اتفاق قرطاج: حزب الرئيس وتفاحة اتحاد الشغل

الجمعة 2016/07/15

بعد أربعين يوما من إطلاق مبادرة حكومة الوحدة الوطنية التي كان قد أطلقها رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي في 03 يونيو 2016، نجح الأخير في حمل الأطراف السياسية والمنظمات الوطنية المشاركة في المشاورات على توقيع وثيقة سياسية سميت اتفاق قرطاج.

الناظر في محتوى وثيقة اتفاق قرطاج يلاحظ أنّ ما وقع حول الوثيقة أخطر من محتواها. فالاتفاق وصفه رئيس الجمهورية أثناء كلمته بمناسبة التوقيع يوم 13 يوليو 2016 بكونه تاريخيا، من حيث طبيعة الموقعين عليه وعلاقتهم ببعضهم ودورهم في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتونس، لا من حيث محتواه.

فلقد جمعت الوثيقة توقيعات من لا يجتمعون في الواقع، مثل حركة النهضة وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي، أو الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الأعراف، أو حزبي نداء تونس ومشروع تونس المنشقّ عنه. وهو لا شكّ نجاح لسياسة رئيس الجمهورية في تجميع الفرقاء والتزام بدوره الدستوري في ذلك.

لكن الأهمّ أنّ هذا الاتفاق هو ضربة حزبية محكمة متعلقة بحزب الرئيس الذي أسسه بنفسه وخاض به الانتخابات التشريعية والرئاسية وفاز بها. والضربة الحزبية لا يعني أنها وطنية، ربما تخدم حزب الرئيس ولكنها لا تخدم الوطن بالضرورة.

من هنا فإنّ تجميع هذه الأطراف الموقعة على الاتفاق بهذه الطريقة الرسمية في أعلى مراتب التمثيل السياسي هو نوع من الاعتراف الرسمي ببعضها ومنحها تأشيرة الشرعية لا سيما تلك التي لم تنجح في نيل هذا الاعتراف والتمثيل من هياكلها، مثل نجله حافظ قائد السبسي عن حركة نداء تونس، ورئيس حملته الانتخابية السابق ومنافسه اليوم محسن مرزوق. فهما يمثلان حزبيهما قبل أن ينجزا مؤتمريهما الانتخابيين.

من هذه الناحية يمكن أن نقول إن رئيس الجمهورية لم يتوقف عن التفكير في أزمة حزبه التي تسبب فيها خاصة نجله وأقرب مساعديه، بمعنى أنه يعمل على تحقيق مكاسب سياسية لحلفائه أو أعضاده القدامى الذين لم يخرجوا بعد بالكامل من تحت جبّته شأن محسن مرزوق، وعلى الأخذ بيد نجله المتعثر في الشأن الحزبي وغير القادر على اكتساب صفة الزعيم القائد رغم كلّ مجهودات أبيه في تنظيف المسالك أمامه.

استغلّ السبسي فرصة المبادرة ليرسّخ نجله ممثلا عن الحزب الحاكم بصفة رئيس أو أمين عام لحزب يساهم في صنع القرار الأول في تونس، رغم كل ما حصل بسببه في الحزب الذي أسسه والده من انشقاقات وتصدعات ومشاكل واعتداءات بلغت حدّ تأجير الميليشيات لمنع أعضاء في الحزب من حضور مناسباته ومؤتمراته وندواته كما حدث سابقا في جربة والحمامات.

إنّ حضور نجل الرئيس ممثلا عن نداء تونس، وعضده السابق القوي محسن مرزوق ممثلا عن الحزب المنشق عنه ضربة حزبية محكمة من الرئيس إذ أنّه وحّد ما فرّقه الأغرار من حزبه وجمّع ما شتّتوه. لقد نجح السبسي عبر هذه المبادرة فيما فشل فيه هو نفسه في مؤتمر حزبه في سوسة في الشتاء الماضي، إذ جمع شقّيْ النداء في صفّ واحد بعد أن انفصلا بالكامل خاصة في البرلمان حيث تميل كتلة النداء باستمرار إلى صفّ كتلة النهضة، فيما تميل كتلة الحرّة التابعة لحزب محسن مرزوق أحيانا إلى المعارضة للضغط على شقّها الأمّ ولتحسين التموقع.

