اتفاق ترامب وبوتين: تقاطع مصالح يحيّد طهران

إستراتيجية أميركية بأهداف مزدوجة: ضرب إيران وإلهاء روسيا بالملف السوري، وتنسيق إسرائيلي أميركي روسي على أعلى مستوى.
السبت 2018/08/18
في صف المنتصرين إلى حد الآن

واشنطن – بقيت تفاصيل القمة التي جمعت في يوليو الماضي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي غامضة لم يكشف عنها الطرفان، إلا أن التصريحات التي يدلي بها الطرفان، كما المبادرات الأخيرة، خصوصا المتعلقة بالملف السوري، تقدم ملامح عن البعض مما جرى من اتفاقات.

في هذا السياق ينزّل الخبراء التسريب الجديد حول ما قيل إنه اتفاق بين ترامب وبوتين على ضرورة إخراج إيران من سوريا. ويعد التسريب الأميركي أول كشف شبه رسمي عن أحد أهم الملفات التي بحثتها هذه القمة.

وقالت مصادر أميركية مراقبة إن هذا الاتفاق، إن تم فعلا، فسيهدف من جهة إلى تكثيف الضغوط على طهران، ضمن سياق بدأ بإعلان ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، ويرمي من جهة أخرى إلى الضغط على موسكو للعمل على إنهاء النفوذ الإيراني في هذا البلد كشرط من شروط رعاية المجتمع الدولي للمقاربة الروسية في سوريا.

ونقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤول في إدارة الرئيس الأميركي أن هذا الأخير اتفق مع نظيره الروسي مبدئيا على ضرورة إخراج القوات الإيرانية من سوريا، مشيرة إلى لقاء قريب بين جون بولتون مستشار الرئيس دونالد ترامب للأمن القومي  ونظيره الروسي نيكولاي باتروشيف في جنيف للبحث في المعاهدات الخاصة بالحد من التسلح ودور إيران في سوريا.

 وذكر مسؤول بالإدارة الأميركية أن لقاء بولتون وباتروشيف في جنيف الاسبوع المقبل، سيكون تتمة لما دار بين ترامب وبوتين في هلسنكي في يوليو الماضي، مشيرا إلى أن القضية الرئيسية في محادثات ترامب وبوتين كانت الحرب في سوريا، بما في ذلك دور إيران هناك والوضع الإنساني في البلد الذي مزقه الصراع.

إحراج موسكو

ذكر المسؤول أنهما اتفقا من حيث المبدأ على ضرورة خروج الإيرانيين من سوريا وإن رأت روسيا أن ذلك سيكون مهمة شاقة. وسبق أن اتخذت موسكو تدابير وإجراءات لافتة في الشأن السوري بعد ذلك، لا سيما الاتفاق في جنوب سوريا علاوة على انتشار الشرطة العسكرية على الحدود مع إسرائيل وعلى تخوم إدلب، التي تصب في إطار تحجيم الوجود العسكري التابع لإيران في سوريا.

الإعلان الأميركي يمنح بوتين ورقة بإمكانه استخدامها لإقناع طهران بالاستجابة للرغبة الدولية في إخراج الميليشيات الأجنبية من سوريا

ويتساءل المراقبون عما يريد بوتين بيعه لترامب على الرغم من قناعته بصعوبة إخراج إيران من سوريا، وعن ماهية ما يدبر في الغرف المغلقة خصوصا ما يحتاجه بوتين مقابل تقديم تعهدات غير جدية للأميركيين حول إيران. ويرى المراقبون أن الإعلان الأميركي قد يهدف إلى إحراج موسكو والرئيس بوتين في معالجة العلاقات الروسية الإيرانية، لكنه في الوقت نفسه يمنح الرئيس الروسي ورقة بإمكانه استخدامها لإقناع طهران بالاستجابة للرغبة الدولية في إخراج كافة الميليشيات الأجنبية من سوريا بما فيها تلك التي تقودها طهران.

وتؤكد مصادر إسرائيلية أن التنسيق الإسرائيلي الأميركي الروسي بلغ أعلى المستويات ويمثل تقاطع مصالح ثلاثية لإخراج النفوذ الإيراني من سوريا.

