اجتماعات فلسطينية عبثية

انعقاد اجتماع للمجلس المركزي أو الوطني، أو عدم انعقاده، لا يقدم ولا يؤخّر في الوضع الفلسطيني، فالأطر السائدة أضحت عاجزة وبمثابة شاهد لا يحل ولا يربط.
الاثنين 2018/11/05
اجتماعات عبثية

عقد المجلس المركزي الفلسطيني مؤخرا، اجتماعا له في رام الله، لكن هذا الاجتماع كرر ذات القرارات التي كان اتخذها في دورات سابقة، أقله منذ عام 2015، خاصة المتعلقة بسحب الاعتراف بإسرائيل ووقف التنسيق الأمني معها وفكّ العلاقات الاقتصادية بها، ردا على تنصلها من التزاماتها باتفاق أوسلو، وإصرارها على المضي في فرض الاحتلال كأمر واقع، لا سيما بخصوص تهويد القدس وتعزيز الاستيطان في الضفة وإبقاء هيمنتها الإدارية والأمنية والاقتصادية على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967.

الحديث يدور هنا عن اجتماع الدورة الـ30 للمجلس المركزي، الذي يعتبر بمثابة الهيئة القيادية الثانية في منظمة التحرير الفلسطينية، ويتوسّط بين المجلس الوطني أعلى هيئة تشريعية، واللجنة التنفيذية التي تعتبر القيادة التنفيذية للمنظمة. ومعنى ذلك أنه لا ينبغي للمجلس المركزي أن يحل مكان المجلس الوطني ولا أن يصادر دوره، وفي نفس الوقت فإن هذا المجلس هو هيئة قيادية أعلى من اللجنة التنفيذية وليس العكس، أي أن قراراته ملزمة لتلك اللجنة وهو جهة محاسبة لها في حال انعقاده.

واضح أن الأمر لا يسير على هذا النحو في النظام السياسي الفلسطيني، حيث يخضع كل شيء لإرادة الرئيس محمود عباس، الذي يجمع الرئاسات الثلاث، فهو رئيس المنظمة والسلطة وقائد حركة فتح، في الوقت ذاته، وهو من موقعه هذا يتحكم بالخيارات والقرارات الفلسطينية، مع التنويه بأن المجلس التشريعي الخاص بكيان السلطة الفلسطينية مجمّد بسبب الانقسام في كيان السلطة، والخلاف بين الحركتين الرئيستين، أي فتح وهي السلطة في الضفة، وحماس وهي السلطة في غزة منذ عام 2007.

السؤال الملح في ضوء ما تقدم، ما الحاجة إذا إلى انعقاد المجلس المركزي مجددا، علماً أنه كان عقد قبل شهرين؟ أو ما حاجة الرئيس إلى هذا الاجتماع، طالما أنه هو وحده صاحب القرار، من خارج كل الإطارات والهيئات القيادية، وطالما أنه سيتّخذ القرارات التي يتّخذها من دون أي معارضة أو اعتراض؟ أيضا ماذا بخصوص مصير القرارات السابقة، التي اتخذها هذا المجلس، أو المجلس الوطني الأعلى منه، طوال السنوات السابقة، والتي بقيت حبرا على ورق؟

تطرح هذه الأسئلة لسبب بسيط مفاده أنه لم يعد يعرف أحد وظيفة الاجتماعات الفلسطينية، بحيث بتنا بعد الحديث عن مفاوضات عبثية وصواريخ عبثية، إزاء اجتماعات عبثية أيضا، فهي تعقد لأغراض التعبير عن الالتفاف حول القيادة والإشادة بحكمة خياراتها، كما أنها تأتي لتثبيت عزل فريق فلسطيني منافس، أي لتعظيم الخلاف والانقسام وليس لإيجاد حلول لهما.

وبخصوص انعقاد الدورة الأخيرة للمجلس المركزي فقد شهدنا أن الفصائل المعارضة طرحت مسألتين. الأولى تتعلق بالتشكيك بشرعية الاجتماع، بحكم غياب العديد من الفصائل عن الاجتماع أو مقاطعتها له، وضمنها حركة حماس والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية. والثانية تتعلق بالتخوف من أن انعقاد هذا الاجتماع سيؤدي إلى مفاقمة الانقسام الفلسطيني، ووأد جهود المصالحة، علما أن الحديث يدور عن انقسام عمره 11 عاما (منذ عام 2007).

بيد أن الإجابة على الاعتراضين المذكورين بسيطة جدا، فحتى لو حضرت حماس والشعبية والديمقراطية وكل الفصائل هذا الاجتماع أو ذاك، فإن ذلك الحضور لن يشكل فرقا مهما، ولن يغير شيئا في الوضع الفلسطيني السائد. والقصد أن فصائل المعارضة في اعتراضها، تنطلق من إدراكات ضيقة للأزمة الفلسطينية للحفاظ على مصالحها، إذ أن تلك الأزمة لا تقتصر على الشرعية أو الانقسام، وإنما هي أعمق من كل ذلك، كونها تتطلب إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية بكياناتها ومفاهيمها وأشكال عملها، مع معرفتنا أن الكيانات السائدة تنتمي إلى الماضي ولم يعد لديها ما تضيفه.

يستنتج من ذلك أن انعقاد اجتماع للمجلس المركزي أو الوطني، أو عدم انعقاده، لا يقدم ولا يؤخّر في الوضع الفلسطيني، فالأطر السائدة أضحت عاجزة وبمثابة شاهد لا يحل ولا يربط، بدليل أن قرارات المجلسين المركزي والوطني في كل الدورات، تشبه بعضها وتبدو كقطع إنشاء. ومثلا فإن المجلس المركزي أقر منذ سنوات إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وأقرّ تفعيل منظمة التحرير ووقف التنسيق الأمني وفكّ الارتباط الاقتصادي مع إسرائيل، لكن ذلك لم يحصل، وحتى في الاجتماع الذي عقد مؤخرا فقد تم الاكتفاء بتشكيل لجنة لمتابعة القرارات من اللجنة التنفيذية للمنظمة والمجلس المركزي ومن اللجنة المركزية لحركة فتح.

9