اتفاق جنيف.. فتح الباب لإيران وأغلقه أمام فلسطين

السبت 2013/11/30
كيري يهرول إلى إسرائيل مطلع شهر ديسمبر لرأب صدع اتفاق جنيف بشأن إيران

سبب توقيع اتفاق جنيف بين إيران والمجتمع الدولي صدمة سياسية في إسرائيل، التي لم يتوقع ساستها أن يتم تقارب الجمهورية الإسلامية والغرب على خلفية برنامجها النووي الذي لا يزال مصدر قلق لها، وسط تخوفات من أن يكون هذا التقارب حجة إسرائيلية جديدة لعرقلة المفاوضات الدائرة مع الجانب الفلسطيني برعاية أميركية، خاصة وأن الإسرائيليين الآن يبحثون عن ضمانات بعد "الخطأ التاريخي" الذي ارتكبه حليفهم الأول ومن بعده الدول الغربية، حسب ما صرح به رئيس الوزراء نتنياهو.

ويتولى جون كيري رعاية استئناف محادثات السلام المباشرة التي بدأت في نهاية تموز- يوليو بين إسرائيل والفلسطينيين، لكن هذه المفاوضات السلمية التي يفترض أن تستمر تسعة أشهر تواجه عراقيل أمام تواصل سياسة الاستيطان الإسرائيلية رغم تهديد الجانب الفلسطيني بالانسحاب منها مرارا.

وبعد التوقيع على اتفاق جنيف، يظل احتمال تأثر المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية الحالية قائما، كون إسرائيل تريد رد الصفعة للولايات المتحدة الأميركية التي ترعى المفاوضات، ولإيران كونها تمثل تهديدا حقيقيا لبقاء إسرائيل القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط.


إفشال المحادثات


رغم أنه لا توجد علاقة مباشرة بين الملف النووي الإيراني والقضية الفلسطينية، لكن في الواقع التوقيع على الاتفاق خصوصا في ظل معارضة شعبية وسياسية داخل المجتمع الإسرائيلي يضع علاقة إسرائيل مع حليفها الأكبر أميركا في وضع صعب من استئناف المحادثات أو الخروج بنتائج أفضل في المستقبل. من المفترض أن تكون المحادثات التمهيدية التي تجرى حاليا في جنيف بين الفلسطينيين والإسرائيليين مقدمة حقيقة لإفساح المجال لمحادثات سلام محددة، والوصول إلى تسوية نهائية. ويقول مراقبون إنه بعد التناغم السياسي بين واشنطن وطهران فإن المؤشرات تدل على أن إسرائيل تنتظر اللحظة المناسبة لإفشال المحادثات.

رغم إعلان الجانب الأميركي أن هذا الاتفاق لن يغير التزام واشنطن الأبدي تجاه أمن إسرائيل، إلا أن ذلك لم يمنع الإسرائيليين من إطلاق موجة انتقادات حادة للإدارة الأميركية، حيث وجهوا إدانات قاسية ضد باراك أوباما الذي لم يلتفت إليها بعد أن مضى في طريقه نحو التسوية المؤقتة لمدة ستة أشهر مع إيران في ما يخص برنامجها النووي. وتغاضت واشنطن عن اعتراضات إسرائيل بشأن مخاوفها من إتمام الصفقة مع طهران، مما جعل بوادر التوتر تطفو على العلاقات السياسية بين البلدين.

في هذا الصدد يشير مصطفى اللباد رئيس مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية، إلى أن الإدارة الأميركية لديها اعتقاد كامل بأن إسرائيل ستحاول إصلاح علاقاتها مع الرئيس باراك أوباما، خاصة بعد أن مضى في طريقه نحو التسوية المؤقتة لمدة ستة أشهر مع إيران في ما يخص برنامجها النووي.

وأوضح أن إدارة أوباما تأمل في تغيير اللهجة الإسرائيلية العدوانية ضد البيت الأبيض، وألا يؤدي الاتفاق مع إيران إلى رد استفزازي من إسرائيل على المحادثات الجارية بشأن عملية السلام مع الفلسطينيين لإفشال المفاوضات.

