اتفاق فتح وحماس: تحرك واقعي يأخذ المبادرة بعيدا عن العقلية القديمة

ستكون مباحثات الثلاثاء في القاهرة بين حركتي حماس وفتح النقطة الفاصلة لطي صفحة الانقسام الداخلي الفلسطيني وأزماته السياسية، سواء على مستوى خلافات فتح وحماس أو على مستوى الخلافات داخل فتح. وكانت الحكومة الفلسطينية أجلت اتخاذ القرارات المهمة الخاصة بالاستلام الكامل لمهام عملها ورفع الإجراءات العقابية التي اتخذها الرئيس عباس ضد غزة، في أعقاب تشكيل حماس للجنة الإدارية، إلى ما بعد اجتماع القاهرة، التي أشاد القيادي الفلسطيني محمد دحلان بدورها في الدفع نحو المصالحة الفلسطينية. وأبدى في لقاء إعلامي نادر له، مع وكالة رويترز تفاؤله بشأن الوحدة الفلسطينية وما سيأتي لاحقا.
الجمعة 2017/10/06
المصلحة واحدة

غزة – إلى حد اللحظات الأخيرة قبل الإعلان الرسمي عن المصالحة الفلسطينية وتثبيتها ميدانيا بزيارة رئيس الحكومة رامي الحمدالله إلى غزة، لم يكن أحد يتوقع أن الأمر سيحدث فعلا وسينتهي أخيرا الانقسام السياسي الذي طال. لكن، وصلت الأزمة بين فتح وحماس إلى مستوى فرض إما المراجعة والتغيير وتقديم التنازلات وإما انفجار سيقضي على دورهما معا في مسرح الحياة السياسية الفلسطينية.

ويلخّص محمد دحلان، الذي لعب دورا كبيرا بعيدا عن الأضواء لتحقيق الوحدة الفلسطينية، هذا التحول بقوله إن “علاج جراح الحرب الأهلية التي قسمت الفلسطينيين يمثل أولوية الآن”، داعيا في حوار مع وكالة رويترز حماس إلى “المزيد من الصبر لأن كل الأمور الخيرة قادمة في الطريق” بفضل الوساطة المصرية.

ولأول مرة منذ الانقسام الفلسطيني 2007 يشهد قطاع غزة اجتماعا مشتركا ضم قيادات من الضفة الغربية وقطاع غزة، في خطوة كان أكثر من باركها سكان غزة الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة حماس المسيطرة على القطاع وسندان الحكومة في رام الله التي قطعت عنهم الرواتب في سياق معاقبة حماس.

دور دحلان

تحدث دحلان عضو حركة فتح والذي كان في يوم من الأيام ألد خصوم حركة حماس التي سيطرت على قطاع غزة في حرب أهلية في 2007، بعد أن عقدت حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية أول اجتماع لها في القطاع منذ ثلاث سنوات، في تطور يجمع الفلسطينيون والسياسيون والمحللون على أنها دينامية مختلفة تماما على ما تعود عليه عموم المشهد السياسي الفلسطيني.

وتقول المحللة السياسية الفلسطينية نور عودة إن “ما جرى في اليومين الماضيين يختلف تماما عن محاولة المصالحة السابقة عندما منعت حركة حماس أعضاء حكومة الوفاق الوطني الذين زاروا غزة في 2014 من مغادرة فنادقهم”. وأضافت “إنها خطوات مهمة تساهم في إيجاد الظروف المؤاتية التي من شأنها الاستمرار والاتساع”.

ويقول مسؤولون على الجانبين الفلسطينيين وفي دول عربية إن دحلان الذي يقيم في الإمارات العربية المتحدة منذ 2011 يقف وراء تدفق مالي لدعم قطاع غزة وتحقيق الانفراجة بين حماس ودول عربية بينها مصر التي دفعت الحركة لحل اللجنة الإدارية التي كانت حكومة ظل في القطاع الشهر الماضي.

وقال دحلان، من أبوظبي في المقابلة التي أجريت بالهاتف، “هذا شرف لنا أننا نجحنا في أن تكون هناك هذه التفاهمات بين حركة حماس ومصر”. وأضاف أن علاقاته القوية مع الإمارات العربية المتحدة ساعدته في جمع مساعدات بلغت مئات الملايين من الدولارات للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية في السنوات العشر الماضية.

الفلسطينيون يرون اليوم أن لا ضرورة للتمسك بآمال الوحدة الفلسطينية حتى لو كانت وحدة هشة. ويبدون تفاؤلا بالتسويات السياسية وترتيب البيت الداخلي

وأوضح الرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي في غزة أنه لزم الصمت خلال جهود الوساطة لكنه قرر أن يتكلم بعد أن أتت ثمارها الآن. وأضاف أن مصر، التي اتهمت حماس بمساعدة إسلاميين متشددين ينشطون في شبه جزيرة سيناء عبر الحدود، عقدت اجتماعات مع مسؤولين كبار في الحركة التي تنفي مساعدة المتشددين. واتفق الجانبان على تعزيز الأمن على طول الحدود ومنع المتشددين من عبورها.

وأكّد دحلان أنه “دون مصالحة مع حماس وتفهم حماس لمطالب الأمن القومي المصري لن تكون هناك مصالحة (فلسطينية) جادة ولن يلعب أحد دورا فعالا غير مصر”. ورفض فكرة أن مصر تسعى مع السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى المصالحة الفلسطينية كجزء من حملة أميركية أوسع تبادر بها الولايات المتحدة من أجل اتفاق سلام إقليمي مع إسرائيل.

