اجتماعات ملتقى الحوار السياسي الليبي بتونس تنتهي من حيث بدأت

مصادر سياسية ترسم صورة غير مريحة للوضع في ليبيا وترى أن المعطيات الأخيرة تشي بأن المشهد السياسي في المنطقة عاد من جديد إلى مربع الخلافات.
الثلاثاء 2020/11/17
فشل في بلورة توافقات

لجأت ستيفاني وليامز، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالإنابة، إلى إعلان ختام الحوار الليبي الذي انعقد في تونس على أن يُستأنف الأسبوع القادم، وذلك بعد خلافات بشأن الأسماء المطروحة لتولي رئاسة الحكومة الليبية، حيث دفعت مجموعة موالية لجماعة الإخوان اسم فتحي باشاغا إلى ذلك، إلى جانب علي الصلابي عضوا في المجلس الرئاسي، وهو ما رفع من منسوب الاحتقان ودفع وليامز إلى التدخل وإعلان ختام الحوار الليبي.

تونس- اضطرت ستيفاني وليامز، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالوكالة، إلى الإعلان بسرعة عن اختتام ملتقى الحوار السياسي الليبي المباشر في تونس، الذي انتهت أعماله مساء الأحد من حيث بدأت دون التوصل إلى تفاهمات تُذكر باستثناء تحديد موعد لإجراء انتخابات عامة في 24 ديسمبر 2021.

وفاجأت وليامز المشاركين في هذا الحوار والمتابعين للشأن الليبي، بقرار تعليق أعمال هذا الملتقى في ربع الساعة الأخير من النقاشات التي كانت تدور حول اختيار الشخصيات التي ستتولى المناصب العليا في السلطة التنفيذية، خاصة وأنها كانت قد أعلنت قبل يومين من قرارها التمديد في أعمال الملتقى لثلاثة أيام إضافية.

وأعلنت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالوكالة، ليل الأحد – الإثنين، اختتام أعمال ملتقى الحوار السياسي الليبي المباشر في تونس، حيث قالت خلال مؤتمر صحافي إن أعمال هذا الملتقى ستتواصل الأسبوع القادم عبر تقنية الفيديو كونفرنس، وذلك لبحث آلية اختيار من سيتولى المناصب في السلطة التنفيذية، إلى جانب إنهاء المسائل الخلافية.

واعتبرت أنه “لا يمكن وضع حلول لصراع استمر عشر سنوات في ليبيا خلال أسبوع واحد”، ولكنها أكدت في المقابل “لقد أنجزنا الكثير.. وأنا مسرورة جدا بنتائج المحادثات، لدينا الآن خارطة واضحة لإجراء الانتخابات، لكن لا يزال أمامنا عمل كثير”.

وأشارت إلى أن المشاركين في هذا الملتقى اتفقوا على عدة ملفات مهمة تشمل اختصاصات السلطة التنفيذية ومعايير الترشح وخارطة الطريق، كما تم الاتفاق على الفصل بين المجلس الرئاسي ورئاسة الحكومة.

وأضافت أن آخر ثلاثة أيام من اجتماعات الملتقى شهدت نقاشات عميقة حول من سيتولى مناصب السلطة التنفيذية، وقد قرر المشاركون في هذا الملتقى منذ اليوم الأول أن يكون قرار التصويت على استبعاد الشخصيات التي ستتولى السلطة التنفيذية بالتوافق، بحيث يجب ألا يقل عن 75 في المئة.

ولكنها تفادت التطرق إلى الأسباب الحقيقية التي دفعتها إلى تعليق أعمال هذا الملتقى، حيث أرجعت مصادر ليبية تحدثت لـ”العرب” من داخل أروقة الملتقى، ذلك إلى ما وصفته بجملة من العوامل أملتها حسابات المصالح الشخصية لعدد من المشاركين، تشابكت مع مناورات سياسية تداخلت مع أجندات القوى المؤثرة في الملف الليبي، وخاصة منها تركيا وقطر.

