اتفاق بريكست.. كيف ستربي ماي مولودا يكرهه الجميع

ماي أرادت إرضاء أصدقاء وخصوم أوروبا فانتهت إلى "الاتفاق" على نهايتها، وبريطانيا أمام انتخابات مبكرة أو خروج دون اتفاق.
السبت 2018/11/17
من لديه القدرة على إنهاء الانقسام

وضع الجدل بشأن مشروع اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، خاصة لما رافق ذلك من استقالات وزراء من الحكومة وتمرد جبهة الرفض في البرلمان ضد تصورات رئيسة الوزراء تيريزا ماي، البلاد أمام العديد من السيناريوهات المرتقبة ومن أهمها إما اللجوء للانتخابات المبكرة أو إجراء استفتاء ثان أو الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، خاصة أن المشكلة الأكبر التي تعترض ماي تكمن في انقسام معسكرها من المحافظين، ليس فقط على خلفية الاتفاق بل حتى على مستقبلها السياسي.

لندن - تحاول رئيسة الوزراء تيريزا ماي تعديل شراع سفينة بريكست وإعادتها إلى الاتجاه الصحيح، بعدما أتت عليها رياح عاتية من كل الاتجاهات السياسية البريطانية الرافضة لمشروع اتفاق نهائي للخروج من الاتحاد الأوروبي، يبدو في ظاهره مرضيا للجميع، لكنه أثار موجة غاضبة قد تطيح بالحكومة.

وتنظر ماي بعيدا لمرحلة ما بعد طرح الاتفاق للتصويت في برلمان منقسم، ويعكس انقساما أوسع في المجتمع. وتريد ماي تمرير الاتفاق لكي تثبت للأوروبيين، بعد عامين ونصف العام من المفاوضات الشاقة، أنها مازالت قادرة على حشد بريطانيا خلفها، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية المحددة للعلاقات المستقبلية بين الجانبين.

لكن مشكلة ماي تكمن في أن حزب المحافظين الذي تتزعمه يبدو أكثر انقساما، ليس فقط على الاتفاق، ولكن على مستقبلها السياسي أيضا. فالمتشددون اليمينيون يعارضون أغلب بنود الاتفاق، ويرون أن ماي “خانت مطلب البريطانيين الأساسي” في الاستفتاء الذي أجري في فبراير 2016، وصوت فيه 52 بالمئة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ويقول المؤيدون للاتحاد في الحزب إن الاتفاق هو “بقاء سيء” في صفوف الاتحاد، إذ ستتخلى بريطانيا من خلاله عن عضويتها في المؤسسات السياسية الأوروبية، في نفس الوقت الذي تبقى فيه (على الأقل خلال المرحلة الانتقالية التي ستمتد إلى آخر عام 2020) بين منظومته الاقتصادية. ويعني ذلك أن بريطانيا ستفقد التأثير في عملية صنع القرار ووضع القواعد المنظمة لعمل مؤسسات الاتحاد الرئيسية، بينما تظل ملتزمة بتنفيذ هذه القواعد التي ستفرض عليها مستقبلا.

ووصف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، أحد أكثر المؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي، هذه المعادلة بـ”الاستسلام”.

توني بلير: ماي تولت مهمة صعبة مثل ملف البريكست، هذه معادلة الاستسلام
توني بلير: ماي تولت مهمة صعبة مثل ملف البريكست، هذه معادلة الاستسلام

صراع إرادات

يهدف مشروع الاتفاق، المؤلف من 585 صفحة، إلى طلاق سلس من الاتحاد الأوروبي بعد أكثر من أربعة عقود من العضوية، ويحدد مرحلة انتقالية للجانبين للتأقلم على الخروج من الاتحاد.

وتسعى البنود الرئيسية لمشروع الاتفاق إلى تجنب وجود حدود فعلية بين أيرلندا، العضو في الاتحاد الأوروبي، ومقاطعة أيرلندا الشمالية البريطانية، وحماية حقوق المدنيين وتسوية المدفوعات المترتبة على بريطانيا.