وقال “الفرص أمام ما أطلق عليه قضية القرن أو صفقة القرن هي صفر لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يريد سلاما وفرض أمرا واقعا من المستوطنات في الضفة والقدس. هناك 700 ألف مستوطن في الضفة والقدس وهذا فرض أمرا واقعا لا يطبق معه حل الدولتين”.

وأسس دحلان تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح في الآونة الأخيرة ليتحدى عباس الذي دخل عامه الثاني عشر في الفترة الرئاسية التي مدتها الرسمية أربع سنوات.

واعتبر دحلان، الذي يقيم في المنفى منذ 2011 بعد خلاف مع عباس، أن “الكرة في ملعب أبومازن ووقتما يريد نحن جاهزون”. وفي مسعى لتأكيد جدية الحكومة على المضي قدما، أكّد رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمدالله الخميس على المضي في مساعي تحقيق المصالحة الداخلية مع حركة حماس.

وأبلغ الحمدالله الصحافيين في غزة خلال جولات تفقدية له، بأن معارضة إسرائيل لتفاهمات المصالحة الفلسطينية لن تعيق تقدمها باعتبار أن المصالحة شأن داخلي ومصلحة فلسطينية. وأشار إلى أن إسرائيل كانت تتذرع دائما بالانقسام الفلسطيني الداخلي لإعاقة أي تقدم جدي في عملية السلام، مشددا على أنه لا دولة فلسطينية من دون قطاع غزة.

وتستضيف القاهرة مسؤولين من حماس وفتح الثلاثاء المقبل لإجراء المزيد من المحادثات حول تقاسم السلطة وإجراء الانتخابات التي طال تأجيلها بسبب النزاع الداخلي جعل الذي الطبقة السياسية لم تعد في موضع ثقة الشعب الفلسطيني. ومع وصول انعدام الثقة إلى درجات مخيفة كان لزاما التغاضي عن ملفات وتأجيل قضايا وتقديم المصالحة، حتى وإن لم تكن هناك ثقة عمياء في التزام حماس على المدى الطويل، باعتبار ارتباطها بداعمين خارجيين، تركيا وإيران وقطر، وبالنظر إلى انتماءاتها الإخوانية.

محمد دحلان: علاج جراح الحرب التي قسمت الفلسطينيين يمثل أولوية… ودون مصالحة مع حماس وتفهم لمطالب الأمن القومي المصري لن تكون هناك مصالحة جادة

وحدة هشة أفضل من انقسام قاتل

من القضايا الشائكة المعلقة في المصالحة مصير عشرات الآلاف من الموظفين الذين وظفتهم حماس في غزة في عام 2007. وتسببت هذه القضية في إجهاض جهود المصالحة السابقة.

وتنتظر حماس أيضا أن يقوم الرئيس الفلسطيني برفع الإجراءات العقابية التي فرضها خلال الأشهر الماضية على غزة، وبينها وقف التحويلات المالية إلى القطاع، وخفض رواتب موظفي السلطة هناك، والتوقف عن دفع فاتورة الكهرباء التي تزود بها إسرائيل القطاع، بالإضافة إلى تحديد عدد التصاريح الطبية التي تسمح لسكان غزة بتلقي العلاج خارج القطاع المحاصر. وحول هذا، قال عباس “عندما تتمكن الحكومة من استلام مهامها تعود الميزانية كما كانت”، مؤكدا أنه يجب أن تستلم الحكومة “كل شيء” في قطاع غزة.

وسيبحث اجتماع القاهرة القضايا الرئيسية. وأكثر القضايا إثارة للجدل هي السيطرة على الأمن في قطاع غزة. لكن، لا يتوقع المراقبون أن يكون ملف سلاح حماس قضية محورية، على الأقل في المرحلة الأولى من المصالحة والتسوية، ومادام هذا السلاح موجها لـ”المقاومة”.

وتملك حماس جناحا عسكريا يضم قرابة 25 ألف مقاتل. ويبقى السؤال إن كانت مستعدة لتسليم أسلحتها إلى السلطة الوطنية؟ وكرر مسؤولون كبار في الحركة إن الأمر غير مطروح للنقاش، فيما حذر الرئيس الفلسطيني محمود عباس من أنه لن يقبل “تجربة حزب الله في لبنان”.

يرى الفلسطينيون اليوم أن لا ضرورة للتمسك بآمال الوحدة الفلسطينية حتى لو كانت وحدة هشة. ويبدون تفاؤلا بالتسويات السياسية وترتيب البيت الداخلي وإعادة بناء النظام السياسي، كمرحلة أولى نحو المطالبة بالدولة الفلسطينية، فكيف يمكن إقناع المجتمع الدولي بهذا المطلب فيما كانت مقومات الدولة منعدمة، والوضع يصب في صالح الإسرائيليين.

وحول المفاوضات مع إسرائيل التي انهارت في 2014 بسبب مسائل منها الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة والمصالحة بين فتح وحماس قال “الوضع الفلسطيني الداخلي الآن أهم وأقدس وأجدى مما يسمى مفاوضات”، مشيرا إلى “اتفاق سلام يحقق حل الدولتين مع إسرائيل صار مستحيلا”. وتحدث دحلان، وهو مفاوض سابق مع إسرائيل يجيد اللغة العبرية ومولود في مخيم للاجئين، عن الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، وهما المنطقتان اللتان احتلتا في حرب يونيو 1967 واللتان يطالب الفلسطينيون بأن تصبحا بجانب غزة ضمن دولة فلسطينية.

وقال في المقابلة النادرة “هناك تهويد شامل للضفة الغربية وليس فقط للقدس وأصبح من المستحيل تنفيذ حل الدولتين… وبالتالي لا يوجد أفق سياسي”.

6