اتفاق هدنة ولد ميتا

الخميس 2016/09/15

على الرغم من أن الاتفاق الروسي الأميركي الذي تم التوصل إليه مؤخرا يضع على رأس أولوياته محاربة تنظيم داعش، كما يبدو ظاهريا، إلا أن تفاصيل الاتفاق تتحول شيئا فشيئا إلى إجراءات تمهد الطريق لفصل الجبهات بشكل مؤقت، والسماح للنظام بإعادة تجميع قواته وترتيب أوراقه، فيما ستعمل الطائرات الروسية والأميركية على استهداف تجمعات المقاتلين من أجل الفصل بينهم وبين جبهة فتح الشام (النصرة سابقا) وتنظيم داعش، وأن العمل سيتركز في محيط مدينة حلب وريفها. ولم يشر الاتفاق من قريب أو بعيد إلى مدينة الرقة عاصمة داعش في سوريا أو مدينة دير الزور الخاضعة بشكل شبه كامل لسيطرة التنظيم المتطرف الذي يشكل خطرا على الولايات المتحدة ومصالحها، كما قال وزير الخارجية جون كيري.

وإذا كانت البعض من كتائب المعارضة وفصائل الثوار في سوريا قد تعاملت مع مفردات اتفاق الهدنة بشيء من اللامبالاة بل والرفض كما جاء في بيان أصدره الجيش السوري الحر ممهورا بتوقيع عشرين فصيلا ليس من بينها جبهة فتح الشام، فإن ذلك مرده بكل تأكيد المعرفة الوثيقة بكافة الاتفـاقات السابقة والتي تركت الباب مفتوحا لاستهداف المدنيين تحت ذريعة محاربة الإرهاب. وقد قصفت روسيا منذ تدخلها العسكري المباشر في سوريا العشرات بل المئات من الأهداف المدنية، وأصدرت بيانات تؤكد أن طائراتها قصفت تجمعات للإرهابيين، رغم أن التوثيق الذي شاركت في إنجازه منظمات ومؤسسات دولية موثوقة يكذّب الرواية الروسية في كل مرة، تماما كما فعل ويفعل نظام دمشق منذ سنوات.

وليس مستبعدا في هذه الحالة أن تنضمّ الطائرات الأميركية إلى حلف قصف المدنيين تحت الذريعة نفسها، طالما أن بنوك الأهداف سيتم تحديدها بالاتفاق مع الروس، وعلى الرغم من تظاهر واشنطن بأنها تعرف كل شيء، إلا أن مسلسل الأحداث يثبت أنها لا تعرف شيئا وأنها باتت شبه خاضعة للمشيئة الروسية في ظل الضعف الذي تعاني منه الإدارة الحالية التي حوّلت الولايات المتحدة من صانع قرار دولي إلى مجرد تاجر سلاح يبحث عن سوق لتسويق بضاعته.

وإذا كانت كل من واشنطن وموسكو تسعيان، كما قالتا، إلى شلّ قدرات المنظمات الإرهابية إلا أن اتفاق الهدنة لم يشر إلى العشرات من الميليشيات الطائفية الموالية لإيران والتي تنشط في الساحة السورية، ولم يعتبرها خطرا على صناعة السلام، وتعامل معها وكأنها ليست موجودة أصلا، رغم أن نشاطها الإرهابي يتجاوز في الكثير من الأحيان ما قامت وتقوم به البعض من المنظمات ذات الطبيعة الراديكالية، باستثناء تنظيم داعش، بل إن الاتفاق لم يشر ولو بمجرد إشارة إلى إيران وحرسها الثوري، والتي لا تخفي وجـود قواتها قـريبا من مدينة حلب، موضوع اتفاق الهدنة، ولا تتوقف عن تشييع جنرالاتها ومقاتليها الذين ذهبوا إلى سوريا لأداء واجبهم “الجهادي”، فكيف يمكن تفسير هذا الإغفال المتعمد، علما وأن إحدى المناطق القريبة من دمشق تشهد مسيرات لأتباع تلك الميليشيات الإيرانية يطالبون فيها بطرد السكان السنة من تلك المنطقة، وهذا الأمر ينسجم بشكل كبير مع عمليات التهجير المنظّم التي ترعاها إيران في محيط دمشق تحديدا، والتي تهدف أصلا إلى خلق حزام طائفي يحيط بدمشق ويجعلها “مفيدة” في مشروع المرشد الإيراني؟

لنفترض جدلا أن نظام دمشق قد ينصاع بضغط روسي إلى الموافقة على بنود الاتفاق، رغم أن هـذا الأمر مستبعد كليّا كما أعلن رأس النظام عن ذلك غداة صـلاة عيد الأضحى التي أداهـا في داريا التي أخليت من ساكنيها، ولنفترض أنه سيتوقف عن قصف المناطق المدنية وعن إلقاء البراميل المتفجرة، فهل يمكن لجم الميليشيات الموالية له ومنعها من التمدد في الأرض السورية على حساب قوات المعارضة وفصائل الثوار التي ستكون تحت رحمة الطيران الأميركي والروسي؟

كل تلك الاحتمالات تجعل اتفاق الهدنة الذي احتفل طرفاه بتناول البيتزا وشرب الفودكا يولد ميتا، ولا يمكن التعويل أو المراهنة على نجاحه. ما يعني استمرار النزيف والتدمير لفترات إضافية، وسوف تتواصل الفضيحة الأخلاقية التي تطال البشرية جمعاء، كما وصفت منظمة الأمم المتحدة في وقت سابق ما يحدث في سوريا.

كاتب سوري

8