وظلت معضلة الحدود الأيرلندية العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق. وتمثلت حساسية المسألة في سجل تاريخي حافل بأعمال العنف القائمة على أسس قومية وطائفية، انتهت باتفاق الجمعة العظيمة الذي دخل حيز التنفيذ عام 1999، وأنهى عقودا من العنف. كما يرتبط أيضا بتحالف يجمع حزب المحافظين مع الحزب الوحدوي الديمقراطي في أيرلندا الشمالية، والذي يعد حاسما في إبقاء ماي في السلطة، بعدما خسرت الأغلبية في البرلمان خلال الانتخابات التشريعية المبكرة التي انعقدت العام الماضي.

وتوعد الحزب الوحدوي الديمقراطي بالتصويت ضد الاتفاق، بعدما تضمن بنودا تفرض إجراءات وشروطا أكثر قسوة على أيرلندا الشمالية بالخلاف لباقي مقاطعات بريطانيا، في مجالات العمل والضرائب وحرية المنافسة والتجارة وغيرها. وتجعل هذه الإجراءات مقاطعة أيرلندا أكثر قربا من باقي بريطانيا للسوق الأوروبية الموحدة، التي وعدت ماي بمغادرتها تماما مع نهاية المرحلة الانتقالية.

ويقول الوحدويون الديمقراطيون، المؤيدون للبقاء كجزء من المملكة المتحدة، إن هذه الإجراءات الخاصة تضر بوحدة بريطانيا وتماسكها، وتهدد بإمكانية عودة الدعوات، على المدى البعيد، لانفصال أيرلندا الشمالية عن باقي المملكة.

وتم إقرار هذه الإجراءات ضمن “شبكة الأمان” التجارية التي أقرها مشروع الاتفاق لتجنب عودة إقامة الحدود بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا. وتقتضي هذه الشبكة ببقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي، إلى حين توصل الجانبين، ضمن مفاوضات معقدة، لاتفاق حول شكل العلاقات التجارية في المستقبل.

وسيكون أمام الجانبين أحد الخيارين؛ إما التوصل إلى اتفاق تجارة حرة ينهي بذلك بقاء بريطانيا الاستثنائي في الاتحاد الجمركي، وإما الاتفاق على تجديد “شبكة الأمان” لعام إضافي في حال ما فشل الجانبان في التوصل إلى اتفاق تجارة مع حلول نهاية المرحلة الانتقالية.

ويشترط الاتفاق عدم انسحاب أي من الطرفين من الترتيب المتعلق بالحدود الأيرلندية إلا بالتوافق مع الطرف الآخر.

واستفز هذا البند، على وجه الخصوص، المتشددين تجاه الاتحاد الأوروبي، الذين قالوا إنه يسمح للاتحاد بأخذ بريطانيا “رهينة” له إلى أجل غير مسمى على غير رغبتها، عبر إبقائها مقيدة بقواعده للتجارة.

ماي تريد تمرير الاتفاق لكي تثبت للأوروبيين، بعد عامين ونصف العام من المفاوضات الشاقة، أنها مازالت قادرة على حشد بريطانيا خلفها، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية المحددة للعلاقات المستقبلية بين الجانبين، لكن مشكلتها تكمن في أن حزب المحافظين الذي تتزعمه يبدو منقسما
ماي تريد تمرير الاتفاق لكي تثبت للأوروبيين، بعد عامين ونصف العام من المفاوضات الشاقة، أنها مازالت قادرة على حشد بريطانيا خلفها، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية المحددة للعلاقات المستقبلية بين الجانبين، لكن مشكلتها تكمن في أن حزب المحافظين الذي تتزعمه يبدو منقسما

ورغم أن الاتفاق ينهي عمليا مبدأ حرية الحركة، الذي كان يمثل بصمة التصويت لصالح الخروج النهائي من الاتحاد عام 2016، غير أن اليمينيين المناصرين للخروج يعتبرون أنه يحول بريطانيا إلى “دولة تابعة”، بحسب ما صرح وزير الخارجية السابق بوريس جونسون، الذي ينظر إليه باعتباره زعيما مستقبليا للمحافظين.

