اجتثاث الفنون في بلاد الفنون

الأحد 2016/08/28

الفنون، بأشكالها البصرية والسمعية المختلفة، من أبرز مظاهر حضارة بلاد الرافدين، تمتد جذورها إلى تاريخ سحيق في القدم، لا بوصفها تمثيلا جماليا للواقع فقط، بل عملية خلق لعناصر الحياة والمجتمع والطبيعة. ولأنها كذلك فقد كانت الأساس الأول لحضارة عالمية ناضجة في العصور التالية.

برع العراقيون القدامى في النحت والرسوم الجدارية والفخار والنقش والمسرح والعمارة والموسيقى والغناء. ويؤكد الباحثون أن الأشكال المنقوشة في الأختام الأسطوانية قدمت خلال المرحلة المبكّرة من الفن السومري مشاهد معقّدة جدا صوّرت فيها مجموعات من البشر والحيوانات، وتعطي لمحات أولية عن الطقوس والرموز الدينية والاجتماعية السومرية، باعثة الدهشة فينا جراء الحيوية التي تمتاز بها.

ولعبت الموسيقى دورا كبيرا في حياة هؤلاء الأجداد، وكان لبعض الموسيقيين، رجالا ونساء، منزلة كبيرة في المعبد والبلاط، حتى أنّ منهم مَن أضحوا موظفين ذوي مناصب رفيعة في البلاط، ما يشير إلى أن الموسيقى والغناء والرقص كانت مصدرا مهمّا للتعبير عن المسائل الروحية وللترفيه في الحياة العامة. كما أن الموسيقى كانت تُدرس وتُعلّم في مدرسة المعبد ومدرسة القصر.

هذه الفنون العريقة في بلاد الرافدين، إضافة إلى فنون أخرى استُحدثت، كالزخرفة أو الرقش (الأرابيسك) والخط العربي والمنمنمات استمرت في العصور اللاحقة، لم يُعتد عليها، أو يُنظر إليها بوصفها مصدرا ينشر الرذيلة والفحش، أو يتعرض أصحابها إلى التكفير إلاّ بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وهيمنة الأحزاب المتأسلمة المتخلّفة على السلطة، وانتعاش الجماعات المتطرّفة والتكفيرية الكارهة للإنسان والحياة والثقافة والجمال.

ولم تقتصر معاداة الفنون على ما فعله تنظيم داعش، الذي دمّر كنوزا فنية عظيمة في نينوى والحضر، بل ثمة في السلطة والأحزاب المتأسلمة مَن لا يختلف عنه.

والشواهد كثيرة، ليس آخرها تبنّي وكيل وزير التربية مشروعا ينم عن جهل وانحطاط، يتمثل في تحويل معاهد الفنون الجميلة في العراق إلى “مدارس” إعدادية.

وسبق لوزارة التربية أن فصلت بين الطلاب والطالبات لإبعاد الشيطان عنهم والحفاظ على العفة! وقبل أحد عشر عاما شكّل مجلس وزراء المالكي لجنة لاجتثاث النصب الفنية من الساحات العامة في بغداد، وعدد من مدن الفرات الأوسط والجنوب، بحجة إزالة آثار النظام السابق، فاقتلعت مخالب البلدوزورات نصب “المسيرة” للنحات خالد الرحال، الذي يصوّر مسيرة الحضارة العراقية عبر مختلف العصور، ويشكّل جزءا مهما من ذاكرة العراقيين البصرية، وهوية بارزة لتطور فن النحت العراقي.

وجرى تدمير نصب “المقاتل العراقي” قرب مقر وزارة الدفاع بباب المعظم، وهو لفنان أسباني قدّمه هدية للشعب العراقي إعجابا منه بمدينة بغداد وجمالها وتاريخها المجيد وبسالتها ضد أعدائها. وتمّ تفجير قاعدة تحمل نصبا يمثّل وجه أبي جعفر المنصور، باني بغداد، بتهمة أنه كان طائفيا.

ثم أجهزت اللجنة على نصب “اللقاء” الذي صمّمه وأشرف على تنفيذه الفنان علاء بشير، ويرمز إلى العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة.

وأُهمل نصب “الشهيد” للفنان الراحل إسماعيل فتاح الترك. وجرت محاولة لإزالة نصب “قوس النصر” في ساحة الاحتفالات الكبرى.

أما صالات السينما العريقة في بغداد فقد أغلقت كلها، وظلّ مسرح الرشيد، في مبنى وزارة الثقافة، مدمّرا طوال ثلاثة عشر عاما إلى أن تنادت جماعة رائعة من المسرحيين إلى إزالة أنقاضه في عمل شعبي تطوّعي، وأصلحت ما تستطيع إصلاحه من مقاعده وأجهزته الفنية.

وإمعانا في تخريب الفن التشكيلي العراقي، المعروف بمكانته الإبداعية المتميزة في الحركة التشكيلية العربية والعالمية، فقد عمدت “الطبقة الوسخة” إلى تخريب الذائقة الفنية بتشجيعها على وضع نصب وجداريات وبورتريهات هزيلة لفنانين مبتدئين، أصبحت محلّ سخرية وتندر العشرات من الفنانين والمثقفين، قائلين إنها “أوصلت الفن إلى الطماطم والباذنجان والموطة”، في إشارة إلى عدد من النصب والجداريات الهابطة في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية.

كاتب من العراق

13