اتفاق جنيف على مسارات مرتبكة بين نجاح "كامب ديفيد" وفشل "أوسلو"

الأربعاء 2013/12/18
التفاعلات المصاحبة لاتفاق جنيف تجعله بعيدا عن تحقيق نتائج «كامب ديفيد»

لندن - قد يبدو منذ الوهلة الأولى أن الاتفاق الذي وقعت عليه إيران مع القوى الكبرى في جنيف في ما يتعلق ببرنامجها النووي نجاحا دبلوماسيا تاريخيا، لكنه يظل، كما اتفاق أوسلو ومن قبله كامب ديفيد، مؤقتا لم يتطرق إلى مجموعة كبيرة من القضايا الأساسية الحاسمة، التي تضع أمامه الكثير من العراقيل، وقد تؤدي إلى فشل التوصل إلى أية نتائج ملموسة في النهاية.

ويبقى اتفاق كامب ديفيد النموذج الأمثل الذي يمكن من خلاله الاعتقاد بسهولة التوصل إلى اتجاهات جديدة من التوافق.

على الجانب الآخر، يبرز اتفاق أوسلو إمكانية فشل “جنيف” من خلال إتاحة الفرصة أمام القوى المناهضة له للتدخل، والمساهمة في تحويل الاتفاق عن مساره الصحيح، وهو ما يتضح داخل إطار المساومة أن اتفاق جنيف قد دخل أنفاقه المظلمة، وفي الخطوات التي يسير بها الاتفاق.

فإذا تم قياس اتفاق جنيف الأخير على مقاييس كامب ديفيد، فإن مصر ظلت لعقود طويلة تمثل التهديد العسكري الأخطر على إسرائيل، ومسمار العجلة في النظام العربي العام، نستخلص أن كافة المحللين السياسيين، خلال حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، نظروا إلى اتفاق تعاون وتنسيق أمني طويل المدى بين مصر وإسرائيل على أنه فكرة لا يمكن تخيلها، فضلا عن تحقيقها. وهو ما يجعل من اتفاق كامب ديفيد محور بناء المنهج الذي يقوم على الاعتقاد بأن التحول الراديكالي في التوجهات الاستراتيجية للخصوم الدوليين أو الإقليميين ممكن الحدوث، وبمجرد التوصل إليه من السهل بعد ذلك أن يصير أمرا اعتياديا.


نموذج كامب ديفيد المثالي


انطلقت المفاوضات التي جرت في كامب ديفيد بالولايات المتحدة الأميركية عام 1978، استنادا على جذور ظهرت ملامحها خلال مباحثات وقف إطلاق النار التي سبقتها، وأعقبت انتهاء حرب أكتوبر 1973. لكن النافذة الحقيقية التي فتحت الطريق أمام جلوس الأطراف المتصارعة على مائدة تلك المفاوضات تبلورت في قرار الرئيس المصري الأسبق أنور السادات بزيارة الكنيست الإسرائيلي، وإلقاء خطاب أمام أعضائه. وانطلاقا من نفس الظروف والأجواء المحيطة باتفاق جنيف اليوم، كانت القيادات السياسية على الجانبين ترغب في التوصل إلى اتفاق بينهما، رغم المعارضة الشديدة التي واجهتهما على المستويين الإقليمي والداخلي.

أدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، مناحم بيجين، أن التوصل إلى سلام حقيقي مع مصر سيضمن أمن إسرائيل على المدى البعيد. في ذات الوقت كان السادات يسعى جاهدا لتقوية تحالفه الجديد مع واشنطن، ضمن منظومة تحالفاتها في منطقة الشرق الأوسط، بقيادة إسرائيل.

وسرعان ما أتى الاتفاق، الذي لعبت الولايات المتحدة دورا كبيرا في إنجازه بثماره. فقد توغلت مصر في منظومة حلفاء واشنطن في المنطقة، واستعادت سريعا عضويتها في الجامعة العربية، بعد أن حرمت منها لسنوات قليلة، فضلا عن أن إسرائيل لم تعد قلقة بشأن أي خطر عسكري قد يكون مصدره الجبهة المصرية، ودخل التنسيق الأمني بين الجانبين مراحل متطورة بهدف الحفاظ على استقرار المنطقة.

على الجانب الآخر، صاحبت إبعاد مصر من المعادلة السياسية العربية آثار سلبية لم تكن متوقعة، ولم يعد العالم العربي برمته قادرا على التماسك أو القيام بمهامه، خاصة بعد أن بدأ حلم الفلسطينيين بالتوصل إلى دولة فلسطينية يتبدد. حاول صدام حسين ملء فراغ القيادة في المنطقة، وربما جاءت هذه الرغبة بمثابة الدافع الرئيسي من وراء قراره يشن الحرب ضد إيران عام 1980، وفي نفس الوقت بدأت حالة من توازن القوى بين القاهرة والخليج تتشكل ملامحها.

ويعتقد الكثيرون أن معاهدة السلام مع مصر هي العامل الرئيسي الذي شجع تل أبيب أيضا على اتخاذ قرارها الكارثي بغزو لبنان عام 1982.

ولكن، في جميع الأحوال، بقيت معاهدة كامب ديفيد في إطار السلام البارد والمرتبك، رغم صلابته على مستوى المصالح العليا والتعاون لإرساء الأمن الإقليمي، ولكن لم يتمكن من لعب دور في تغيير الهوية والخطاب السياسيين العربيين على الإطلاق.

