اجترار الحزن ومواجهة القلق أفضل من التظاهر بالسعادة

من أكثر المفاهيم غرابة في عالمنا الذاتي هو البحث عن الشيء والحصول على نقيضه تماما، حيث تمثل محاولة الحصول على السعادة مدخلا آخر للاكتئاب. وحين يصبح الشعور بالسعادة وبلوغها بأي طريقة كانت، هدفا مهما لأغلب الناس، فإن متخصصين يحذرون من مغبة الانجرار وراء هذا الهدف الوهمي، لأنه لن يأخذنا إلا إلى المزيد من الاكتئاب والحزن، أما الحزن، كما يوصي هؤلاء، فإنه من المناسب أن نتعامل معه كشيء مسلّم به وأن نحاول ترويضه وتهدئته، قبل أن يستفحل ويصبح ضيفا مزمنا في حياتنا.
الأربعاء 2017/06/21
السعادة مدخل آخر للاكتئاب

أشار باحثون في جامعة ملبورن الأسترالية إلى أن محاولة الهروب من مواجهة الحزن قد لا تكون خيارا جيدا للأشخاص الذين يعانون من تبعاته، فالاكتئاب والقلق والمزاج الداكن ستتضاعف سطوتها ويصبح من الصعب التخلص منها.

وأكد الدكتور بروك باستيان الطبيب النفسي المشرف على الدراسة في جامعة ملبورن أن معدلات الاكتئاب في البلدان التي تولي مسألة تحقيق السعادة اهتماما كبيرا، سجلت ارتفاعا ملحوظا مقارنة ببقية البلدان، وبدلا من كونها ربما مسألة ثانوية في حياتنا، فإن السعادة أصبحت من دون شك هدفا بحد ذاتها قد يسعى إلى تحقيقها أغلب الناس على حساب استمتاعهم بالحياة في العموم.

وأوضح أنه حتى وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام صارا يستخدمان أيقونة الوجوه المبتسمة للتعبير عن رسوخ هذا المفهوم في وجدان الناس، أو إجبارهم على التظاهر بذلك من دون حتى وجود الشعور الحقيقي الذي يصاحبها في الحياة الواقعية.

ويرى باستيان أن هذه الرسالة تهدف إلى تعزيز المشاعر الإيجابية التي لدينا، ما يعني أيضا تجنب مواجهة السلبية منها، حتى أن الناس أصبحوا يتجنبون إظهار ضعفهم وحزنهم والتعبير عنهما أمام الآخرين، بسبب اتجاهات المجتمع، وخاصة وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، إلى الترويج لمظاهر الفرح والسعادة والاحتفاء بالإنجازات وكل أوجه النجاح وكأنها أشياء مسلّم بها ومتاحة للجميع.

وأشار إلى أن هذا هو الخطأ الذي يصر البعض على ارتكابه، ولهذا يتوجب على المجتمع ككل أن يبتعد عن مثل هذه المفاهيم وأن يغير موقفه من الاكتئاب والحزن إذا ما رغب في معالجة هذا الاضطراب بشكل فاعل، ويتوجب على الناس قبول أعراض الحزن والاكتئاب باعتبارها أمورا طبيعية قد تحدث لأي فرد، وينبغي أن يتم التعامل معها كما هي.

وقيّم الباحثون في الدراسة التي نشرت نتائجها في مجلة “الاكتئاب والقلق”، أعراض الاكتئاب لدى 122 مريضا، وطلب من هؤلاء المتطوعين تقييم أعراض الاكتئاب والحزن ومدى الضغوط الاجتماعية التي يواجهونها لإظهار عكس ما يشعرون به.

وتابعت الدراسة مرضى الاكتئاب على مدى شهر كامل، حيث أظهرت النتائج أن المرضى الذين واجهوا ضغوطا اجتماعية ليتظاهروا بالسعادة وبأن كل شيء على ما يرام، كانت حالتهم الأسوأ مقارنة بغيرهم من الذين سمحوا لأنفسهم باجترار الحزن ومواجهة أعراض قلقهم واكتئابهم بصورة طبيعية.

