اتفاق جنيف.. صفقة مصالح تغير موازين القوى في الشرق الأوسط

الثلاثاء 2013/11/26
عناق حار بين وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، يعكس مشقة الصفقة مع إيران وأهميتها

لندن -لم تكن الضجّة التي أعقبت المكالمة الهاتفية التي تمّت بين الرئيسين الأميركي والإيراني، على خلفية اجتماع الجمعية العامة للأمم المتّحدة، من فراغ، فكل ما أعقبها من تحاليل ودراسات واجتماعات، أثمرت نتائجه فجر الأحد الماضي في مدينة جنيف السويسرية حيث دارت المحادثات بين إيران مع مجموعة (5+1) حول البرنامج النووي الإيراني.

تلك المكالمة التي تحدّث خلالها باراك أوباما وحسن روحاني، هي أرفع اتصال بين البلدين منذ أكثر من 30 عاما، كشفت عن ملامح تقارب أميركي إيراني، في سياسة شبّهها مراقبون بالصفقة، فيما اعتبرها آخرون محاولات من الرئيس الإيراني لتخفيف الضغوطات على إيران التي تشهد وضعا داخليا متفجّرا.

منذ توليه رئاسة إيران، خلفا لأحمدي نجاد، المعروف بعدائه لأميركا، بدت العلاقة بين حسن روحاني، "المعتدل"، والغرب، بكل المقاييس، جيّدة نوعا ما، مقارنة بالسنوات السابقة، على أمل أن تتوخّى طهران، في عهد الرئيس حسن روحاني، الذي يركّز أكثر على إصلاح الوضع الاقتصادي المتردي داخل إيران، مقاربة أكثر اعتدالا وبراغماتية تجاه الأزمة النووية. فروحاني، الذي شغل منصب كبير المفاوضين النوويين، يدرك أن إصلاح الاقتصاد الإيراني المأزوم يمرّ بالضرورة بالغرب، ولن يصلح حال البلاد إلا بحلّ العقوبات الاقتصادية الدولية التي قصمت ظهر إيران.

منذ تلك المكالمة، التي يعود تاريخها إلى شهر سبتمبر-أيلول الماضي، شهدت الساحة السياسية العالمية أحاديث كثيرة حول تغيّر السياسة الأميركية تجاه إيران وتأثير ذلك على منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج، كما أدلت إسرائيل بدلوها وحذّرت من خطورة "التصالح" الأميركي مع إيران، وأن السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي ستكون نتيجته حربا نووية مدمرة في الشرق الأوسط.

التحذيرات الإسرائيلية وصلت ذروتها إثر الإعلان عن الاتفاق الذي أمضته طهران مع الدول الست الكبرى بخصوص البرنامج النووي الإيراني. يقضي هذا الاتفاق "الحدث" بالحد من برنامج إيران النووي مقابل تخفيف محدود في العقوبات، فيما قد يكون مؤشرا أوليا لتقارب بين الجمهورية الإسلامية والغرب.

جرى التوصل إلى اتفاق بعد مفاوضات استمرت أربعة أيام في جنيف بين إيران والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والصين وروسيا. والاتفاق الذي يوقف أكثر أنشطة إيران النووية حساسية عبارة عن حزمة خطوات لبناء الثقة من أجل تخفيف عقود من التوتر والمواجهة وإبعاد شبح اندلاع حرب في الشرق الأوسط بسبب طموحات طهران النووية.


حقوق إيران النووية


قال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن الاتفاق "يعترف بحقوق إيران النووية" بالسماح لها بمواصلة تخصيب اليورانيوم مضيفا أن أنشطة التخصيب الإيرانية ستستمر كما كانت من قبل.

5 في المئة النسبة المسموحة لإيران لتخصيب اليورانيوم

من جانبها علّقت تريتا بارسي، رئيس المجلس الوطني الإيراني-الأميركي قائلة إن "الدبلوماسية أبعدت الولايات المتحدة وإيران عن شفا حرب كارثية ووضعت البلدين على أعتاب مسار أكثر إشراقا واستدامة إلى الأمام".