لذلك تم الإعلان عن الزيارة التي سيؤديها وزير الخارجية الأميركي جون كيري للأراضي الفلسطينية و إسرائيل في محاولة لتهدئة التوتر مع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، ولبحث مجموعة ملفات بينها إيران والمفاوضات مع الفلسطينيين. ويضيف اللباد أن الإدارة الأميركية تدخلت سريعا لفصل غضب رئيس الوزراء نتانياهو عن صفقة إيران والاستمرار في المحادثات وتقديم تنازلات للفلسطينيين.

واشنطن قد تتخذ إجراءات صارمة لإجبار الإسرائيليين على المضي قدما في عملية السلام

ويسود اعتقاد لدى الفلسطينيين بأن قضيتهم من الوارد أن تكون ضحية صفقة الاتفاق بين إيران والقوى العالمية، نظرا إلى وجود اعتراضات قوية من إسرائيل ورفضها الامتثال لما تم الاتفاق عليه، ويمكن أن تستخدم إسرائيل القضية الفلسطينية كورقة مساومة مع أميركا في محاولة لمعرفة نوايا طهران من الالتزام بما تم الاتفاق عليه مثل وقف تخصيب اليورانيوم وغيره من الشروط لإثبات أن برنامجها النووي لأغراض سلمية وليس عسكرية، خاصة وأنها أصبحت تبحث عن ضمانات والمعلوم أن الدولة العبرية ترى في الجمهورية الإسلامية تهديدا لوجودها.


إسرائيل ضد واشنطن


بعد التوقيع على الاتفاق ترسخ في عقول الإسرائيليين أن القوى الدولية قد تخلت عنها وفشلت في احترام مخاوفها إزاء إيران. ويرى حازم حسني أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن الصدع الحالي بين إسرائيل وأميركا لم يسبق له مثيل. ففي السابق لم يكن هناك وضع يسمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بأن يتكلم بصوت عال مع هذه الشراسة اللفظية ضد الإدارة الأميركية، مما يجعل هناك حالة من انعدام الثقة من جانب إسرائيل ضد واشنطن بعد أن اتفقت مع الجانب الإيراني بمفردها دون وضع أمن إسرائيل قيد الاهتمام. وأوضح أن مسألة الثقة سوف تنزف بشكل متزايد في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية الجارية في جنيف، وقد يتم تضخيم المشاكل هناك حتى لا يحصل الفلسطينيون على السيادة على أجزاء كثيرة من دولتهم المستقبلية.

ويضيف "من الصعب أن نتصور كيف ستقبل إسرائيل ضمانات أميركية للحماية في ما يتعلق بجيرانها الفلسطينيين والعرب، خاصةً وأنها غير مقتنعة بأن الصفقة الإيرانية ستجعل إسرائيل أكثر أمنا، ومن حيث الفترة الزمنية فإن اتفاقا مؤقتا لمدة ستة أشهر بين طهران والقوى الدولية، سيجعل إسرائيل توقف التزاماتها مع السلطة الفلسطينية وتجميد إجراء محادثات سلام وجها لوجه وتعليق أي تقدم قبل نهاية الفترة الانتقالية مع الإيرانيين".

واختلفت التوجهات في ما ستتخذه إسرائيل من خطوات مستقبلية مع تغير المعطيات على الواقع وإن كان هناك احتمال في أن تتخذ واشنطن إجراءات صارمة لإجبار الإسرائيليين على المضي قدما في عملية السلام باعتبارها الحليف الإستراتيجي الأكبر لها، وهي إشارة إلى الإسرائيليين بأن السياسية الخارجية تتغير حسب المصالح المشتركة للدول. في هذا السياق أكد جمال سلامة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن امتثال إيران لقرارات الأمم المتحدة أنهى عقودا من التوتر بين طهران والمجتمع الخارجي بأكمله، وما تم تحقيقه في جنيف مع إيران هو رسالة مهمة من أميركا إلى إسرائيل مفادها أن السلام مع الفلسطينيين هو الخيار الوحيد للشرق الأوسط.

7