اتفاقية عسكرية جديدة بين دمشق وطهران: مناورة في الوقت الضائع

لم تعد إيران تملك القوة الكافية التي تسمح لها بالمناورة كما أن أزرار الملف السوري أصبحت بيد موسكو عرّاب الشأن السوري.
الأربعاء 2018/08/29
صورة لم يعد لها تأثير

دمشق – نجحت العقوبات الأميركية في زعزعة الأرض تحت أقدام إيران، التي تعلم يقينا أن محاولاتها الاحتماء بالأوروبيين لن تؤتي ثمارها، كما هو حال أجنداتها في منطقة الشرق الأوسط. كما تعلم إيران أن مساحة المناورة ضيقة في الدول التي تنشر فيها ميليشياتها كاليمن والعراق وحتى لبنان، حيث لا حلفاء لها هناك، بخلاف سوريا، الملعب الذي استثمرت فيه إيران منذ سنوات طويلة، قبل أن تضطر لمشاركته مع روسيا، التي تحولت إلى حام غير موثوق فيه، لمصالحها هناك.

وكلما أحست إيران أن البساط يسحب من تحت أقدامها صعّدت من تصريحاتها وتحركاتها في إطار مناورات التحصين التي تقوم بها طهران لمستقبل حضورها في سوريا وتعزيز نفوذها، من ذلك الاتفاقية العسكرية التي وقّعتها مؤخرا مع دمشق، وأطنبت في الحديث عنها في محاولة للتغطية على الضجة التي أثارتها تصريحات جون بولتون مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي، والتي شدّد فيها على
فكرة سوريا خالية من أي وجود عسكري إيراني.

 

ينظر المتابعون لإعلان طهران عن توقيع اتفاقية للتعاون العسكري مع دمشق على أنه رسالة تسجل موقفا إيرانيا سوريا معاندا ورافضا للمداولات الدولية الجارية لإخراج إيران والميليشيات التابعة لها من الميدان السوري، إلا أن هذه الورقة تبدو ضعيفة حيث لم تعد إيران تملك القوة الكافية التي تسمح لها بالمناورة كما أن أزرار الملف السوري أصبحت بيد موسكو عرّاب الشأن السوري.

ووقّع وزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي خلال زيارة قام بها لدمشق اتفاقية تعاون عسكري بين البلدين تهدف لإعادة بناء القوات السورية. ووصل حاتمي الأحد إلى دمشق في زيارة استمرت يومين، التقى خلالها الرئيس السوري بشار الأسد فضلا عن نظيره علي عبدالله أيوب.

ونقلت وكالة أنباء تسنيم الإيرانية عن المسؤول قوله إن الاتفاقية تهدف إلى “تعزيز البنى التحتية الدفاعية في سوريا التي تعتبر الضامن الأساسي لاستمرار السلام والمحافظة عليه”، كما تسمح بمواصلة “التواجد والمشاركة” الإيرانية في سوريا.  واعتبر المسؤول الإيراني أن سوريا “تتخطى الأزمة وتلج إلى مرحلة هامة للغاية هي مرحلة إعادة البناء”.

وأعقب إعلان حاتمي تصريح للمحلق العسكري الإيراني في دمشق العميد أبوالقاسم علي نجاد قال فيه إن مستشاري إيران العسكريين سيبقون في سوريا بناء على اتفاقية دفاعية تم توقيعها هذا الأسبوع.

ونقلت وكالتا فارس وتابناك الإخباريتان عن علي نجاد قوله إن “استمرار تواجد المستشارين العسكريين الإيرانيين في سوريا هو أحد بنود الاتفاقية الدفاعية والتقنية بين طهران ودمشق”، مشيرا إلى أن “تنفيذ الاتفاقية بدأ من لحظة التوقيع عليها”.

وكانت مسألة إخراج إيران من سوريا أحد المحاور الرئيسية للقمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي في يوليو الماضي. وأعاد جون بولتون بحث الطرح مع نظيره الروسي نيكولاي باتروشيف أثناء لقائهما مؤخرا في جنيف.

اتفاق أم مناورة

تقرأ هذه الاتفاقية بين دمشق وطهران باعتبارها ردّا واضحا من قبل النظام الإيراني، كما النظام السوري، ضد الدعوات الأميركية المكثّفة لخروج إيران والميليشيات التابعة لها من الميدان السوري. لكنها، في نفس الوقت تطرح أسئلة عما إذا كانت موسكو ضالعة في أمر إبرامها لتخفيف الضغوط الأميركية الغربية عليها في شأن إخراج إيران من سوريا، أو أنها تعد مناورة معاندة لموسكو من قبل طهران ودمشق وتفرض أمرا واقعا جديدا عشية القمة الثلاثية التي ستجمع زعماء إيران وتركيا وروسيا في طهران في 7 سبتمبر المقبل؟

ومهما كانت خلفيات هذه الاتفاقية، إلا أن المتفق عليه في مختلف القراءات أن خبر الإعلان عنها، ومن الجانب الإيراني تحديدا، لا ينفصل عن الضغوط التي تواجهها طهران مؤخرا، ويأتي في سياق التصريحات التي يتناوب على إعلانها المسؤولون الإيرانيون للإيحاء بالقوة، لدى الداخل والخارج. يؤكد ذلك التغطية الإعلامية الضخمة في وسائل الإعلام الإيرانية التي حولت هذا الاتفاق العسكري إلى “نصر” إيراني.