ووفقا لتفاصيل الاتفاق تلتزم طهران بوقف تخصيب اليورانيوم مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها وعدم فرض أية عقوبات جديدة لمدة ستة أشهر إذا تمسكت بهذا الاتفاق. وقال مراقبون إنه بالوصول إلى هذه الخطوة، بعد مباحثات استمرّت لسنوات، يكون الجميع (إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بالإضافة إلى ألمانيا) قد تغلّب على العقبات المتبقية للتوصل إلى اتفاق، رغم الضغوط القوية من إسرائيل وجماعات الضغط في أميركا لعدم التوصل إلى نتائج ملموسة. وبموجب الاتفاق المؤقت سيسمح لطهران بالوصول إلى 4.2 مليارات دولار من الأموال المجمدة كجزء من العقوبات المالية المفروضة عليها بسبب الشكوك في أن برنامجها النووي يهدف إلى إنتاج قنبلة ذرية. في المقابل وافقت إيران على وقف تخصيب اليورانيوم، ولكن سوف تستمر في إثراء مشروعها النووي بدرجة 5 في المئة وتصل إلى 20 في المئة بعد ستة أشهر مع ضرورة وقف بناء أجهزة الطرد المركزي النووية، وعدم التوسع في منشآتها النووية.

ما من شك في أن الاتفاق على الحد من أنشطة تخصيب اليورانيوم الإيرانية، وليس إلغاء تلك الأنشطة التي يقول الغرب إنها تهدف إلى صنع قنبلة، سيكون له تداعيات تتجاوز مسألة الانتشار النووي في منطقة حيوية ومهمة لإمدادات النفط العالمية.


مصدر قلق


من ثم فإن هذا الاتفاق يعني بالنسبة إلى بعض الدول الخليجية، التي تعتبر طهران مصدرا للقلق في المنطقة وكذا إسرائيل التي تعتبر طهران تهديدا قاتلا ،أنهم فشلوا في إثناء واشنطن عن السير في طريق يخشون نهايته في ظل عدم ثقتهم في الجمهورية الإسلامية.

ويقول معارضو الاتفاق إن إيران ستزداد ثراء وقوة بتخفيف العقوبات التي خنقت اقتصادها والإلغاء التدريجي لها، الأمر الذي يشجع حكامها الإسلاميين على تكثيف دعمهم لحلفائهم الشيعة في الدول العربية.

لكن من ناحية أخرى يقول مؤيدو الاتفاق إن التقارب بين قوتين ظلتا على خلاف لفترة طويلة جدا قد يساهم في إعادة الاستقرار إلى منطقة تعاني من الاضطرابات ويحدّ من الاحتقان الطائفي الذي دفع بالشيعة والسنة إلى أتون مواجهات دامية.

ويبدو أن انعدام الثقة كان شعورا متبادلا بين الجانبين مثلما كان في الأزمة بين الغرب والاتحاد السوفيتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية. فالعلاقات الرسمية مازالت مقطوعة بين الولايات المتحدة وإيران منذ عام 1980 بعد أن احتل طلاب إيرانيون السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا 52 دبلوماسيا رهينة احتجاجا على استقبال الولايات المتحدة للشاه السابق بعد الإطاحة به في الثورة الإسلامية.

أبرز نقاط الاتفاق بين إيران ومجموعة 5+1
على إيران أن:

*تحتفظ بنصف مخزون اليورانيوم الموجود حاليا والمخصب بنسبة 20 بالمئة على شكل أوكسيد يورانيوم لصنع الوقود الخاص بمفاعل البحث المدني الإيراني

* تعالج نصف المخزون الثاني ليصبح تخصيبه بنسبة أقل من 5 بالمئة

*تعلن أنها لن تخصب اليورانيوم إلى ما فوق 5 بالمئة خلال ستة أشهر

*توقف كل النشاطات في مصنع "نطنز" و"فوردو" ومفاعل" آراك" الذي يعمل بالماء الثقيل

* لا تهيئ مواقع تخصيب جديدة ولا تبني منشآت قادرة على المعالجة

* تسلم معلومات مفصلة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتضمن تصاميم المنشآت النووية ووصفا لكل مبنى. وتقدم معلومات عن عمل مفاعل "آراك"

تلتزم الدول العظمى الست بـ:

*تعليق الجهود لفرض مزيد من الخفض على مبيعات إيران من النفط الخام ما يتيح للزبائن الحاليين لإيران مواصلة شرائه بالمعدلات نفسها

* تعليق العقوبات الأميركية حول صناعة السيارات في إيران وحول الخدمات المرتبطة بها

*لاعقوبات جديدة من مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مرتبطة بالنووي *إقامة نظام تمويل يتيح التجارة الإنسانية لتلبية حاجات إيران

* تعليق عقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول الذهب والمعادن الثمينة والخدمات المرتبطة بهما، وحول الصادرات البتروكيميائية الإيرانية والخدمات المرتبطة بها

وبعد أن ضعفت دول عربية تمثل مراكز قوى تاريخية، مثل مصر وسوريا والعراق، بسبب الانتفاضات والصراعات الطائفية بدا فتح صفحة جديدة مع إيران مكسبا مغريا للإدارة الأميركية التي تسعى إلى تحقيق نجاح في سياستها الخارجية. ووصف رامي خوري، من الجامعة الأميركية في بيروت، الاتفاق المؤقت الذي يحدّ من أنشطة إيران النووية بأنه "أمر جيد للغاية" يمكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى تقارب نظام رجال الدين في إيران مع الدول الخليجية المتحالفة مع الولايات المتحدة.