الناس يتجنبون إظهار ضعفهم وحزنهم والتعبير عنهما أمام الآخرين، بسبب اتجاهات المجتمع، وخاصة وسائل الإعلام

أما الاكتئاب الذي يعاني منه قرابة 322 مليون شخص حول العالم، فيعد سببا رئيسا في ارتفاع معدلات الانتحار وسببا أيضا للإصابة بأمراض القلب المختلفة، فيما تشير التقديرات إلى أن واحدا من بين خمسة أشخاص في العالم واجه أو سيواجه حالة الاعتلال النفسي هذه مرة واحدة في الأقل، في مرحلة واحدة من حياته.

من جانبه، يرى شون غروفر الكاتب والمعالج النفسي الأميركي أن الحياة عندما تتسبب في أذيتنا، وتعثرنا وسقوطنا ووقوعنا تحت طائلة الحزن والاكتئاب، فإننا لن نستطيع تجاوز كل هذا دفعة واحدة ولن نتمكن من الوقوف المباشر، إذ أن الأمر يحتاج إلى صبر وتأن وهذا لن يحدث في حال تجاهلنا للحالة النفسية التي نقع تحت طائلتها؛ فالتجاهل والتظاهر بالرضا والسعادة وبأن كل شيء على مايرام سيزيد الأمور سوءا، كل ما نحتاجه هو الاعتراف بالحزن ومواجهته حتى نتمكن من المضي قدما في رحلة العلاج.

ويؤكد غروفر أن تجنب الألم النفسي يجعله أشد وطأة، وللشفاء من ذلك علينا أن ندخل من باب الحزن على وسعه فنعيشه بكل تفاصيله، إذ أن الجروح النفسية تكمن خلفه، تلك الجروح النبيلة التي لا ينبغي أن ننكرها أو نتجاهلها، أن نمنح أنفسنا إذنا بالحزن والتعبير عنه بل نتعامل معه مثل جرح الجسد؛ بهدوء وصبر وطاقة على تحمّل الألم وطريقة العلاج التي ستكون أكثر إيلاما.

أما إذا حاول الناس دفعنا إلى تجاوز هذا الحزن، فيجب أن لا نصغي لهم وبدلا من ذلك يتوجب علينا إحاطة أنفسنا بالأصدقاء الذين يتفهمون ما نمرّ به، ويعينوننا على التعامل معه واجتيازه.

من جانب آخر، يرى متخصصون أن قضاء فترة العلاج الذاتي هذه تتطلب بعض العزلة عن الآخرين، على أن لا تكون فترة عزلة طويلة جدا، إذ أن العزلة الطويلة تجعلنا في مواجهة قاسية مع ذواتنا، حيث إلقاء اللوم على النفس والوقوع تحت وطأة الشعور بدور الضحية أو المرارة العميقة، فلا بأس في هذه الحالة أن نسعى للبحث عن أصدقاء مخلصين، السعي لنشدان الراحة في الصلاة، التأمل، القراءة وقضاء بعض الوقت في ممارسة رياضة المشي في الطبيعة وكل ما من شأنه أن يعيد الهدوء والطمأنينة إلى نفوسنا.

فيما يجد بعض الأشخاص في الأنشطة الإبداعية مثل الكتابة، الموسيقى، الأفلام والفنون عموما، مخرجا من أزماتهم النفسية، وهو شكل من أشكال التسامي والانتقال من واقع إلى آخر أجمل حتى لو كان هذا الانتقال لمجرد لحظات.

وعلى الرغم من أن الألم سيكون بالانتظار حالما يعود المرء إلى واقعه، لكنه سيكون في حال أفضل وكأنه حصل على جرعة من القوة والنشاط تمكنه من الوقوف ثانية وأكثر استعدادا لمواجهة الألم.

21