وتقول هذه المصادر إن عدم استجابة موسكو لمطالب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بإخراج كافة الميليشيات الإيرانية من سوريا والاكتفاء بسحبها مسافة 85 كلم عن الحدود، وضع في إطار مرحلي سيتطور وفق خطة ضغوط دولية شاملة تربط الحل النهائي في سوريا بمسألة الانسحاب الإيراني الكامل من هذا البلد. ومثلما فرضت الضرورة التحالف بين الروس والإيرانيين في سوريا، تفرض المتغيرات في سوريا تحالفا شبيها بين واشنطن وموسكو التي بدأت تخشى من دور إيران في  سوريا بعد توضح الرؤية واستعادة النظام لجزء كبير من سيطرته على البلاد والاستعداد للدخول في مرحلة إعادة الإعمار وجني ثمار المشاركة في الحرب.

من هنا، لا يتوقع المراقبون أن تنزعج موسكو من الضغوط التي تمارسها واشنطن ضد طهران، مشيرين إلى أنها استفادت وغضت الطرف وربما رعت وباركت العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد أهداف تابعة لإيران في سوريا. وتتأمل موسكو باهتمام تطور الموقف بشأن نوعية الحضور الإيراني في سوريا، لكن تتعامل القيادة الروسية مع هذا الملف بتأن يجنب البلدين أي توتر في الوقت الراهن.

الحل السياسي

قبل أسبوعين فقط، أعلن الناطق بلسان وزارة الخارجية في طهران، بهرام قاسمي استعداد بلاده لمغادرة سوريا، إن استقرت الأوضاع الأمنية هناك و”تم القضاء على الإرهاب”. وكانت العواصم الغربية بعثت في الأسابيع الأخيرة بإشارات تؤكد على الحل السياسي في سوريا كشرط لبحث مسألة إعادة اللاجئين وإعادة الإعمار.

ورأى محللون أن العامل الإيراني في سوريا ليس عاملا مساعدا على إنتاج هذا الحل، وأن مطلب خروج القوات التابعة لإيران من هذا البلد، بات حاجة روسية قبل أن يكون حاجة دولية عامة. وكشف المحللون أن بوتين الذي يسعى للإطلالة على العالم من خلال الشرفة السورية تلقى في الأسابيع الأخيرة معطيات جديدة عن جهوزية العواصم الكبرى لتغطية الورشة الروسية للاهتداء إلى حل نهائي شرط إخراج إيران الكامل من هذا البلد.

أغلبية الأميركيين يعتبرون أن روسيا تشكل تهديدا أكبر على بلادهم، لكن للإدارة الأميركية نظرة أخرى معاكسة تماما

وتسعى طهران لمعاندة المزاج الدولي في هذا الشأن وجعل مسألة وجودها ورقة من أوراق التفاوض حول تفاهمات شاملة تتعلق بنفوذها في كل المنطقة. وتستخدم إيران دمشق لبعث رسائل في هذا الصدد. وكان نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد أعلن مؤخرا أن انسحاب أو بقاء القوات الإيرانية أو حزب الله المتواجدة في الأراضي السورية بدعوة من الحكومة، هو شأن يخص الحكومة السورية وحدها، وأن هذا الأمر غير مطروح للنقاش حاليا.

وتلفت مراجع أميركية متابعة إلى أن الإعلان عن اتفاق بين ترامب وبوتين حول ضرورة خروج إيران من سوريا، يأتي بعد تسريبات أخرى قبل أيام حول مصير القوات الأميركية في سوريا. ونقل عن مصادر دبلوماسية أميركية في هذا الإطار أن واشنطن قد حسمت أمر بقاء هذه القوات في سوريا.

ومن المرجح أن تتصاعد وتيرة الضغوط الدولية بشأن خروج إيران من سوريا وقد تأخذ أبعادا تتجاوز الثنائية الأميركية الروسية. ويأتي في هذا السياق عرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني “مساعدة فرنسية” لحفظ الأمن والاستقرار على الحدود الأردنية السورية.

يندرج هذا العرض ضمن اهتمام فرنسي قد تشارك به دول أخرى عشية الانتقال إلى الحل السياسي وإعادة الإعمار، لكن هذا الاهتمام الدولي الذي تحتاجه موسكو سيصطدم بمسألة النفوذ الإيراني في سوريا، وهو أمر ستضطر موسكو إلى معالجته.

6