اتفاقية كيري- لافروف.. صفقة أم صفعة

الأربعاء 2013/09/25

الآن وبعد أن ذابت عظام من ماتوا خنقاً بفعل الكيماوي في الغوطة الشرقية وأصبحوا في أوصال الذاكرة، وبعد نجاح أوباما بكبح غضب المعارضة السورية والرأي العام العالمي عن طريق تصريحاته النارية وتهديداته ووعيده لنظام الأسد بعد مجزرة الغوطة، وما تبعها من تجهيزات أميركية لتوجيه ضربة عسكرية كانت على ما يبدو مجرد حربٍ نفسية وتهيئة بيئة مناسبة لولادة اتفاقية كيري- لافروف التي باتت تُعرف بمعاهدة سايكس- بيكو الجديدة.

بعد مفاوضات ساخنة بين كيري ولافروف في جنيف جاء على خلفيتها الاتفاق المزعوم، توالت ردود الفعل الدولية حول إمكانية تطبيق هذا الاتفاق على أرض الواقع، حيث وصفه السيناتور الأميركي جون ماكين «بالضعف الاستفزازي لإدارة أوباما» وبأنه يجسد تراجع الدبلوماسية والحنكة الأميركية أمام حنكة ودهاء مبادرة «لافروف- بوتين»، ثم جاء تعليق بوتين نفسه بقوله أنه: «لا يمكن أن يكون 100 في المائة على يقين من أن خطة تدمير الأسلحة الكيميائية في سوريا ستنجح». وتزامناً مع تصريحات بوتين ظهر بشار الأسد في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز ليضع العقبات أمام أي محاولة للتخلص من مخزونه الكيميائي بسرده لتكلفة عملية تدمير المواد السامة الباهظة وما يسببه من أضرار بيئية.

فهل وقع أوباما في فخ حنكة ودهاء لافروف أم أنه لم يمانع بالانحناء ولو قليلاً من أجل التنصل من الضربة العسكرية.

لكل دولة عظمى سياستها الخارجية ومنهجها الدبلوماسي، لكن اتفاق كيري- لافروف جاء صفقة وصفعة في آن معاً لكلا الطرفين، حيث تراه الولايات المتحدة الأميركية صفعة وجهت إلى روسيا ونظام الأسد، بإجبارهما على التفاوض والتخلي عن السلاح الاستراتيجي الوحيد الذي تملكه دمشق دون عناء ومتاعب توجيه ضربة عسكرية.

في المقابل تراه روسيا نصراً دبلوماسياً وسياسياً عندما وضعت هذا العرض على الطاولة أولاً أجبرت فيه أوباما على التخلي عن فكرة الضربة العسكرية أو تأجيلها، ثانياً العقبات الكثيرة التي تقف عائقاً أمام تنفيذ الاتفاق على أرض الواقع والتخلص من المخزون الكيماوي لنظام الأسد الذي يحتاج إلى سنوات طويلة وإجراءات معقدة، خصوصاً إذا علمنا أن روسيا والولايات المتحدة الأمريكية هما البلدان الوحيدان القادران صناعياً على تدمير المواد الكيميائية السامة واستيراد مثل هذه المواد محظور بموجب القانون الأمريكي، بالإضافة إلى تصريح وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بأنه لا توجد أي خطط لتدمير مخزونات المواد الكيميائية السورية على الأراضي الروسية، في ضوء ما سبق يمكن القول أن ترسانة الأسد الكيماوية في مأمن إلى حد ما.

إذن اتفاقية كيري- لافروف يمكن اعتبارها صفقة (روسية أميركية سورية) بامتياز مع قبول كل منهم تلقي صفعة بسيطة تزول آثارها بلمح البصر. في الحقيقة لم تكن هذه الاتفاقية إلا صفعة موجعة للمعارضة السورية وجيشها الحر الذي رفض ما جاء في اتفاقية كيري- لافروف على لسان سليم إدريس رئيس المجلس العسكري الأعلى للمعارضة بقوله: «لا تعنينا المبادرة الروسية- الأميركية فهي لا تهدف سوى لكسب الوقت».

لطالما كانت سياسة النظام السوري تعتمد في الدرجة الأولى على كسب الوقت والمراهنة على الدخول في مفاوضات طويلة الأمد، وجعل الأمور تبدو ضبابية بغية الوصول الآمن لموعد انتهاء الولاية الحالية لبشار الأسد في شهر تموز من العام القادم، على أمل أن تتم تهيئة الظروف المناسبة لوصل الأسد من جديد إلى سدة الرئاسة عبر انتخابات مزيفة لن يستطيع أن يشارك فيها سوى مؤيدوه وشبيحته.


كاتب سوري

8