وقال خوري "إذا استمرت المفاوضات وحققت نتائج ورفعت العقوبات تدريجيا سينتعش اقتصاد إيران وستنمو حركتها الليبرالية في النهاية وأعتقد أننا سنشهد تقدما اجتماعيا وسياسيا في البلاد بالتدريج".

وأضاف "أما على المدى القصير فيشجع ذلك على التعاون بين الولايات المتحدة وإيران سعيا إلى التوصل إلى اتفاق مع سوريا ووقف أعمال العنف الدائرة هناك. هناك الآن تهديد مشترك متصاعد ألا وهو (المتشددون السنة) الذين سيهاجمون الإيرانيين والولايات المتحدة – كما شهدنا – ومن ثم صاروا الآن عدوا للجميع".


موقف الخليج العربي


يتوقع بعض الخبراء أن تحاول الدول الخليجية وتضع إستراتيجية دبلوماسية وأمنية مع الدول التي تتفق مع موقفها للحد من آثار تصاعد القوة الإقليمية لإيران.

ولعلّ من بين المخاوف الرئيسية التي تساور قادة دول الخليج هو اعتقادهم بأن المسؤولين الإيرانيين المعتدلين الذين تفاوضوا على الاتفاق النووي ليسوا هم المتشددين المسؤولين عما يعتبرونه تدخّلا شيعيا في الدول العربية السنية. ومازالت هذه القوى تهيمن على الحرس الثوري وأجهزة المخابرات.وتسوق الدول الخليجية مثالا على ذلك الدعم الإيراني للرئيس السوري بشار الأسد الذي يشن حربا منذ عامين ونصف العام على المعارضين الذين ينتمي معظمهم إلى السنة. ودول الخليج من بين الأطراف الداعمة للمعارضين السوريين.

وقال مسؤول خليجي كبير مطلع على موقف الحكومة السعودية إن موقف المملكة ما زال محكوما بمشاعر "الارتياب" إلى حد بعيد استنادا إلى تدخل إيران في سوريا واليمن والبحرين. وأضاف "أبرمنا الكثير من الاتفاقات معهم وتلقينا منهم وعودا كثيرة في السابق. نأمل الآن أن نرى عملية تصحيح في هذا الاتفاق".

ويعتقد الكثير من الخليجيين أن الضرورات التجارية التي دفعت الولايات المتحدة إلى التعاون معهم على مدى عقود تشبه تلك التي تدفعها للتواصل مع طهران.

وقال عبد اللطيف الملحم، العميد السابق بالبحرية السعودية، الذي يعمل حاليا معلقا في إحدى الصحف، إن الولايات المتحدة يهمها مصالحها وإيران سوق مربحة وتحتاج إلى إعادة بناء الكثير من البنى التحتية مما قد يدر مليارات الدولارات على شركات النفط الأميركية والبريطانية.

علاوة على ذلك ثار قلق بعض الدول الخليجية من أن يؤدي اعتماد الولايات المتحدة المتزايد على نفسها في مجال الطاقة بفضل مخزوناتها المحلية من الغاز الصخري إلى جعل واشنطن أقل التزاما بحماية مضيق هرمز الذي تمر منه 40 بالمئة من صادرات النفط العالمية المنقولة بحرا.

وقال سامي الفرج، المستشار الأمني لدى مجلس التعاون الخليجي، إن الحكومات الخليجية ستعمل الآن على الصعيدين الدبلوماسي والأمني لضمان تمتعها بالحماية الكافية من تجدد أي طموحات إيرانية. وقد يساعد تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران الأسد في سوريا.

وقال شادي حميد، من مركز بروكنغز الدوحة للأبحاث "الآن قل احتمال ممارسة الولايات المتحدة ضغوطا كبيرة على إيران بخصوص دعمها لنظام الأسد أثناء المفاوضات". وأضاف "من الواضح أن تركيز انتباه الجميع على إيران يوفر غطاء للأسد ليفعل ما يريد إلى حد كبير".

وقلل ايميل هوكايم، من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، من فكرة أن تتعاون إسرائيل والدول الخليجية في تبني أية طريقة ممنهجة ضد إيران. وأوضح قائلا "إنه مجرد التقاء مصالح وليس تحالفا".

7