اتفاق نووي على النوايا

الاثنين 2015/04/06

من المبكّر التكهّن بانتهاء قصة الملف النووي الإيراني، إن بشأن مدى التزام الأطراف الموقّعة به، أو بخصوص نوعية المساومات التي تضمنها، كما أن الأمر سيتوقف إلى حد كبير على ما يحصل أو ما لا يحصل في المنطقة إلى حين موعد التوقيع على الاتفاق النهائي أواخر يونيو القادم، وهي منطقة حبلى بالمتغيّرات على ما نشهد.

ما هو واضح، هو أن نظام إيران بلع كل ادعاءاته السابقة، بخصوص عظمته الإمبراطورية وقوته العسكرية، وتهديداته بإغلاق مضيق هرمز، هذا أولا. ثانيا، أثبتت مضامين الاتفاق أن نظام إيران كان يتوسّل أي تسوية مع المجتمع الدولي، وبالخصوص مع الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن أرهقته العقوبات الاقتصادية الدولية، وبعد أن أضعفته العزلة التي تحيط به. ثالثا، كشف الاتفاق حقيقة مواقف إيران من الولايات المتحدة، وكذب الترويجات التي يطلقها بشأن عدائه لها، وبين أن شعار “الموت لأميركا”، أو اعتبار أميركا “الشيطان الأكبر”، ليس إلا للتلاعب والاستهلاك، وهو ما تكشّف في التواطؤ مع الإدارة الأميركية السابقة على غزو أفغانستان والعراق. رابعا، يبدو أن “عاصفة الحزم” العربية أسهمت في التعجيل بعقد هذا الاتفاق، أو في دفع إيران إليه، مع ما تحمله من رسائل بشأن قدرة العالم العربي على استعادة زمام المبادرة، وبشأن وصول النظام الإيراني إلى النقطة التي لم يعد مسموحا له بتجاوزها، عربيا ودوليا.

الاتفاق كشف إيران على حقيقتها كبلد ضعيف اقتصاديا ومستنزف بالموازنات الحربية التي ترهق شعبها، وتستهدف ترسيخ سلطة نظام آيات الله وتعزيز نفوذها الإقليمي، بعد انكشاف موقفها المتعلق بالمتاجرة بفلسطين وبالمقاومة، ودعم النظام في سوريا، وإثارة الطائفية في المنطقة.

استقبل معظم الايرانيين هذا الاستقبال بحفاوة بالغة، ما يبين أنهم سئموا إدعاءات آيات الله، وترهات الحرس الثوري الإيراني، وتعبوا من الأثقال التي يلقونها على كاهلهم، ما يعني أنهم ينتظرون أكثر من ذلك، أي التخفف من التزامات النظام الخارجية، وضمنها ما يتعلق بدعم الميليشيات الطائفية “الشيعية” المسلحة في البلدان الأخرى، والتخفف من القبضة الأمنية على الصعيد الداخلي، وانتظار نوع من الانتعاش الاقتصادي بعد رفع العقوبات المفروضة على بلدهم. في المقابل بدا أن الجناح المستفيد من السياسة المتعنتة لإيران، والمتمحور حول الطبقة المتطرفة من رجال الدين والنظام الأمني والاقتصاد الأسود، لا يريد لهذا الاتفاق أن يصل إلى نهاياته المرجوة، لأن هذا الجناح يبني سطوته ومكانته في السلطة، ليس على ازدهار الوضع الاقتصادي، وإنما على أساس القبضة الأمنية وتوتير علاقات إيران مع الخارج، أي مع العرب والنظام الدولي.

في الاتفاق استطاعت إيران أن تنتزع وقفا تدريجيا للعقوبات الاقتصادية الدولية المرتبطة بالملف النووي، على أن يتم رفع هذه العقوبات نهائيا بعد التوصل إلى اتفاق ناجز أواخر يونيو القادم. كما استطاعت إيران أن تحافظ على حقها في إنتاج الحد الأدنى من الطاقة النووية للأغراض السلمية.

استطاعت الدول الست أن تنجز في هذا الاتفاق مراقبة دائمة وحرة، دون قيد أو شرط، للمنشآت النووية الإيرانية، وأن تخفض عدد أجهزة الطرد النووية إلى الثلث، مع حصر التخصيب في منشآة واحدة هي “نتانز”، ومع إشهار سلاح عودة العقوبات الاقتصادية الدولية وربما استخدام القوة، في حال لم تلتزم إيران بالاتفاق الموقع. واللافت أن الفترة الزمنية التي يستغرقها هذا الاتفاق، والتي يرهن خلالها قدرات إيران النووية، تقدر بعشرة أعوام، وفي غضون العشرة أعوام هذه ربما يحصل الكثير، سواء في إيران ذاتها، أو على الصعيدين الدولي والإقليمي.

عموما، هذا اتفاق لصالح الشعب الإيراني، ولصالح تحجيم طموحات النظام الإيراني داخليا وخارجيا، ولصالح الاستقرار في المنطقة، بغض النظر عما تروجه جماعة النظام وأتباعه في ما يعرف بمعسكر الممانعة والمقاومة. وسنبقى بانتظار ما ستسفر عنه الأيام إلى حين توقيع الاتفاق النهائي بعد ثلاثة أشهر.

كاتب سياسي فلسطيني

9