اتفاق أوكرانيا الهش: تكتيك روسي لالتقاط الأنفاس

السبت 2015/02/14

يبدأ الأحد سريان اتفاق هش لوقف إطلاق النار في أوكرانيا وذلك بعد قمة ماراثونية في مينسك أدارها، بشكل مباشر، قادة كل من روسيا وألمانيا وفرنسا وأوكرانيا. ويأتي توقيع الاتفاق بعد حدثين مفصليين: الأول هو المكاسب الميدانية الملحوظة التي حققتها قوات الانفصاليين الأوكرانيين المدعومة من روسيا خلال الأشهر الماضية، والثاني هو تهديد الولايات المتحدة بتزويد الجيش الأوكراني بأسلحة فتاكة.

تشير المعلومات الواردة حول الاتفاق الجديد إلى تشابه مع الاتفاق الموقع في شهر أيلول الماضي في مينسك أيضا، والذي نص حينها على وقف إطلاق النار وسحب الأسلحة الثقيلة من قبل كلا الجانبين. لم يترجم ذلك على الأرض، بل دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نحو التصعيد العسكري المباغت خلال الخمسة أشهر الماضية، واستطاع خلالها تحقيق التوسع الميداني لعدة مئات من الكيلومترات انتهت باشتداد القتال حول ديبالتسيفو، التي تعتبر نقطة تقاطع استراتيجية للسكك الحديدية، حيث يطوّقها الانفصاليون ويحاصرون نحو 8 آلاف جندي أوكراني فيها.

تحقق ذلك من خلال دعم عسكري متواصل من قبل روسيا لـ“قوات المتمردين” أو “الانفصاليين” كما يطلق عليهم الإعلام، وهي تسمية تقلل من قوتهم على الأرض، إذ أن هؤلاء “المتمردين” قد تحولوا بفعل الدعم الروسي إلى جيش منظم يمتلك مئات الدبابات والصواريخ والعربات المدرعة، فضلا عن مضادات الطيران.

قبل دخول المفاوضات في مينسك، كان بوتين قد بلغ “نقطة توازن” في تقدمه العسكري. إذ يمكن اعتبار ما قبل تلك النقطة بمثابة موقف تفاوضي ضعيف، فيما يضع تجاوز تلك النقطة روسيا في مكان شديد الخطورة قد يؤدي إلى انقلاب موقف أوروبا الرافض حتى اليوم تسليح الجيش الأوكراني وتوسيع العقوبات الاقتصادية على روسيا. وقد ساعد موقف الولايات المتحدة المهدد بإرسال أسلحة “فتاكة” إلى أوكرانيا بوتين في تحديد “نقطة التوازن” تلك، كاستراحة محارب، باتت ضرورية لالتقاط الأنفاس.

وشكل التقدم الذي أحرزه المتمردون خلال الأشهر الماضية، إحدى العقبات الكبرى في التوصل إلى اتفاق. إذ تريد السلطة في أوكرانيا وقف النار على أساس الخط الفاصل الذي تم تثبيته في سبتمبر الماضي، فيما يرى المتمردون، ومن خلفهم روسيا، أن خطوط التماس القديمة قد بات من الماضي. ويبدو أن الاتفاق الجديد قد خرج بحل وسط باعتبار تلك الأرضي بمثابة منطقة عازلة.

احتلت روسيا شبه جزيرة القرم في مثل هذه الأيام من العام الماضي، وقامت بضمها في شهر آذار 2014، وباشرت، بعد ذلك، في دعم مناطق الانفصاليين في شرق أوكرانيا لفرض السيطرة بالقوة. منذ ذلك الوقت، ارتفعت أصوات في أميركا وأوكرانيا تنادي بتزويد الجيش الأوكراني بأسلحة قتالية متطورة. ذلك أن العقوبات الاقتصادية وحدها لن تدفع القيصر الروسي فلاديمير بوتين إلى التراجع، بل سيفضل استمرار المراهنة على حساباته القديمة.

بالمقابل، كان الأوروبيون وخصوصا فرنسا وألمانيا يعارضون هذا المسار من التصعيد العسكري للصراع. في حقيقة الأمر تعتبر كل من ألمانيا وفرنسا متضررتين من العقوبات الاقتصادية ومن انفجار الوضع في أوكرانيا وتحوله إلى نزاع مسلح. وقد راهنتا خلال العام الماضي على “عقلانية” روسيا، وعلى إمكانية التوصل إلى حل تفاوضي وتراجع روسيا عن احتلالها لشبه جزيرة القرم. ورغم أن أحداث العام الماضي أثبتت أن تلك المراهنات كانت أشبه بالأمنيات، يرى البعض أن المقاربة الأوروبية هي الحل الوحيد للتعامل في مثل هذا الصراع.

إذ لا يمكن لتزويد الجيش الأوكراني بأسلحة فتاكة أن يشكل حلا، بل سيدفعه ذلك إلى مواجهة غير متكافئة على الإطلاق، مهما زوّد بالسلاح، مع الجيش الروسي الجرار، أحد أقوى وأضخم الجيوش في العالم. ولن يكون ذلك في مصلحة أوكرانيا أولا، ولا في مصلحة أوروبا ثانيا. قد يكون في مصلحة أميركا فقط، وهي التي تثبت خلال الأعوام الماضية أن سياستها قائمة على استنزاف جميع الأطراف، سوريا وحزب الله وإيران وروسيا، وكل دول منطقة الشرق الأوسط.

في حال التزم الطرفان بالاتفاق الجديد، فربما لا يصمد هذا الاتفاق حتى وقت طويل، والأرجح ألا يشكل أساسا كافيا لحل الأزمة الأوكرانية – الروسية. وحيث تبدي روسيا عنادا في سوريا، يبدو مفهوما عنادها الأكبر في ما يخص أوكرانيا. إذ تعتبر الصراع هناك جزءا من السياسة الداخلية الروسية.

الحساسية الشديدة من قبل روسيا تجاه أوكرانيا تجعل “نقطة التوازن” التي تفاوض روسيا على أساسها متحركة بصورة دائمة. وفي مخيلة وحسابات الرئيس الروسي، ضمن المعطيات الحالية على أقل تقدير، فإن الحركة هي نحو الأمام من دون شك.

تتألم روسيا لعقوبات اقتصادية مفروضة، لكنها تراهن على حذر أوروبا من تصعيد النزاع ومخاوفها من الانعكاسات الاقتصادية لعقوباتها على روسيا، خصوصا مع فقدان عشرات آلاف الوظائف في أوروبا بسبب توقف التجارة مع روسيا، ومخاوف البنوك الأوروبية التي تفضل معالجة متأنية للأزمة وعدم تسعير الصراع مع الدب الروسي.


كاتب فلسطيني- سوري

8