وتعزز هذا الاعتقاد بعدما قام جيكوب ريس موغ عضو البرلمان المتشدد ورئيس “مجموعة الأبحاث الأوروبية” التي تحظى بنفوذ واسع في حزب المحافظين، بالإعلان الخميس عن تقديم أول خطاب للحزب من أجل سحب الثقة من تيريزا ماي والدعوة إلى انتخابات داخلية على زعامة الحزب.

وتقدم مثل هذه الطلبات إلى اللجنة المعروفة باسم 1922، والتي تضم كبار الأعضاء القدامى في الحزب. وينظر أعضاء اللجنة في الطلبات المقدمة، وبإمكانهم الدعوة إلى تصويت داخلي على منصب زعيم الحزب إذا ما تقدم 15 بالمئة من أعضاء البرلمان عن الحزب للجنة بالطلب. ويعني ذلك 48 عضوا محافظا في البرلمان الحالي. وفي هذه الحالة تتم الدعوة لانتخابات داخلية يجري فيها الاقتراع للاختيار بين مرشحين، لا تكون بينهما رئيسة الوزراء الحالية.

لكن محللين يتوقعون أن تتمكن ماي من تخطي أي صراع على الزعامة داخل حزبها، وفي هذه الحالة ستكون قد فازت باستعراض القوة الذي قد يمثل تعزيزا لشرعيتها داخل الحزب، وهزيمة لخصومها، الذين لن يكون باستطاعتهم التقدم بطلب مماثل قبل مرور عام على الطلب الأول.

وتقول مصادر في البرلمان البريطاني إن ماي ربما تتوق إلى هذا السيناريو عبر السماح باكتمال نصاب المتشددين أمام اللجنة، ثم الفوز في الاقتراع الداخلي. وسينعكس ذلك فورا على اتجاهات قادة أوروبا، الذين يرون في ماي زعيمة ضعيفة لحزب منقسم. كما سيعطي جرس إنذار لحزب العمال المعارض، بقيادة جيرمي كوربين الطامح للقفز على السلطة في أقرب وقت ممكن.

الحزب فوق الدولة

Thumbnail

يقول خبراء إن طبيعة الجغرافيا الاقتصادية البريطانية جعلت الحل الأمثل بالنسبة لبريطانيا هو القبول بترتيب طويل المدى يضمن التوصل إلى منطقة تجارة حرة مع أوروبا، في مثال على الاتفاق الذي يحكم العلاقات الأوروبية مع النرويج.

وتكمن المشكلة في مسودة الاتفاق التي قدمتها ماي في أنها تبقي الباب مفتوحا أمام هذا الخيار، لكنها أيضا لا تغلق الباب بشكل حاسم أمام إمكانية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون التوصل إلى اتفاق. ويعني ذلك أنه بحلول 29 مارس المقبل (الموعد الرسمي للخروج) تكدس المئات من الشاحنات القادمة من دول الاتحاد عند ميناء دوفر على الحدود البريطانية، وعودة الحدود الأيرلندية، بالإضافة إلى إرسال الأسطول الحربي البريطاني لحماية الشواطئ وتسيير دوريات مسلحة. ويكمن الخيار الثاني في التمسك ببقاء بريطانيا مؤقتا كجزء من الاتحاد الجمركي، وتجنب فوضى عارمة.

بوريس جونسون: بريكست سيجعل من بريطانيا دولة تابعة للاتحاد الأوروبي
بوريس جونسون: بريكست سيجعل من بريطانيا دولة تابعة للاتحاد الأوروبي

ويكشف ذلك أن السبب الرئيسي لاستقالة 7 من وزراء الحكومة البريطانية هو أنهم يدركون أنه لا يوجد خيار أفضل مما توصلت إليه ماي، وقرروا القفز من القارب حماية لمستقبلهم السياسي، بعدما أدركوا صعوبة قبول الرأي العام بالاتفاق.