مقابل التغطية الإيرانية، كان لافتا تواضع التغطية في وسائل الإعلام السورية.وأوردت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن حاتمي وأيوب وقّعا “اتفاقية تعاون مشترك بين جيشي البلدين” من دون إضافة تفاصيل.

وتدفع اللهجة التي تحدثت بها طهران عن الاتفاق، والتي تختلف عن تلك التي تحدثت بها دمشق، إلى التساؤل عما إذا كان من مصلحة النظام السوري، في هذه الآونة، تشريع تواجد طويل الأمد للقوات الإيرانية فوق الأراضي السورية، وفي الوقت نفسه عما إذا كان قادرا على رفض هذه الاتفاقية التي تمثل وصاية إيرانية كاملة على المؤسسات العسكرية للنظام السوري. وفي الحالتين، من المستبعد أن تلجأ سوريا وإيران إلى استفزاز الحليف الروسي.

طهران ستقدم لدمشق كل أشكال الدعم لإعادة بناء القوات المسلحة والصناعات العسكرية بما في ذلك الصواريخ، وفقا لوزير الدفاع الإيراني

ويستبعد دبلوماسيون غربيون أن يكون لهذه الاتفاقية أي وقع استراتيجي كبير على مستقبل التسوية في سوريا، خصوصا أن المجتمع الدولي لا يزال رافضا لفرض النظام الحالي في سوريا وعلى حد تعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يعتبر بقاء بشار الأسد “خطأ فادحا”، وبالتالي فلا قيمة لأي اتفاقيات يقيمها هذا النظام سواء مع طهران أو غيرها؛ كما أن المنظومة العسكرية للجيش السوري هي روسية متوارثة من عهد الاتحاد السوفييتي، وأي تطوير للقدرات العسكرية واللوجستية لا يمكن أن يتم إلا من خلال موسكو.

وفي مقابلة مع قناة الميادين الفضائية، المقربة من طهران وحزب الله، جرى بثها مساء الإثنين، أوضح حاتمي، من دمشق أن “أهمّ بند في هذه الاتفاقية هو إعادة بناء القوات المسلّحة والصناعات العسكرية الدفاعية السورية لتتمكّن من العودة إلى قدرتها الكاملة”.

وردا على سؤال عما إذا كانت الاتفاقية تشمل كل القطاعات العسكرية، قال حاتمي إنها تشمل “أي شيء تعلن الحكومة السورية أنها بحاجة إليه لحفظ أمنها وتستطيع إيران أن تقدّمه”.  وأضاف مؤكدا “من خلال هذه الاتفاقية مهّدنا الطريق لنبدأ بإعادة بناء الصناعات الحربية السورية”.

لكن، لفت المراقبون إلى أن مسألة الاتفاقية العسكرية بين دمشق وطهران لن تكون لها أي قيمة في مستقبل الوضع النهائي لسوريا، وأن واشنطن وموسكو متفقتان على مسألة خروج إيران نهائيا من سوريا، مشيرين إلى أن واشنطن باتت تعتبر إيران عاملا ثانويا في الشأن السوري، وأن أي مداولات في شأن سوريا تتم حاليا بين واشنطن وحلفائها الغربيين من جهة وروسيا من جهة أخرى.

إعادة الإعمار

إلى جانب الحديث عن الاتفاقية العسكرية، كان لافتا حديث المسؤول الإيراني عن ملف إعادة الإعمار، معتبرا أن سوريا بدأت تتخطى الأزمة وتلج إلى “مرحلة هامة للغاية هي مرحلة إعادة الإعمار”. ويقرأ تصريح حاتمي، الذي جاء في وقت لا تزال فيه العديد من القضايا عالقة والآلاف من السوريين مشردين بين نازح ولاجئ، على أنه رسالة من
إيران بأنها لن تتنازل عن حصتها من هذه الكعكة، وهي التي غيرت في الخارطة الديموغرافية لسوريا، وأعادت توزيع السكان وفق أجندتها. وتستبق إيران بالحديث في موضوع إعادة الإعمار في سوريا، بمناسبة وغير مناسبة، أي مداولات دولية جدية في هذا الشأن على نحو يتيح تموضعها داخل هذا الملف كما يتيح لها تبرير نشاط مؤسسات اقتصادية ومالية إيرانية في سويا كما تبرير أي حركة أموال بين البلدين.

فشلت إيران في الإيحاء بالقوة، من خلال مقابلة حاتمي مع قناة الميادين، كما التغطية الإعلامية لخبر الاتفاقية العسكرية مع دمشق، ومختلف التصريحات المحذرة التي تصدر باستمرار عن المسؤولين الإيرانيين، كحديث قائد البحرية بالحرس الثوري الإيراني الجنرال علي رضا تنكسيري، عن السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز وتهديده بالقيام بعمل عسكري لمنع صادرات النفط العالمية.

كما يبدو واضحا أن مناورة إيران التي تمثلت بتوقيع اتفاقية التعاون العسكري مع دمشق لن تنجح في فرض أمر واقع على موسكو وأنقرة كما على بقية العواصم الإقليمية والدولية المعنية بالشأن السوري.

وستكشف القمة الإيرانية التركية الروسية في طهران الشهر المقبل إلى أي حد تسيطر وجهة النظر الروسية على الملف، في وقت تعاني فيه إيران من تصدّع، وهو وضع يطال أيضا حليفتها تركيا.

6