هل تكرر طهران تجربة القاهرة مع واشنطن


سير "جنيف" على طريق "أوسلو"


في المقابل، يظل وجه الشبه كبيرا بين اتفاق جنيف واتفاق أوسلو، عند وضعه في مثلث أضلاعه الاتفاقات التاريخية الثلاثة. فمباحثات جنيف أسفرت في النهاية عن اتفاق مؤقت مدته ستة أشهر فقط، كمقدمة تفتح المجال أمام جميع الأطراف لتقديم حسن النوايا، وخلق زخم عام يفضي إلى اتفاق نهائي أكثر صعوبة حول القضية برمتها. هذا هو بالضبط مضمون الإستراتيجية التي تبنتها الإدارة الأميركية في أوسلو، وهو ما يعرف بـ “استراتيجية الاتفاقات المؤقتة” التي تساهم في تعبيد الطريق نحو اتفاق نهائي.

لكن هذا النوع من الاتفاقات لا يصمد إلى النهاية في أحيان كثيرة. فبعد توقيع اتفاق أوسلو ساهمت المشاحنات والخطب العدائية في تدمير أركان التعاون بين الإسرائيليين والفلسطينيين بعد أشهر قليلة من بنائها، وزاد معدل الاستيطان الإسرائيلي، وتصاعدت حدة الهجمات الانتحارية من قبل الفصائل الفلسطينية داخل إسرائيل، ومن ثم لم يعد أحد يتمسك بالجداول الزمنية التي حددها الاتفاق، وعمت حالة إحباط واسعة لدى العامة من الطرفين.

لكن، على ما يبدو أن المشاركين في مؤتمر جنيف الأخير لم يتعلموا الدرس من اتفاق أوسلو، فمن الواضح أن المناورات السياسية التي صاحبت الاتفاق وأعقبت التوقيع عليه تخفي بين طياتها الكثير من بؤر التوتر التي قد تؤدي في النهاية إلى تقويض الثقة بين الطرفين. بينما سيظل أولئك الذين يوصفون بالاعتدال، ويسعون إلى تحقيق نتائج ملموسة في النهاية، تحت ضغط المتشددين من الجانبين للحديث عن الإنجازات التي تم التوصل إليها بموجب الاتفاق، والتقليل من التنازلات التي حصل الجانب الآخر على مكاسب من خلالها، وبالتالي كلما اختار رجال باراك أوباما وحسن روحاني السير أبعد في هذا الطريق، كلما اقتربت لحظة تفجير الموقف برمته.

تواريخ هامة في الصراع مع إسرائيل
5 يونيو 1967 اجتياح إسرائيل للأراضي العربية فيما عرف بـ "النكسة"

6 أكتوبر 1973 نجاح الجيش المصري في تحرير أجزاء كبيرة من سيناء

19 نوفمبر 1977 زيارة السادات للكنيست الإسرائيلي

17 سبتمبر 1978 التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل

26 مارس 1979 وقع الجانبان على معاهدة السلام بينهما

13 سبتمبر 1993 التوقيع على اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية

على الجانب الآخر، لن يجد معارضو الاتفاق المتشددون صعوبة في العثور على ثغرات عميقة تمكنهم من ضرب مساعي المعتدلين. فبعد مرور نحو أسبوعين فقط على العودة من جنيف، بدأ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف رسم الخط الذي ينبغي أن يسير عليه أعضاء الكونغرس الأميركي، في تجنب فرض أية عقوبات جديدة على طهران، وهي التصريحات التي تتضح من خلالها الكيفية التي سيكون عليها التعامل المبدئي للحرس الثوري الإيراني مع بعثات المفتشين عن المنشآت النووية المنتظر وصولها إلى إيران، إلى جانب الجهود التي من المتوقع أن تبذلها إسرائيل وأيضا دول الخليج لإفشال هذا الاتفاق، أو عرقلته على أقل تقدير.

في هذه الأجواء المحتقنة تتزايد أهمية الخطب الصادرة عن السياسيين، والتصريحات المنشورة في وسائل الإعلام، وتصعد السلبيات فوق الإيجابيات، وتستدعى الحساسيات التاريخية، وأزمات الثقة بين الجانبين.

قد يكون على واشنطن وطهران التنبه، خلال الستة أشهر القادمة، إلى هذه المحاولات، وتركيز الثقل على النقاط التي قد يصاحبها غياب الثقة المتبادلة، دون النظر إلى تحقيق مكاسب تفاوضية قصيرة المدى، أو استهداف مواقف سياسية داخلية قد تزعزع الثقة لدى الطرف الآخر.

ومن ثم، ينبغي أن تحظى الدبلوماسية العامة والمعلنة، التي تهدف إلى الحفاظ على سير القطار على سكته، على نفس الاهتمام الذي توليه الحكومتان للمفاوضات نفسها.

إذن يبقى الحل الوحيد لإنجاح هذه المفاوضات هو تعلم الدرس من أوسلو، والتشبث بنتائج كامب ديفيد، كرهان على أن النجاح ليس مستحيلا، وإنما قبل كل ذلك يحتاج فقط إلى محاولة.

7