تحت ضغط شعار المصلحة الوطنية العليا اجتمع الفرقاء وأمضوا على الاتفاق الذي يرسّمُ نجل الرئيس حافظ قائد السبسي وغريمه محسن مرزوق بصفة نهائية صاحبيْ قرار في الشأن التونسي. نجح السبسي في تحقيق هذه الضربة الحزبية بتوظيف الشعار الوحدوي، وهو بذلك يخدم حزبه ونجله ومساعده الذي أوصله وحزبه إلى الحكم والذي افتقد خدماته حتما.

لكن بقدر ما نجح السبسي بقدر ما فشل الباقون، لا سيما الاتحاد العام التونسي للشغل والأحزاب التي تصنف نفسها في خانة المعارضة. فقبل أن تمضي هذه الأحزاب مع حافظ قائد السبسي ومحسن مرزوق على الوثيقة نفسها التي يراد منها أن تنقذ تونس، كان عليها أن تستوضح منهما الاتهامات العلنية بالخيانة العظمى التي كان حافظ قائد السبسي قد وجهها لمحسن مرزوق على شاشة فضائية تونسية خاصة معروفة.

كيف يُمضي اتحاد الشغل وأحزاب المعارضة على اتفاق وحدة وطنية مع أطراف تشكك في وطنية بعضها البعض، وتتهم بعضها بخيانة الوطن والتخابر مع دول أجنبية ضدّ مصالح تونس؟ كيف يسمح مرزوق لنفسه بالجلوس على نفس الطاولة مع من اتهمه بالخيانة العظمى دون اعتذار ولا توضيح؟ أين حقّ الشعب التونسي في أن يعرف دقائق من يسيّرون شأنه العام؟

كما أن الاتحاد العام التونسي للشغل هو من القائمين بالحق الشخصي في ملفّ اغتيال الشهيد شكري بلعيد. وحركة النهضة يتهمها القائمون بالحق الشخصي بالمسؤولية السياسية والأخلاقية في اغتيال الشهيد. فكيف يمضي الاتحاد على اتفاق بهذا الحجم مع طرف متهم في قضية يشارك الاتحاد في رفعها؟

هذا إضافة إلى قضية الاعتداء على المقر المركزي للاتحاد العام التونسي للشغل ومقرّاته الجهوية والمحلية برمي الفضلات أمامها سنة 2012 مطلع حكم الترويكا، والاعتداء بالعنف ومحاولة اقتحام المقر المركزي في 4 ديسمبر 2012 للاتحاد، وهي قضايا مرفوعة أمام القضاء التونسي ضدّ رابطات حماية الثورة وميليشيات مدعومة من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية والنهضة.

ففي قضية الشهيد شكري بلعيد تمكنت هيئة الدفاع من الوصول إلى معلومات خطيرة بفضل جهود استقصائية خاصة تؤكّد تورط جهات قضائية في إخفاء الحقيقة خدمة لأجندة أطراف حزبية بعينها وقّعت معها أحزاب معارضة تتبنّى قضية الشهيد بلعيد واتحاد الشغل الاتفاق. كما لم تظهر حقائق الاعتداءات على الاتحاد. وأجهضت في المهد.

واضح أنّ حركة النهضة غير متعاونة في الملفات التي تعنيها مباشرة. وهي تستعمل كلّ المناسبات والمحطات لتحمي نفسها وتحصّن مسؤوليها من المحاسبة والوقوف أمام القضاء. فأي وحدة وطنية يمكن أن تقوم على جراح مفتوحة مازالت نازفة؟ وأي اتفاق يُمضى مع أطراف تربّت في نفس الحزب، ثمّ تعادت ولم تتورع عن الاعتداء على بعضها البعض ولا عن الخوض في العرض والاتهام بالخيانة؟

هذه الهوامش المحيطة باتفاق قرطاج تجعل النوايا غير كافية لجعل الاتفاق تاريخيا كما وصفه رئيس الجمهورية، بقدر ما يبدو مساهمة في الالتفاف على الحقيقة وإجارة المعتدي واحتضان الفاشل والشرعنة لما هو غير شرعي، ومحاولة إعادة تدريجية للنظام السابق إلى مواقع القرار بحكمة “داوني بالتي كانت هي الداء”. أما الاتحاد العام التونسي للشغل فأخشى أنّه أكل التفّاحة.

كاتب وباحث سياسي تونسي

9