اتفاق المصالحة الفلسطينية وآفاقه

الجمعة 2017/10/13

قبل بدء محادثات المصالحة الفلسطينية في القاهرة، لم تكن مصر تقبل بأن يعود الطرفان بلا إطار للاتفاق على عدد مهم من التفصيلات والتطبيقات، التي تمثل بالنسبة للفلسطينيين بداية واقعية لعملية المصالحة. وفي المباحثات اتبع المصريون أسلوب الاقتراب غير المباشر من القضايا الخلافية، كالأمن ومنهجية عمله ومؤسسته. وهذا أسلوب معتمد في ساحات الوغى، إذ يتحاشى الطرف المصمم على التقدم إلى الأمام، النقاط الصعبة، فيتجاوزها ويتركها وراءه لكي يعزلها، فتصبح بعدئذ، أقرب إلى حل عقدتها.

ففي هذا الموضوع ترك موضوع السلاح مثلا، وبدلا منه وضعت مسألة المؤسسة الأمنية الواحدة قيد البحث لكي يتم الاتفاق على هيكليتها، وإحالة الصلاحيات إلى اللجان. وفي موضوع الموظفين، ثاني أهم الموضوعات بالنسبة لحماس، تم الاتفاق على الخطوط العامة على أن تحال التفصيلات إلى اللجان التي مُنحت فسحة زمنية لكي تنظر في ملفات الموظفين، وتذهب إلى تسوية المسألة وفق الخطوط العامة التي تم الاتفاق عليها. وحُسمت النقاط السهلة كتلبية الشرط المصري أن يتولى حرس الرئاسة الفلسطينية العمل في معبر رفح، باعتباره جهازا تابعا للسلطة الفلسطينية. فالمصريون لا يقرون بشرعية وجود جغرافيا سياسية ذات منافذ إلى الخارج تابعة لحزب ينتمي إلى “الإخوان”.

ما أُعلن في القاهرة، هو اتفاق إطار على التطبيقات، أي الحد الأدنى مما تقبل به مصر، التي أعدت الخطة “ب” التي تقضي اضطرارا بأخذ المبادرة لإلزام الطرفين بالتوصل إلى توافق. وفي هذا السياق اتبعت حماس تكتيكات تنم عن إصرارها على جعل الطرف الآخر مسؤولا عن الفشل في حال أخفقت الجهود المصرية، ما دعا الرئيس الفلسطيني إلى التراجع عن بعض شروطه، مثل نزع السلاح “الآخر” لا تأطيره، لكي لا تقع المسؤولية عليه في حال الفشل، الذي سيجعله في مواجهة المبادرات المصرية، لإلزامه بتسوية نهائية لوضع غزة.

كانت جولة المباحثات الأخيرة في القاهرة أشبه بماراتون بين الطرفين في ممر السباق الذي حدده المصريون، لأسباب يرونها استراتيجية، وتتعلق بأمنهم القومي الموصول بالأمن الإقليمي. وفي إطار أجندتها لنزع أيقونة “حماس” من أيدي “الجماعة” ومن أيدي القطريين والأتراك، بذلت مصر جهدا كبيراً وضغوطا أكبر لكي ينجح مسعاها.

لكن الفلسطينيين، من جانبهم، وعلى الرغم من ابتهاجهم بما سُمي اتفاقا، وما وصفته بعض رموز حماس بأنه اتفاق شامل، ظلوا يتحسسون الكثير من التخوفات، بشأن التطبيقات التفصيلية، خاصة وأن الاتفاق يتخذ طابعا إجرائيا، لا يقوم على قاعدة السياسة التي تتحدد في إطارها الأهداف العامة ووسائل تحقيقها. فلا يزال التعارض قائما على مستوى السياسات، وإن كانت الوقائع الميدانية تفرض على الطرفين التزام التهدئة مع الاحتلال، مع فارق كبير يتعلق بما يُسمى التنسيق الأمني مع إسرائيل، الذي تضطلع به سلطة الرئيس الفلسطيني محمود عباس. فهذه الأخيرة ستتولى إدماج الجهاز الأمني الحمساوي في إطارها، وهذا أمر يحتاج إلى اتفاق، إذ هو نقطة عسيرة يمكن أن تتجاوب فيها حماس، على مستوى حفظ حدود غزة ومنع العمل العسكري منها.

هناك نقاط أخرى، بعضها أحيل إلى اللجان، لكن التوصل إليها يحتاج إلى تغييرات جذرية في نهج حماس. من بينها موضوع المال الذي تتلقاه القوى والأحزاب من الخارج. فالمال القطري الذي يصل إلى حماس، وقد أصبح شحيحا يصبح أمام احتمالين، إما القطع النهائي بسبب احتواء مصر للمشهد الفلسطيني، أو الاستمرار في المساعدة لتعزيز موقف حماس عند الاعتراض والتعطيل، وهذا أمر أقل احتمالاً من الأول.

لكن ما تم إحرازه حتى الآن، على الرغم من عموميته، يوسع هامش الحركة للمصريين، ويلبي احتياجاتهم الأمنية والسياسية، لا سيما وأن الاتفاق سيجعلهم موجودين في غزة، وطرفا ضالعا في التطورات، وأمرا مساعدا على محاصرة الإرهاب في سيناء.

في إطار منهج الحكم الفلسطيني خلال الفترة الانتقالية، وإلى حين الوصول إلى لحظة الاحتكام إلى الشعب، هناك بعض الجوانب المتعلقة بالحقوق الدستورية للمواطنين وللقوى والفصائل، وبالتيار العريض من حركة فتح الذي يطالب بإصلاح الحركة. فلم تأت في اتفاق الإطار أية إشارة للحقوق السياسية التي ينبغي تكريسها قبل الوصول إلى لحظة السباق الديمقراطي، وهذه إشكالية قائمة بسبب رفض رئيس السلطة لأي حراك فتحاوي يتوخى وحدة الحركة وهو بهذا العناد يُضعف فرص فتح في الفوز في أي سباق انتخابي.

كاتب وسياسي فلسطيني

9