اتفاق الضرورة والخروج من المأزق

الاثنين 2013/11/25

أما وقد تمّ التوقيع على اتّفاق بين إيران ومجموعة الدول الخمس زائد واحد، فإن المنطقة العربية تطل على حقبة جديدة، لها إيجابياتها وسلبياتها.

وقبل التطرّق إلى التفاصيل لا بدّ من قراءة متأنية للاتفاق، وهل هو اتفاق ضرورة أم خروج من مأزق؟

المتمعن بقراءة الاتفاق الذي تم نشر بعض تفاصيله يمكنه القول إنه فتح الباب أمام سلسلة من المفاوضات بين الدول المذكورة وإيران لا تنتهي. فكل بند في الاتفاق بحاجة إلى اتفاق جديد لتفصيله والاتفاق عليه.

وكل بند في الاتفاق يشكل ضربة مؤلمة لإيران؛ ولبرنامجها النووي ولحلمها وطموحها في أن تصبح في نادي الدول النووية.

فالاتفاق يجيز لإيران تخصيب اليورانيوم بما لا يمكّنها من الاستفادة من معظم المنشآت التي بنتها وأنفقت عليها أموالا طائلة هي أكبر بكثير من تلك التي ستستعيدها من ودائعها المجمدة في المصارف الغربية منذ أكثر من ثلاثين سنة، والتي لن تحصل عليها قبل مضي سنوات وسنوات لم ينص عليها الاتفاق صراحة.

في الاتفاق أن ايران «لن تقوم بتركيب أي جهاز طرد مركزي من أي نوع. كما أنها لن تركّب ولن تستخدم أي جهاز طرد مركزي من الجيل المقبل، من أجل تخصيب اليورانيوم.

ووفقا لذلك أيضا فإنّ إيران ستترك ما يناهز نصف أجهزة الطرد المركزي في منشأة ناتانز وثلاثة أرباع أجهزة الطرد المركزي في منشأة فوردو، في حال تعطيل بحيث لن يمكنها أن تقوم بعمليات التخصيب.

كما أن إيران ستقصر عمل أجهزة الطرد المركزي على تلك التي يكون الهدف منها تعويض الأجهزة المعطوبة بما يعني أن طهران لن تستغل الستة شهور التي يستغرقها تنفيذ الاتفاق لتخزين أجهزة الطرد. كما أن إيران لن تبني مزيدا من منشآت التخصيب».

في العلم السياسي والتفاوضي، فإن قبول إيران بهذه النقاط، وغيرها كثير، لا سيما لجهة المراقبة اليومية والتصويرية، يعني كمن خلع بنطاله.

أما في اللغة الإيرانية التوضيحية، فهي كذلك السم الذي شربه الإمام الخميني عندما وافق على إنهاء الحرب مع العراق.

والآن جاء دور المرشد علي خامنئي في تجرع السم مرة أخرى والقبول بالاتفاق المذل، تحت عنوان «حفاظ إيران على حقها في التخصيب»، لكن وفق أي شروط.

لقد أدركت ايران أنها بلغت مرحلة اللاعودة في سياسة تصدير الثورة، وأن هذه السياسة ارتدت عليها وعلى شعبها وبالا وخرابا، وأن الاستمرار في هذه السياسة مؤداه تجرع السم مرة ثالثة ورابعة إذا لم يصر الى التوقف امام نقطة مفصلية واعادة تقييم نتيجة مآل السياسات التي انتهجتها ما يسمى بالثورة الايرانية. فلا هي نجحت مع الغرب كما أنها باتت على عداوة مع معظم الدول المحيطة بها، حتى غدت كالطائر الذي يغرد خارج سربه.

إن المتمعّن في قراءة بنود الاتفاق، مرة أخرى، يجد أنه مماثل لذلك الذي وقّعه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عندما فرض عليه اتفاق النفط مقابل الغذاء، فلم يعد يمتلك النفط كما أنه لم يحصل على الغذاء وانتهى به الأمر مشنوقا.

ففي الاتفاق أيضا أن وكالة الطاقة الدولية الذرية «ستتولى القيام بعدة عمليات تحقق تتماشى مع دورها التفتيشي المستمر في إيران. كما التزمت مجموعة 5+1 وإيران بإنشاء لجنة مشتركة تعمل مع الوكالة الدولية لمراقبة تفعيل الاتفاق والتعامل مع أي خلاف قد ينشب إزاء ذلك.

كما ستعمل تلك اللجنة مع الوكالة على تسهيل التوصل لحلول للمخاوف السابقة والحالية فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي بما فيها الصبغة العسكرية المحتملة للبرنامج الإيراني وأنشطة طهران في بارشين».

وفق هذه الصيغة، فإن الوكالة الدولية ورجالها سيتجولون طهران على مرأى ومسمع ومشهد المرشد وحرسه الثوري وكل الأجهزة الأمنية الإيرانية من دون أن يحق لأحد منهم التدخل في طريقة عملهم ومراقبتهم للمنشآت الايرانية والحد من تجاوزها للإطار الذي سمح لايران التحرك به. وبمعنى آخر، فإن الدول الست الكبرى تمكنت من الحصول من ايران بالتفاوض ما كان يمكن ان تحصل عليه بعد حرب ضروس ومكلفة.

أما البند الأخير في الاتفاق فهو ينص على «استمرار جميع العقوبات الأميركية المتخذة بشأن إيران والتي هي على علاقة بدعم الإرهاب ولعب دور سلبي في النزاع السوري وسجلها في حقوق الإنسان».

ووفق هذا البند فإن ايران مدعوة إلى إعادة النظر في سياساتها في المنطقة، وهذه الإعادة لن تكون مفتوحة فهي محكومة بفترة ستة أشهر، يبنى عليها كيفية تعاطي الدول الست مع إيران خلال هذه الفترة.

صحيح أن إيران ستقول إنها خرجت منتصرة، شأنها شأن كل الذين يخسرون ويكابرون، لكن الواقع أن إيران وقّعت على اتفاق الضرورة للخروج من المأزق الذي أوصلتها إليه سياسات من يقولون إنهم قادة ثورة.

3