس قيس سعيد من أجل عدم توقيعه وذلك في استباق لقرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين التي تستعد مجموعة من البرلمانيين للطعن لديها في هذا المشروع.

وفي إطار هذه الدعوات طالب النائب البرلماني مبروك كرشيد في تصريح لـ”العرب” الرئيس سعيد بعدم إمضاء ما وصفها بأخطر اتفاقية في تاريخ تونس.

وقال كرشيد إن “الكرة الآن في ملعب الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين قبل أن تؤول الكلمة الأخيرة إلى الرئيس سعيد الذي عليه أن يتحمل مسؤوليته بإمضاء مشروع الاتفاقية أو بالامتناع عن ذلك، وأنا أدعوه إلى عدم إمضائها”.

وأوضح “نحن كنواب اعترضنا على هذه الاتفاقية، ندعو أولا القضاة الوطنيين إلى تصحيح خطأ فادح ارتكبته الحكومة سنة 2019 بحق المنظومة القانونية التونسية خاصة الدستور، وذلك برد هذه الاتفاقية إلى البرلمان لمناقشتها وتعديلها ورفضها إن اقتضى ذلك وإرجاعها إلى الحكومة إلى غاية تعديلها بما يتلاءم مع التشريعات التونسية. أنا أحذر من التدخل الذي يمكن أن يسيء للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين مع ثقتي في قضاتها ونحن بصدد إعداد مستنداتنا القانونية للطعن فيها”.

وتتهم الأحزاب التونسية المعارضة لهذه الاتفاقية الائتلاف البرلماني الداعم للحكومة التونسية وفي مقدمته حركة النهضة بمحاولة فرضها، مشيرة إلى أنها تمثل انتهاكا للأعراف القانونية في البلاد.

واعتبر مبروك كرشيد أن “هناك العديد من الإخلالات في هذه الاتفاقية من بينها أنها ليست معاهدة حتى تمر على البرلمان، وليست اتفاقية مقر لأنها أعطت امتيازات أكثر مما تعطيه اتفاقية المقر، وهي أيضا ليست بين الدولة التونسية ودولة قطر بل هي بين الدولة التونسية وصندوق استثماري”.

مبروك كرشيد: أدعو سعيّد إلى عدم إمضاء أخطر اتفاقية في تاريخ تونس

وتابع البرلماني التونسي “بالتالي هي مخالفة لكل القوانين والأعراف الدولية وكان يجب عدم إحالتها إلى البرلمان وعدم المصادقة عليها من قبل الحكومة أصلا، لكن هناك عملية بيع خدمات تونسية لصندوق قطر للتنمية”.

لكن هناك من لا يساير كرشيد في رأيه، حيث تدافع أوساط تونسية على مشروع الاتفاقية بما في ذلك جهات بعيدة سياسيا عن حركة النهضة.

ورأى النائب عن حزب التيار الديمقراطي لسعد الحجلاوي أن الرئيس قيس سعيّد “لن ينساق خلف الشعبويات والحشود التي لا تفكر بشأن الاتفاقية التي هي دستورية”.

وأضاف الحجلاوي في تصريحات لوسائل إعلام محلية “أنا على يقين أن رئيس الجمهورية سيحكم مصلحة الوطن في هذا الصدد”، موضحا أن “من يقول إن هذه الاتفاقية تمس من السيادة الوطنية فإن ذلك يدخل في إطار ‘البروباغندا’ من أجل ضمان مكانة في المشهد السياسي ومقعد بالبرلمان القادم”.

وشدد على أن “الاتفاقية تم إدخالها في المزايدات السياسية وهناك من لم يصوت وقال إن ذلك يعود إلى أن قطر محسوبة على حركة النهضة، لكن الاتفاقية تمثل دعما للاستثمار الأجنبي في تونس وستدفع الاقتصادي الوطني خاصة في الجهات الداخلية المهمشة والمنكوبة”.

 وكان البرلمان التونسي قد صادق ليل الأربعاء الماضي على مشروع هذه الاتفاقية بغالبية 122 صوتا، فيما قاطع 82 نائبا برلمانيا التصويت في الجلسة التي كانت صاخبة خاصة بعد تعرض رئيسة الحزب الدستوري الحر المعارض عبير موسي لاعتداءين متتاليين من قبل نائبين، ما أثار صدمة في تونس.

والاتفاقية محل الخلاف تعود إلى العام 2016 عندما منحت قطر تونس 250 مليون دولار للمساهمة في تمويل مشاريع تنموية، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم آنذاك حول إنشاء مكتب لصندوق قطر للتنمية بتونس وهو ما رفض البرلمان التونسي التصويت لفائدته سنة 2019.

4