ولم يبق في هذه الحالة حل أمام ماي سوى التعويل على دعم البرلمان بمختلف اتجاهاته السياسية. وسيتم ذلك في كل الأحوال عبر إقناع عدد كاف من نواب حزب العمال بالتصويت لصالح الاتفاق. وإذا لم يحدث ذلك، فلن يكون أمام ماي سوى الدعوة لانتخابات مبكرة أخرى تلجأ من خلالها للشعب، وتحاول أن تحصل بها على أغلبية تمكنها من تمرير الاتفاق في البرلمان.

وهذا بالضبط ما يسعى إليه كوربين على الجانب الآخر. وبإعلانه أن حزب العمال سيصوت ضد الاتفاق، وضع كوربين تيريزا ماي في الزاوية، وسحب من أمامها كل البدائل.

ويريد كوربين إجراء الانتخابات المبكرة، رغم تنامي الدعوات بين صفوف حزبه بالدعوة إلى استفتاء آخر قد يعزز هذه المرة إمكانية بقاء بريطانيا في الاتحاد.

وتكمن المفارقة في دعوة كوربين، ووزير بريكست في حكومة الظل العمالية سير كير ستارمر، المتكررة للبقاء كجزء من الاتحاد الجمركي. ومنح اتفاق ماي العماليين ما يطمحون إليه بالفعل.

لكن مشكلة كوربين لا تكمن حقا في الاتحاد الجمركي وتفاصيل الاتفاق، بقدر ما تتركز على إسقاط حكومة ماي وخوض انتخابات مبكرة قد تمكنه من تشكيل حكومة عمالية. وفي هذه الحالة سيخاطر كوربين بإمكانية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، إذ يظل تأجيل موعد الخروج لما بعد مارس المقبل أمرا معقدا للغاية.

جيرمي كوربين: حزب العمال سيصوت ضد اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي
جيرمي كوربين: حزب العمال سيصوت ضد اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي

وقد تصب خطط كوربين، في نهاية المطاف، في صالح ماي، إذ مازال أعضاء حزب المحافظين يدركون أنه لا يوجد قائد بديل عن ماي في هذه المرحلة. وسيجبر هذا الاعتقاد أعضاء الحزب لدعم ماي إذا ما شعروا أن حكومتها باتت على شفا الانهيار، عبر تصويت داخلي على زعامة الحزب، أو طرح العماليين الثقة في الحكومة من خلال البرلمان، أو عبر الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة تأتي من خارج الحزب.

والخميس، حذرت ماي من أن رفض الاتفاق سيقود بريطانيا إلى الخروج من دون التوصل لأي اتفاق، أو عدم حدوث بريكست. وهنا يكمن السيناريو الآخر، في الدعوة إلى استفتاء جديد.

لكن المشكلة تكمن في أن الموافقة على إجراء الاستفتاء مرتبطة بموعد الخروج النهائي المحدد في قانون أصدره البرلمان في وقت سابق من هذا العام، وحدد فيه مارس المقبل. وفي هذه الحالة تكون ماي هي الوحيدة التي تملك القرار بدعوة البرلمان لتعديل القانون، وتأجيل موعد الاستفتاء. وصرحت ماي في وقت سابق أنه “لا استفتاء جديدا” سيجرى على بريكست.

كما تكمن المشكلة أيضا في قانون آخر أقره البرلمان، ويقر بأنه إذا لم يتم تمرير الاتفاق النهائي (اتفاق ماي) فلا توجد خيارات أخرى سوى خروج بريطانيا من دون اتفاق. كما سيحتاج الأوروبيون للموافقة أيضا في حال ما قررت بريطانيا إجراء استفتاء آخر.

وينتظر قادة الدول الأوروبية بفارغ الصبر حل كل هذه التعقيدات التي قلبت الحياة السياسية البريطانية رأسا على عقب منذ إعلان ماي عن مشروع القانون هذا الأسبوع. وسيجتمع القادة الأوروبيون في قمة استثنائية لبحث البريكست في 25 نوفمبر الجاري. وفي حال إقرار مشروع الاتفاق، فمن المقرر أن يصوت البرلمان البريطاني عليه في مطلع ديسمبر.

7