اجتذاب رؤوس الأموال العربية المهاجرة

الخميس 2013/09/19

رغم المتغيرات الدولية التي عصفت بجدار برلين والاتحاد السوفيتي السابق في بداية التسعينات، لم تبد غالبية الأنظمة العربية أية نوايا لتغيير في مجالات الاقتصاد والسياسة؛ بل على العكس اشتدت ظاهرة نهب المال العام والإفساد المالي والإداري في غالبية الدول العربية، في الوقت التي تتطلع فيه الشعوب العربية إلى بناء المؤسسات المعبّرة عن ديناميكية المجتمع وقدراته وقواه وكفاءاته.

صحيح أنه ثمة منظمات مجتمع مدني برزت خلال العقد الأخير في العديد من الدول العربية، إلا أنها بقيت محكومة بقوانين لم تتعد توجهات النظام الحاكم، حيث تمت عملية مبرمجة لعدم ظهور قيادات ورموز وطنية لها امتدادها الجماهيري الذي تعبّر عنه، وتبعاً لذلك بقي خطاب تلك المنظمات أسير توجهات النظام السياسي. والأخطر من ذلك كله أن ظاهرة الفساد عششت في داخل أهم سلطة في غالبية الدول العربية، ألا وهي سلطة القضاء، لتصبح الرشوة سيدة الموقف، وليصبح الحق باطلاً والباطل حقاً في غالب الأحيان. وقد أسست هذه الظاهرة لانتشار ظاهرة التسلّط في مناحي الحياة.

انعكست سياسات النظم السياسية العربية على كافة مناحي الحياة؛ ومن بينها الحياة الاقتصادية، وتجلى التعبير عن ذلك من خلال سوء توزيع الدخل القومي للدول العربية، حيث تتحكم أقلية من السكان بالقسم الأكبر من الدخل القومي لهذه الدولة أو تلك، في حين بقيت أكثرية المجتمعات العربية عرضة لتفاقم ظاهرة الفقر والبطالة.

في مقابل ذلك يتوزع الدخل القومي بشكل أكثر عدالة نسبياً في الدول المتطورة.

وفي هذا السياق تشير دراسات مختلفة إلى أن معدلات البطالة تتراوح بين تسعة بالمئة كحد أدنى و30 ٪ كحد أعلى في الدول العربية. ويشار إلى أن نصف الإناث العربيات البالغات ونحو ربع الإناث المراهقات هنّ من الأميات. كما تشير بحوث متخصصة إلى أن معدل الأمية بين البالغين في الدول العربية بقي في حدود 36 ٪ خلال عامي 2011 و2012، في حين سجل مؤشر الأمية بين الشباب العربي بشكل عام نحو 19 ٪.

ومن الأزمات التي تعاني منها المجتمعات العربية عدم الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وثورة المعلومات. وتُعزَى الفجوات الكبيرة في هذا المجال بين الدول العربية والدول المتطورة في دول العالم إلى ارتفاع معدلات الأمية بين الشباب العربي. والتي كان مردها إلى سياسات النظم العربية الرسمية، حيث لم تخصص الموازنات الكافية للارتقاء بمستويات التعليم والبحث العلمي.

إذن المسؤول عن تدني مؤشرات التنمية البشرية في غالبية الدول العربية هو النظم السياسية وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية. واللافت أيضاً أن المؤشرات تزداد سوءاً عند الإشارة إلى ضعف المشاركة السياسية الشعبية في غالبية الدول العربية، فضلاً عن ضعف مشاركة المرأة العربية في مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة، هذا في وقت أصبحت فيه مشاركة المرأة من المعايير الرئيسية لمستوى التطوّر والتنمية في دول العالم.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الاستمرار في حالة النظم السياسية العربية المترهلة سيؤدي إلى تراجع في المؤشرات الدالة على تطوّر المجتمعات العربية إن على المستوى الداخلي أو الخارجي، ويمنع العرب من اللحاق في ركب الحضارة.

ومن هنا فإن الدول العربية ستشهد مزيداً من الانتفاضات والثورات الشعبية للمطالبة في بناء مؤسسات ومنظمات اجتماعية حقيقية، فضلاً عن المطالبة بالتغيير الشامل وترسيخ مبدأ الديمقراطية وسيادة القانون عوضاً عن مبدأ الفردية في الحكم. وبطبيعة الحال فإن انتشار المبدأ المذكور سيهيء الظروف السانحة لعودة رأس المال المالي العربي المهاجر من جهة؛ وكذلك ستكون الطريق معبدة لعودة الأدمغة العربية المهاجرة إلى أوطانها، حيث تشير دراسات عديدة إلى وجود خمسة ملايين من العلماء والأكاديميين والباحثين العرب في أوروبا وأميركا.

وبعودة رأس المال المالي والبشري إلى الدول العربية وتوطينها في الوطن الأم؛ يمكن التأكيد عندئذ بأن ثمة قدرات وطنية حقيقية كامنة ستدفع باتجاه تعزيز وتنمية قدرات الوطن والمواطن العربي؛ وتالياً تحسين شروط الأداء الاقتصادي لكافة القطاعات الاقتصادية في إطار الاقتصاديات الوطنية وتحقيق معدلات نمو اقتصادي من شأنه تعزيز الخيارات للدول والشعوب العربية على حد سواء، وقد تدفع تلك التغيرات إلى أن يتبوأ الوطن العربي مكانة هامة، ويصبح رقماً ليس هامشياً في إطار العلاقات الدولية. فالوطن العربي يزخر بالمصادر الطبيعية والبشرية. ثمة 60 ٪ من احتياطي النفط العالمي موجود في الدول العربية، ناهيك عن قوة بشرية كبيرة يصل مجموعها إلى 370 مليون عربي.


كاتب فلسطيني

9