وقالت هذه المصادر لـ”العرب” إنه “قبل ساعات قليلة من إعلان قرار التعليق، عرفت جلسات ملتقى الحوار خلافات حادة تخللتها مناكفات اقتربت كثيرا من تبادل الاتهامات بين شقين؛ الأول يدعو إلى فرض قرار يسمح بتمكين بعض الوجوه السياسية الحالية من حق الترشح للمناصب العليا في السلطة التنفيذية، والثاني يرفض هذا التوجه، ويدعو إلى فسح المجال لوجوه سياسية جديدة لقيادة المرحلة الانتقالية القادمة”.

ويُدافع عن الرأي الأول عدد من المشاركين المحسوبين على تنظيمات الإسلام السياسي، وجماعة الإخوان المسلمين، وهم يشكلون أكثر من نصف إجمالي عدد المشاركين في الملتقى (45 مشاركا من أصل 75)، بينما تدافع مجموعة أخرى عن الرأي الثاني وتُحظى بنوع من المصداقية لدى الشارع الليبي.

ولا تُخفي هذه المجموعة رفضها القاطع لتمكين جماعة الإخوان من الهيمنة من جديد على المشهد السياسي الليبي، الأمر الذي تسبب في ارتفاع حدة الخلافات، خاصة بعد تردد اسم وزير الداخلية الحالي فتحي باشاغا لتولي منصب رئيس الحكومة الليبية القادمة، وعلى الصلابي كعضو في المجلس الرئاسي، ما دفع ستيفاني وليامز إلى التدخل لمحاولة تهدئة الوضع.

وسعت في المقابل إلى محاولة فرض مبدأ التصويت لتجاوز هذه المعضلة، الأمر الذي زاد من غضب المجموعة الثانية التي رأت في ذلك مناورة لفرض أجندة الإخوان باعتبار أن غالبية المشاركين محسوبون عليهم، بالإضافة إلى وجود نحو 7 مشاركين آخرين محسوبين على رئيس البرلمان عقيلة صالح، يؤيدون هذا التوجه ضمن صفقة مُعدة سابقا.

الحوار الليبي عرف خلافات حادة بعد دعوة أطراف لفرض قرار يمكّن وجوها سياسية حالية من الترشح للمناصب العليا في السلطة التنفيذية

وتنص هذه الصفقة التي تحدثت عنها وسائل إعلام ليبية قبل بدء ملتقى تونس للحوار الليبي، على أن يتولى فتحي باشاغا رئاسة الحكومة، وعقيلة صالح رئاسة المجلس الرئاسي، وبالتالي قطع الطريق أمام تفاهمات يتردد أنها تمت سابقا أيضا بين قيادة الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر، ونائب رئيس المجلس الرئاسي، أحمد معيتيق لتولي منصب رئاسة الحكومة القادمة.

ويبدو أن ستيفاني وليامز استشعرت خطر الاستمرار في توجهها على تماسك المشاركين الذين هدد البعض منهم بالانسحاب، فقررت تعليق أعمال المؤتمر والاكتفاء بنصف إنجاز وهو تحديد موعد إجراء الانتخابات، وذلك لتفادي الدخول في مشاكل إضافية قد تُدخل هذا الحوار في حلقة مُفرغة.

وأمام هذه التطورات، ترسم المصادر الليبية التي تحدثت إليها “العرب” صورة غير مريحة للوضع، وترى أن المعطيات المتوفرة لغاية الآن تشي بأن المشهد الليبي عاد من جديد إلى مربع الخلافات التي تدفع نحو معركة سياسية أخرى قد تُستخدم فيها مختلف أوراق الضغط المتاحة لفرض معادلات جديدة.

وتخشى أن تتسبّب المعادلات الجديدة في إفراغ ملتقى تونس للحوار السياسي المباشر من أهدافه الرئيسية، أي إيجاد سلطة تنفيذية توافقية وموحدة ومؤقتة لإدارة شؤون البلاد خلال فترة انتقالية محدودة في الزمن، وعلى بلورة تفاهمات على قاعدة دستورية وقانونية لإجراء انتخابات عامة في أقصر وقت ممكن.

4